فكر

الفقه والسِّياسة.. جدليَّة الماضي والحاضر

أنور الخضري

كما أنَّ الثَّقافات الأخرى لديها جدليَّاتها حول علاقة الفكِّر بالسِّياسة أو الثَّقافة بالسِّياسة فإنَّ ضمن جدليَّاتنا التَّاريخيَّة –نحن المسلمون- جدليَّة علاقة الفقه بالسِّياسة، وهي جدليَّة بدأت منذ عهد النُّبوُّة. ففي السِّيرة أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عندما توجَّه لبدر، نزلَ منزلًا، فجاءه الحباب بن المنذر بن الجموح –رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزَلكَه اللهُ ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخَّر عنه، أم هو الرَّأي والحرب والمكيدة؟ قال: (بل هو الرَّأي والحرب والمكيدة). فقال: يا رسول الله، فإنَّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالنَّاس حتَّى نأتي أدنى ماء مِن القوم، فننزله ثمَّ نغوِّر ما وراءه مِن القُلبِ، ثمَّ نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، ثمَّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله: (لقد أشرت بالرَّأي). فقد كان رسول الله يجمع بين مكانة النَّبيِّ الموحى إليه، ومكانة القائد السِّياسي المجتهد في مهمَّته، ومِن ثمَّ فربَّما التبست بعض تصرُّفاته ما بين الوحي الإلهي والرَّأي البشريِّ. وهذا الأثر العظيم يظهر كيف أنَّ هناك دائرة للوحي لا ينبغي تجاوزها عند وضوحها وبيانها، ودائرة للرَّأي لا دخل للنَّصِّ فيها بأي وجه مِن الوجوه، وإنَّما هي اجتهاد بشري قابل للصَّواب والخطأ، إذ لا تنسب القابليَّة للصَّواب والخطأ للوحي.وحركة النَّاس في الحياة تتردَّد بين أمرين، فتكون تارة أقرب لطرف أكثر مِن الآخر، أو ضمن دائرته الَّتي لا ينبغي أن يعتدى عليها. وهذان الأمران اللَّذان تتردَّد حركة النَّاس بينهما هما: الوحي الإلهيُّ والرَّأي البشري. وإذا كان اشتغال الفقه حول القطب الأوَّل فإنَّ اشتغال السِّياسة حول القطب الثَّاني، وبين القطبين مدارج مِن الالتقاء والتَّقاطع لا شك.

وفي السُّنَّة النَّبويَّة جاء الفقه مقرونًا بالدِّين كلِّه، كما ورد عنه –عليه الصَّلاة والسَّلام، في دعائه لعبدالله بن عباس –رضي الله عنهما: (اللَّهُمَّ فقِّهه في الدِّين)[1]؛ وهذا يشمل فقه مقاصده وغاياته، وقواعده وأحكامه، وأخلاقه وحركته، وسنن تلك الحركة. فكان عبدالله بن عباس في عهد عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- ذو حظوة ومكانة، لما يعلم مِنه مِن فقه الدِّين، لذلك كان ابن عباس مِن أهل مجلس الشُّورى عنده، وليس الفتيا فحسب.

هذا المفهوم الواسع للفقه اختزل مع توسُّع علوم الدِّين وتشعبها في فقه الفتوى؛ فالفقه في العرف الاصطلاحي، لدى واضعي العلوم الإسلاميَّة، هو العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العمليَّة (التَّكليفيَّة) المستنبطة مِن أدلَّتها التَّفصيليَّة. أمَّا الفقه في الاصطلاح الشَّرعيِّ (الكتاب والسُّنَّة) فهو بمفهومه اللُّغوي، أي الفهمُ، وإدراك غرض المتكلِّم مِن كلامه، واستنباط المعاني الدَّقيقة مِنه، سواء تعلَّق بالأحكام العمليَّة أو غيرها. يقول تعالى: ((أَينَمَا تَكُونُوا يُدرِككُّمُ الـمَوتُ وَلَو كُنتُم فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبهُم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِن عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبهُم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِن عِندِكَ قُل كُلٌّ مِّن عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ القَومِ لَا يَكَادُونَ يَفقَهُونَ حَدِيثًا))، النساء: 78. وفي الحديث عنه –عليه الصَّلاة والسَّلام: (نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمعَ منَّا حديثًا فحفظَهُ حتَّى يبلِّغَهُ، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هوَ أفقَهُ مِنهُ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ ليسَ بفقيهٍ)[2]. وفي الصَّحيحين، أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به مِنَ الهُدَى والعِلمِ كَمَثَلِ الغَيثِ الكَثِيرِ أصابَ أرضًا، فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فأنبَتَتِ الكَلَأَ والعُشبَ الكَثِيرَ، وكانَت مِنها أجادِبُ أمسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بها النَّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوا وزَرَعُوا، وأَصابَت مِنها طائِفَةً أُخرَى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنبِتُ كَلَأً، فَذلكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به، فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَم يَرفَع بذلكَ رَأسًا، ولَم يَقبَل هُدَى اللَّهِ الذي أُرسِلْتُ بهِ)[3]. فالفقه في هذه النُّصوص ورد بمفهومه اللُّغويُّ لا الاصطلاحي المحدث.

 وإذا كان “الفقه” في اصطلاح “الفقهاء” هو مجموعة المسائل والأحكام الَّتي وصلت للمُكلَّفين عن طريق الوحي، أو استنبطت مِنه بالاجتهاد، فإنَّ الدَّائرة العمليَّة للفقه ضاقت عن مدلولها الأعمِّ إلى مدلولها الأخصِّ. كما أنَّ دائرة العبادات هي أكثر دوائر الفقه اعتمادًا على النَّصِّ، إذ مبناها على التَّوقُّف، وأقلُّها حضورًا القياس، أمَّا بقيَّة أبواب الفقه “الاصطلاحي” فتتدرَّج مِن هذه الرُّتبة مع النَّصِّ لصالح الدَّائرة الأوسع، والَّتي مدارها الإباحة والقياس. والقياس وجه مِن وجوه الرَّأي لكنَّه يتقيَّد بالنَّص المرجع.

وتحت وطأة انحراف الحكم عن وظائف الخلافة وأدوار الإمامة إلى سطوة السُّلطة واستبداد الرَّأي وتعطيل الشُّورى، انشغل الكثير مِن العلماء بأبواب الفقه الخاصِّ “الاصطلاحي”، معرضين عن السِّياسة، وانشغلوا بنصوص الوحيِّ، واهتمُّوا بجوانب الفتوى، في حين كان الحكم والقضاء يتسرَّب شيئًا فشيئًا مِن دائرة الشَّرع، حتَّى جاء مِن يسعى لتطبيق القوانين الوضعيَّة المستوردة.

لقد قدَّم الخلفاء الرَّاشدون التَّطبيق الأمثل للسِّياسة باعتبارها دائرة الرَّأي الأوسع حضورًا، والأسرع تحوُّلًا، والأكثر نموًّا، مع بقاء إعمالهم للوحي كمرجعيَّة عليا ومصدر للأحكام والقوانين الشَّرعيَّة المتعلِّقة به. فجمعوا بين عقليَّة السِّياسي وعقليَّة الفقيه، بين الرَّأي والوحي، بين الشُّورى والشَّرع، في انسجام متكامل ونسيج واحد متآلف. ولأنَّ الخلفاء الأربعة كانوا على قