فكر

العلمانية: ودواعي الاستيراد

ما الذي يمكن أن يضيفه كاتب بعد قرنٍ كاملٍ من الجدل في بيئتنا العربية حول العلمانية، حيث يلتفت يمنة ويسرة وإذا بأكوامٍ من الكتب والدراسات تتناثر على ضفتي الجدل القديم الحديث، وكنت أتصور أنَّ الناس تجاوزوا هذا الجدل وتقدموا خطوة باتجاه تحقيق التحول الديمقراطي، وكسر احتكار الأقليات الفاسدة للحكم، غير أنَّ الجدل المثار استلزم التذكير ببدهيات الفكرة العلمانية في ظل موجة جديدة تسعى لإعادة إنتاج المصطلح في قالبٍ إسلامي! وهو تمرير متهافت؛ لأن لكل مصطلح حقلًا دلاليًا وحمولة تاريخية تحددان ملامحه ومعالمه، والقفز على مواضعاته الدلالية ليس من العلمية في شيء، ولا نعرف هذا القفز إلا عند الباطنية قديمًا حيث اشتهرت بفصل العلاقة بين الدال والمدلول، أو بعض اتجاهات الهيرمينوطيقا حديثا إذ دعت القارئ لتركيب المعنى الذي يريد، بدعوى موت الكاتب.

ونحنُ ندرك وكل باحثٍ جاد أنَّ فكرة العلمانية ولدت في أوروبا لمعالجة المشكِل الأوروبي، حيث كانت الكنيسة المسيحية في أوروبا تتحكم بكل الحقول الحياتية تقريبًا، فهي التي تُفسِّر تعاليم الرب كما جاءت في الكتب المقدسة، وهي التي تمنح الشرعية للحكّام، وهي التي تعتمد التفسير العلمي للظواهر الطبيعية ومن يخرج عن تفسيرها يُرمى بالهرطقة، وهي التي ترسم خطوط الأخلاق التي يسير عليها النَّاس، ومن ثمَّ فهي التي تمنحهم صكوك الغفران أو تضرب عليهم الحرمان الكنسي، لقد اتشحت رداء الرب وصارت الممثل الوحيد له في الأرض، وقد آل التحكم الكنسي بحياة الأوروبيين إلى جحيم لا يطاق، ففي حرب الثلاثين عامًا بين البروتستانت والكاثوليك (1618م – 1648م) أُبيد الملايين من سكان أوروبا، فألمانيا وحدها خسرت 60% من سكانها(1) ؛ ناهيك عما خلّفته تلك الحروب من جروح غائرة، دفع ثمنها المنظور الكنسي نفسه.

في ظلِّ هكذا ظروف تفتَّق العقل الأوروبي عن فكرةِ العلمانية لإيقاف العبث الكهنوتي بالحياة والأحياء، وكانت البذرة الأولى من لدن التيار الإصلاحي “البروتستانت” الذي نادى بحقِّ السلطة السياسة في الاستقلال عن السلطة الدينية، وإنفاذ أمرها على رعاياها دونما التفات لتعميد البابا أو رضاه، (فلقد ساهم “مارتن لوثر” (1546م) في تقويض سلطان البابا، حيث أفضت جهوده إلى تفكيك السلطة البابوية، وبذر حبوب الدولة القومية وصولاً إلى العلمانية السياسية)(2)؛ وهذا بدوره شكّل نقطة تحوّل أولية في المنظومة الأوروبية القائمة على هيمنة الكنسي على السياسي. ثم جاءت الإضافة النوعية للفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارات” (1650م) الذي قعَّد لفصل النظر الديني عن النظر العلمي فساهم في سحب الحقل العلمي من تحت هيمنة الكنيسة(3)، حين رأى اصطدام الكنيسة بحقائق العلم، ذلك الاصطدام الذي دفع  ضريبته كبار علماء الطبيعة أمثال “جوردانو برونو” الذي أحرقته الكنيسة عام 1600م بسبب اعتناقه لفكرة أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما كانت تعتقد الكنيسة.

ولقد كسب العلم الجولة ضد الدين بعد توالي الضربات، فقد تلقى المنظور الكنسي أولى صفعات العلم، حين قام العلماء باستخدام المنهج العلمي للتشكيك في المصداقية التاريخية للكتب المقدسة، وكانت أقوى الانتقادات المنهجية ما قدمه “باروخ سبينوزا 1677م” حين طعن في المصداقية التاريخية للتوارة، ثم تبعه “هيرمان ريماروس” 1768م أول من تجرأ على نقد العهد الجديد “الإنجيل”، وأنكر مصداقية الإنجيل، مما زرع بذور الشك في النخب المسيحية الأوروبية تجاه الدين برمته.

ثم أحدثت فيزياء نيوتن قفزة هائلة في التفكير الأوروبي، حيث أثبتت آلية النظام الكوني وثبات القوانين التي تحكمه، فلم تعد ثم حاجة لتدخل الله في الحياة وقد كان (لايبنتز 1716م) يرى أن من كمال الله عدم تدخله في النظام الكوني، بعد أن أبدع في تصميمه وتركه كالساعة الآلية(4).

وقد تجاوز تأثير الفيزياء النيوتنية الحقل الفيزيائي ليلقي بظلاله على بقية الحقول المعرفية الأخرى ويمكن ملاحظة انعكاس هذا التفكير الآلي من زاويتين، الأولى: تعزيز حضور العلم على حساب المنظور الديني الذي فقد بريقه تحت سطوة الكشوف العلمية. والثانية: خصوصية فيزياء نيوتن التي رسّخت النظام الآلي الذاتي للطبيعة، مما أوحى إلى مثقفي أوروبا بحيوية الاستقلال الفكري عن الوحي؛ فالعقل الذي اكتشف قوانين الحركة الطبيعية قمِنٌ به أن يعرف قوانين الحركة الإنسانية دونما توجيه من الدين، فاتجه العقل الأوروبي باتجاه الفصل التام بين الديني والحياتي بشكل كبير(5).

وقد تجاوب فلاسفة النظرية السياسية الأوروبية مع هذا التفكير، فـ”جون لوك” (1704م) يقول: (لم تبق حاجة أو نفع للوحي، طالمـا أنَّ الله أعطـانا وسائل طبيعية أكثـر يقينًا لنتوصل بها إلى المعرفة)(6)، وأسست كتبه لنزع الصبغة الإلهية عن الحاكم، ودعا لفصل الدولة عن الكنيسة. فهو يؤسس للقطيعة مع الدين استنادًا إلى قدرة العقل على الاستقلال عن الدين، ومن ثم جاءت نظريته السياسية متسقة مع هذا المنظور الذي يستغني عن الدين ويضع المرجعية العليا للعقل البشري، وتابعه بشكل أكثر حدية “جان جاك روسو” (1778م) إذ يرى أن الأديان شوشت على نقاء الإنسان، ودور العقد الاجتماعي أن يعيده لنقائه، وكان الهمّ الأول “لروسو” أن يعيد الدين إلى حالته الجوانية للفرد، ليحرر السلطة من قبضته في ظل النزاع الشديد بين المذاهب الدينية، فيقول: (لا يوجد لهذا الدين أي صلة خاصة بالهيئة السياسية)(7)؛ فالدين عنده يتعلق بــ( العبادة الجوانية الخالصة للإله القدير)(8).

ولم تقف القطيعة مع الدين عند فهم الطبيعة كما قال “ديكارت” ولا عند السياسة كما نظّر “لوك”، بل امتدت إلى باب الأخلاق؛ فقد نشأ تيار ينادي برفض الأخلاق السائدة التي انبثقت من تراتيل الكنيسة واختيارات المجتمع آنذاك، وتصويرها كقيود لحركة الإنسان، فقد نادى “دنيس ديدرو”( 1784 م) برفض الأخلاق النابعة من الدين المنزّل، وآمن بالأخلاق النابعة من فيض القلب بعيداً عن المواضعات الاجتماعية(9)، في حين ذهب “جان جاك روسو” (إلى أنَّ العلوم والفنون والآداب هي ألد أعداء الأخلاق، وأنها تستعبد البشر، وتفرض القيود عليهم)(10)، صحيح أن التنظير للتفلّت الأخلاقي في حقل السياسة قد سبقهم إليه “مكيافيلي” (1527م)، إلا أن التنظير للحرية الأخلاقية الشاملة جاءت متأخرة وأعطت المنظور العلماني دفعة في التحرر من وصايا الدين حتى  أثمر تفكك منظومة القيم الاجتماعية، فهناك 43 % من أطفال أوروبا ولدوا خارج إطار الزواج وفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي للعام 2016م(11).، ناهيك عما خلفه المنظور العلماني من استهتار بقيمة الإنسان، فالإبادات الجماعية التي شهدتها أوروبا خلال القرن العشرين، لا يمكن تفسيرها بعيدًا عن حالة التخلُّص من عبء الالتزام الخلقي تجاه البشر، وقد رصدت دراسة لجامعة لويسفيل (12)   أن ضحايا اللادينيين قد بلغوا 125 مليون إنسان، لأنهم تخلصوا من العبء الأخلاقي التي تفرضه تعاليم الأديان.

كل هذه الرحلة الطويلة التي امتدت لقرون، وتشابكت فيها جهود استقلال الدولة القومية عن الإمبراطورية الدينية، ثم الطعن والتشكيك في الدين، والانحياز للعلم وكشوفه، ثم تأسيس عقد اجتماعي مستقل عن هيمنة الدين، قد أثمر العلمانية في صورتها النهائية، التي انتزعت الدولة من أحضان الكنيسة، وأعادتها للمجتمع ليدبر شؤونه بنفسه.

وقد آلت العلمانية في المنظور الغربي إلى إعادة الاعتبار لمركزية العقل(13)  بعد تنحية الدين، وحضور الدنيا وتهميش الآخرة، ويمكننا أن نقول حضور الإنسان(14)  وغياب الله، وهي التي تجرأ على نطقها “نيتشه” (1900م) حين قال: (لقد مات الله، ونحن نريد الآن أن يحيا الإنسان المتفوق)(15)، صحيح أن آخرين توقفوا في منتصف الطريق ولم يتابعوا الخطى إلى حيث وصل نيتشه، غير أن التخلّص من مرجعية الوحي في الشأن العام، خطوة تمهد للتخلص منه في الشأن الخاص.

نيتشه

نحن إذًا أمام حالة فصل ما بين الديني والدنيوي، وهي حالة تناسب العقل الغربي أحادي النظرة كما وصفه “علي عزت بيجوفيتش”(2003م)، إذ يجد ذلك العقل صعوبة في الجمع بين الثنائيات “الديني والدنيوي” “الدنيا والآخرة” وهي إشكالية ممتدة في جذور الحضارات الغربية القديمة والحديثة وانعكاسها اليوم متجلياً في هذا الفصل بين الثنائيات (16).

دواعي الاستيراد العربي:

نستطيع تفهم الثورة الأوروبية الطويلة تجاه الدين المبدل، وتأسيس العلمانية في إطار تسوية تاريخية مع الدين، إذ التغول الكنسي مرض أوروبي خاص والحل العلماني دواء يلائم المرض الأوروبي، ولكن ما علاقة المجتمع العربي بأمراض أوروبا، إذ ليس لدينا سلطة دينية تهيمن على الحياة، ولا تحتكر الحديث باسم السماء، أو تمتلك حق التحليل والتحريم النهائي غير الخالق العليم-سبحانه وتعالى- فعن أي كهنوت يتحدث مروجوا العلمنة في المنطقة العربية؟!

ألم تبلغهم الوصية النبوية التي ينزع بها القداسة عن أي تصرف بشري ويحتكرها للوحي باعتباره مرجعاً مقدساً قد توافقه التطبيقات أو تفارقه؛ وفيها يقول لأمرائه: (وإذا حاصرتَ أهلَ حِصنٍ، فأرادوك أن تنزلَهم على حكمِ اللهِ، فلا تنزلْهم على حكمِ اللهِ. ولكن أَنزِلْهم على حكمِك. فإنك لا تدري أُتصيبُ حكمَ اللهِ فيهم أم لا)(17).

فيصير اجتهاد الحاكم تصرفًا بشريًا لا قداسة له، يراعي موجهات الوحي قدر الإمكان، ويمكن أن يصوبه أي مواطن فيتراجع عن قراره مردداً قَولة الفاروق: (أصابت امرأة وأخطأ عمر)(18).

ألم تكفهم تجربة الاستيراد العلماني وفشلها الذريع في التوطن ومعالجة مشاكل المجتمع وهي التي جثمت على صدورنا لأكثر من قرن؟!

ألا يلاحظون كيف انكسرت موجات العلمنة – الواحدة تلو الأخرى-  في مجتمعنا، ومرد ذلك عائد إلى تصادم المنظور العلماني مع المنظور الإسلامي للحياة، فقد التفت لهذا العامل أكثر من باحث منهم الأنثربولوجي “أرنست غلنر” الذي  شغله سؤال “لمَ يكون دين واحد بعينه [الإسلام] على هذه الدرجة الملحوظة من مقاومة العلمنة؟ “، وخلص إلى أنَّ في الإسلام إيمانا دينيًا عميقًا، بمعنى الدين المؤسس العقيدي القادر على تحدي أطروحة العلمنة بشكل كلي ومؤثر (19) .

وهو رصد يضعنا أمام الحقيقة وجهًا لوجه، فأكبر عائق يواجه النموذج العلماني في جغرافيا الإسلام هو الإسلام ذاته؛ فهو دين له منظوره الشامل للحياة، ولن يكون للمنظور العلماني نصيب في عالم الإسلام إلا بقهر السلطان، وهو قهر فشل فشلاً ذريعاً كما رصد “جون إسبوزيتو” و”جون كين” في كتاب “الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط” اللذان توصلا إلى انحسار التيار العلماني لصالح التيار الإسلامي. (20)

إنَّ طبيعة الإسلام كديانة وكتجربة تاريخية لا تعطينا أي مبرر لاستيراد العلمانية، فلم تكن مشكلة المسلمين مع الكنيسة بقدر ما كانت مع السلطة القهرية التي اختطفت الدين أحايين عديدة لتحقيق مآربها.

كما أنَّ هذا الكم من الأحكام القطعية المبثوثة في كتاب الله لا يمكن للضمير المسلم أن يتنازل عنها لأي مبرر كان، فهو يرى أن المروق عنها مروق عن الإسلام، وتصور الشرق الإسلامي بدون إسلام محال.

وقد حاول نفرٌ من العلمانيين العرب تحديث الإسلام عبر تحوير أحكامه القطعية تحت يافطة التجديد، وكرسوا مناهج وأدوات كثيرة لتأويل النص الديني كي يعلمنوا الإسلام، غير أن النتيجة باءت بالفشل الذريع، وتهاوى خطابهم المزركش بدعاوى التجديد تحت سطوة المحكمات القرآنية التي يفقهها كل مسلم.

وأكثر المحاولات غرابة هي التي تحاول أن تقدم العلمانية كما لو أنها آلية حكم لا علاقة لها بمصادمة الدين الإسلامي، متجاهلة تماماً طبيعة التضاد التام بين العلمانية كمنظور يجعل الإنسان وأهواءه مرجعية الحياة، والإسلام الذي يجعل للإنسان مرجعية سماوية تضبط تصرفاته، وتمنحه معالم الفوز والفلاح في حياته وآخرته. ومحاولة اختزال المنظور العلماني في الشق الآلي مع بقاء المرجعية الإسلامية تنكب عن أبجديات العلمانية، وحشو للمصطلحات دونما فائدة، فلا مرجعية دينية في المنظور العلماني، بينما يحتكر الوحي المرجعية العليا في المنظور الإسلامي وهذه نقطة المفارقة الكبرى بين المنظور العلماني الذي يجعل المرجعية العليا بشرية، والمنظور الإسلامي الذي يدعوا للاجتهاد البشري تحت موجهّات الوحي.

وقد انتعش سوق العلمنة من جديد بفعل الصراع الطائفي الذي تشهده المنطقة، فطفق العلمانيون يروجون للعلمانية كحل لهذا التنازع الديني القائم؛ كما كانت العلمانية هي الحل للصراع الديني في أوروبا. وهي مغالطة تضاف إلى جملة المغالطات العلمانية العديدة، فمشكلة الطائفية في عالم الإسلام لم تنتعش بسبب التعصب الديني، وإنما بسبب الطغيان السياسي الذي يعمد إلى إذكاء النزاعات العرقية والطائفية والمناطقية في المجتمع على قاعدة “فرق تسد”، إذ لم يجد الطغيان السياسي أفضل من تمزيق المجتمع وإشغاله ببعضه البعض للهروب من الاستحقاق التنموي الذي فشل في تحقيقه، وقد فضحت الوثائق الرسمية التي خرجت في مصر بعد سقوط نظام مبارك، كيف أن أجهزته الأمنية كانت وراء تدبير تفجير الكنائس في مصر(21) ، في بلد عاشت فيه الأقلية المسيحية لقرون طوال في بحبوحة من التعايش الاجتماعي فلم يرف لهم جفن أو يكفأ لهم قدر على خلفيتهم الدينية مذ دخل الإسلام مصر قبل 14 قرن. وبالمثل في العراق والشام التي تعتبر لوحة ثرية في التنوع الديني، إذ يعيش على رقعتها الجغرافية أكثر من 16 دين ومذهب وطائفة، في تعايش خلاق منذ قرون، ولم تتفجر الخلافات إلا بفعل الطغيان السياسي. وإلا فكيف نفسر احتضان هذه المنطقة لكل ذلك التنوع الديني منذ قرون دون أن تتفجر حروب دينية طوال هذه القرون؟ ولن نجد تفسير ذلك إلا من خلال فهم العامل المؤسس للتعايش المجتمعي، والعامل الطارئ للتفجّر الطائفي؟

فالعامل المؤسس للتعايش يكمن في تعاليم الإسلام، التي أسست من أول يوم للتعايش وقبول الآخر، فاحتضنت جغرافية الإسلام مختلف الملل والنِّحل، وعاش الناس في بحبوحة سلام، بفعل هذا التأسيس للقبول بسنة الله في اختلاف البشر التي نجد تقريرها مبثوثًا في كتاب الله عز وجل، قال تعالى : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)[هود:118]، وقال تعالى : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة:256]، بل ويحث القرآن على التعامل بالبر والعدل مع المخالف المسالم كما قال تعالى : (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة:11]. إلى غيرها من الآيات التي أسست لهذا التنوع الخلاّق، والتعايش الفريد في التاريخ، الذي شهدته المنطقة طوال 14 قرنا، وبخعت له عقول المنصفين من خارج رقعة الإسلام مثل شهادة عالم الانثروبولوجيا الإسباني “جوان كوماس” (1979م) حيث رصد في كتابه أن ( المسلمين لم يظهروا إطلاقاً أي تعصب عنصري أو عدم تسامح مع أية مجموعة بشرية)(22) ، وقبله المؤرخ “توماس أرنولد”(1930م) الذي خلص من دراساته حول التاريخ الإسلامي إلى أن سر هذا التسامح يكمن في ( إن نظرية العقيدة الإسلامية تلتزم التسامح وحرية الحياة الدينية لجميع أتباع الديانات الأخرى، لقد ظل الكفار على وجه الإجمال ينعمون في ظل الحكم الإسلامي بدرجات من التسامح لم نكن نجد لها مثيلا في أوربا حتى عصور حديثة جدا، وإن التحول إلى الإسلام عن طريق الإكراه محرم طبقا لتعاليم القرآن، وإن مجرد وجود كثير من الفرق والجماعات المسيحية في الأقطار التي ظلت قرونا في ظل الحكم الإسلامي لدليل ثابت على ذلك التسامح الذي نعم به هؤلاء المسيحيون)(23) . وتضيق هذه المقالة عن حشد شهادات المنصفين من الشرق والغرب عن سماحة الإسلام مع الآخر، وبحسبنا أن المنطقة الإسلامية هي المنطقة التي لم تشهد إبادات دينية على رقعتها، وكل ما هنالك من حروب لا تعدو أن تكون طغيانًا سياسيًا يتدثر رداء الدين أحياناً لتمرير عدوانه.

فلو كانت العقيدة الإسلامية تنطوي على إلغاء الآخر، وعدم استيعابه، لكانت المنطقة العربية رقعة خالصة لاتباعه فقط، وهنا تسقط واحدة من مبررات الاستيراد العلماني المتهافتة.

وكلي يقين أنَّ التجربة العلمانية ستغادر عالم الإسلام غير مأسوف عليها؛ لأنها في جوهرها محاولة استنبات أمراض أوروبا في بلادنا لإيجاد مسوغ لاستيراد الدواء الأوروبي، في حالة غفلة شديدة عن خصوصيتنا الثقافية ومشاكلنا المختلفة عن أوروبا، فلم نعاني من إقطاع حتى يقوم الحمقى باستيراد الشيوعية، ولا كنيسة لدينا متحكمة حتى نهتف للعلمانية، وما ثمَّ إلا تخلف علمي وتقني تحت قهر سلطاني خليق بالأحرار أن يواجهوه بصحوةٍ فكرية تقاوم الجمود، ونضال سياسي يعيد الشورى لأهلها، وقد خلُص الكاتب الأمريكي” نيك دانفورت” إلى أن المسلمين سيجدون طريقهم بأنفسهم خلال المستقبل بغض النظر عن التجربة العلمانية الغربية، ويُذّكر الغربيين بفشل التحديث العلماني الذي حاوله أتاتورك من قبل(24). أما المفكر الأمريكي هنتنجتون (2008م) فقد همس في أذن من أراد تمرير العلمانية – بغطاء إسلامي بزعم تحديث الإسلام- قائلًا: إنَّ المسلمين سيصنعون حداثتهم الخاصة بهم، وسيعملون على “أسلمة الحداثة” لا “تحديث الإسلام”(25)، ومن قبله أدرك محمد عابد الجابري أن لا مكان للعلمانية في أرض الإسلام فهتف في زملائه قائلًا: (مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات: إن الحاجة إلى الديمقراطية والعقلانية هي حاجات موضوعية فعلاً)(26).

ما تقوله لنا تجربة قرن من محاولات العلمنة: أن ثمة بلاد كثيرة قد تهضم المنظور العلماني إلا بلاد الإسلام، لأن طبيعة الإسلام تأبى ذلك فهو كما يعرّفه بيجوفيتش: (نسخة من الإنسان. ففي الإسلام تمامًا ما في الإنسان. . فيه تلك الومضة الإلهية، وفيه تعاليم عن الواقع) وقرآنه (مركب فريد يجمع بين واقعية «العهد القديم» ومثالية «العهد الجديد»)(27). وانتزاع الإسلام من عالمنا انتزاع للإنسان نفسه.

معضلة التجربة العربية:

شهد القرن الفائت تجربة واسعة للمنظور العلماني على مستوى العديد من الأنظمة التي جاهرت بتبني النهج العلماني، وكانت النتيجة مخيبة للآمال فلا نهضة أحرزت ولا حرية تحققت ولا تحول ديمقراطي نعمت به المنطقة! وما ثم إلا صدام لمقومات الأمة حتى انهارت بعض تلك النظم بفعل الاحتجاج الشعبي جراء القمع والقهر؛ فاكتنزت الذاكرة العربية صورة موحشة عن العلمانية التي لم تبرع إلا في القهر والحرمان وضياع الهوية، ومحاولة إعفاء العلمانية من التمثلات العربية تشبه إلى حد ما محاولات إعفاء النظرية الاشتراكية من التمثلات المختلفة في دول عديدة، ولو رُزق دعاة هذه أو تلك يقظة وعي لاكتشفوا أن الخلل في صُلب النظرية التي جرّت على الناس الويلات.

ما بعد العلمانية:

غير أن ثمت سؤال عن مصير العلمانية؛ فأوجست كونت (1857م) أبو الوضعية الفرنسية يرى أن العلمانية قدر البشرية الذي لا مفر منه، فالإنسان يمر بثلاث مراحل تاريخية مرحلة الأساطير ثم مرحلة الميتافيزيقيا ثم ينتهي به المطاف عند مرحلة الوضعية العلمية التي تقطع العلاقة مع أي مرجعية دينية أو غيبية(28)، فالعلم المجرد كفيل بالإجابة على كل تساؤلات الإنسان، وتفسير ظواهر الحياة.

وقد حللت دراسات عالم الاجتماع ماكس فيبر (1987م) عوامل تشكل العلمانية الغربية، فاتفق مع “أوجست كونت” بإسهام العقلنة في التخلص من الطابع السحري للعالم، وتحويله إلى مادة قابلة للفهم، غير أن إضافة “فيبر” النوعية كانت في إدخال العامل التكنولوجي في تهيئة المزاج الإنساني للعلمنة، فقد أدى تطور الوسائل والنظم إلى تغيير تفكير الناس، وتحررهم من المعتقدات الدينية(29)، وشعورهم بعدم الحاجة للدين، (وظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) [يونس:24]. هذه العوامل المتضافرة أزاحت الدين من الهيمنة العليا في المجال العام في أوروبا وأفسحت الطريق للنموذج العلماني الدهري الدنيوي.

غير أن الموجة الدينية لا تزال تطل بتأثيراتها على السياسة في الغرب، فالعلمانية الفرنسية مثلّت قطيعة حادة مع الدين في بواكير ثورتها، ثم تراخت القبضة المتشددة في السنوات الأخيرة وبدأ الخطاب اللائكي يفسح المجال لخطاب ديني كاثوليكي ينمو على استحياء ما جعل المفكر العربي “عزمي بشارة” يتنبأ بصحوة دينية تغزو الحياة السياسية في فرنسا تشبه إلى حد ما تلك المزاوجة التي قامت في أمريكا بين  الدين والعلمانية وأنتجت ما يمكن أن يُسمى ب” العلمانية المتدينة” حيث لا يجد رئيس الولايات المتحدة بوش الابن غضاضة من استخدام الخطاب الديني لتبرير حربه على العراق في بلد يرى 45% من سكانه أنه بلد مسيحي مقابل 45% آخرين يرون أمريكا بلداً علمانياً، أي أننا أمام حالة مغايرة للحالة الأوروبية التي تستنكر على “توني بلير” استخدامه الخطاب الديني لتبرير حرب العراق ما أدى إلى تضائل شعبيته(30).

وهي ظاهرة سبق إلى رصدها المختصون في الغرب ففي حين يرى “إيفان سترينسكى” أستاذ الدراسات الدينية بجامعة كاليفورنيا استحالة فصل السياسة عن الدين كما في كتابه (إشكالية الفصل بين الدين والسياسة)، يذهب الفيلسوف الألماني الماركسي ” يوغن هابرماس” إلى ما هو أبعد من ذلك ليصك مصطلحاً جدياً يبشر فيه بـ “ما بعد العلمانية” ليؤكد حضور الدين في المجتمعات المعاصرة(31). ويؤازره في الاتجاه نفسه عالم الاجتماع الأمريكي “رودني ستارك” إذ يرصد إخفاقات العلمنة في مواجهة الإيمان والأصولية المسيحية ويختار لبحثه عنواناً مثيراً: (فلترقدي بسلام أيتها العلمنة! )(32).

ومثل هكذا قراءات لفلاسفة بحجم هابرماس تؤكد لنا أن الجدل والتسويات التاريخية بين العلمانية والدين في أوروبا لم تستقر بعد، ولا يزالون يبحثون عن طريق أكثر ملائمة للحفاظ على المكتسبين الديني والعلماني إذ لا تزال متذبذبة، أما المؤرخ الأمريكي “إرفنج كريستول” (2009م) فيتنبأ بانسحاب العلمانية لصالح موجة تدين جديدة تملأ “فراغ المعنى” الذي خلّفته العلمانية(33)، ولا يبتعد طرح “ماكس فيبر” عن هؤلاء في حتمية انبعاث المثاليات والأفكار القديمة.

ونحن هنا نتحدث عن دين لا يمتلك منظومة تشريعية متداخلة في كل جوانب الحياة، وما ثم إلا وصايا رئيسة في العهد الجديد، وأحكام محدودة في العهد القديم، وأمنيات تدفعهم للهيمنة على الدنيا والتبشير بكلمة المسيح، ولفهم ظاهرة الدين والتدين في الغرب نحتاج ألا نسقط مفهومنا للتدين على تصوراتهم فترامب المنخلع من كل قيمة، يعتبر صوت المتدينين في أمريكا!

أما في عالم الإسلام فستمر التجربة العلمانية غير مأسوف عليها لأنها في جوهرها محاولة استنبات أمراض أوروبا لإيجاد مبرر لاستيراد الدواء الأوروبي، في حالة غفلة شديدة عن خصوصيتنا الثقافية ومشاكلنا المختلفة عن أوروبا، فلم نعاني من إقطاع حتى نستورد الشيوعية، ولا كنيسة لدينا متحكمة حتى نهتف للعلمانية، وما ثم إلا تخلف علمي وتقني تحت قهر سلطاني خليق بالأحرار أن يواجهوه بصحوة فكرية تقاوم الجمود، ونضال سياسي يعيد الشورى لأهلها، وقد خلُص الكاتب الأمريكي” نيك دانفورت” إلى أن المسلمون سيجدون طريقهم بأنفسهم خلال المستقبل بغض النظر عن التجربة العلمانية الغربية، ويُذّكر الغربيين بفشل التحديث العلماني الذي حاوله أتاتورك من قبل(34). أما المفكر الأمريكي هنتنجتون (2008م) فقد همس في أذن من أراد تمرير العلمانية -بغطاء إسلامي بزعم تحديث الإسلام-قائلاً: إن المسلمين سيصنعون حداثتهم الخاصة بهم، وسيعملون على “أسلمة الحداثة” لا “تحديث الإسلام”(35)، ومن قبله أدرك محمد عابد الجابري أن لا مكان للعلمانية في أرض الإسلام فهتف في زملائه قائلاً: (مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات: إن الحاجة إلى الديمقراطية والعقلانية هي حاجات موضوعية فعلاً)(36).

هوامش:

  1. ديورانت، ويل. قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود وآخرين(بيروت: دار الجيل، 1988م) (33/ 68).
  2. سالم، صلاح. من الحركة البروتستانتية إلى العلمانية السياسية، صحيفة الحياة 2ديسمبر 2017م، بتصرف يسير. عبدالسلام، رفيق. في العلمانية والدين والديمقراطية المفاهيم والسياقات (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 1429هـ) ص33.
  3. ينظر: بوترو، إميل. العلم والدين في الفلسفة المعاصرة، ترجمة: أحمد فؤاد الأهواني(القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973م) ص19. أميدي، مهدي. العلمانية مذهبًا (بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2014م) ص340.
  4. ينظر: بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي(بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2015م) (382/1/2).
  5. ينظر: المسيري، عبد الوهاب. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة(القاهرة: دار الشروق، 2002م) (1/294).
  6. راندال، جون هرمان. تكوين العقل الحديث، ترجمة: جورج طعمه(القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013م) (1/440).
  7. روسو،جان جاك. العقد الاجتماعي، ترجمة: عادل زعير(القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013م)ص168.
  8. المرجع السابق، ص166. وينظر : كافانو، وليام ت، أسطورة العنف الديني، ترجمة: أسامة غاوجي(بيروت : الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017م)ص202.
  9. عوض، رمسيس. الإلحاد في الغرب(بيروت: مؤسسة الانتشار العربي،1997م) ص179.
  10. المرجع السابق، ص181.
  11. موقع الجزيرة نت بتاريخ 9/8/2018م.
  12. ODY COUNT A QUANTITATIVE REVIEW OF POLITICAL VIOLENCE ACROSS WORLD CIVILIZATIONS NAVEED S. SHEIKH University of Louisville. THE ROYAL AAL AL BAYT INSTITUTE FOR ISLAMIC THOUGHT 2009 : JORDAN     
  13. يفضل الفيلسوف “طه عبد الرحمن” تسميته بالعقل المجرد مقابل العقل الإسلامي المؤيد بالوحي والمسدد بالعرفان. وقد رصد الفيلسوف طه عبد الرحمن معالم ذلك الدين الأرضي الذي دبجه فلاسفة أوروبا ليكون بديلاً للدين السماوي في كتابه “بؤس الدهرانية” وتتبع محاولات فلاسفة الغرب تأسيس مرجعية أرضية للأخلاق سواء كانت “الدين الطبيعي!” كما هي عند “جان جاك روسو” أو المجتمع كما هي عند “دور كايم”(1917م) أو العقل كما نظّر لها “إيمانويل كانت”(1804م)، مما يؤكد حتمية المرجعية لحركة الإنسان، وخلص من حفرياته الدقيقة إلى أن الهوى هو المرجع النهائي للعقل العلماني (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ) [الجاثية:23].
  14. خلص المفكر عبد الوهاب المسيري، إلى الإنسان لم يبق له وجود في المنظور الحضاري الغربي، فقد تجاوزته الحضارة، وصارت المادة هي المركز الجوهري للحضارة، ومن ثم تلاشى الإنسان. ينظر كتابه: رحلتي الفكرية ، فصل: من بساطة المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان.
  15. نيتشه، فريدريك. هكذا تكلم زرادشت(القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،2014م) ص322.
  16. بيجوفيتش، علي عزت. الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: محمد يوسف عدس(الكويت: مجلة النور،1994م ص24وص271 وما بعدها.
  17. صحيح مسلم، حديث رقم: ١٧٣١.
  18. مصنف عبد الرزاق الصنعاني (6/ 180).
  19. عن: الإسلام والعلمانية في عالم متغير، معتز الخطيب، مقال منشور في الشبكة بتأريخ 2005م.
  20. المرجع السابق.
  21. هل من مسألة قبطية في مصر، عزمي بشارة(بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،ط1،2012م)(ص:54).
  22. خرافات عن الأجناس(ص:8).
  23. الدعوة إلى الإسلام، أرلوند توماس، ترجمة: حسن إبراهيم حسن، عبدالمجيد عابدين، إسماعيل النحراوي(القاهرة:  مكتبة النهضة المصرية، 1971م)(ص:62).
  24. https: //foreignpolicy. com/2015/01/02/islam-will-not-have-its-own-reformation/
  25. ينظر: هنتنجتون، صامويل. ترجمة: طلعت الشايب،1999م، ص181 وما بعدها.
  26. الجابري، محمد عابد. حسن حنفي، حوارات المشرق والمغرب(بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1990م) ص39.
  27. بيجوفيتش، مرجع سابق، ص42وص280.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى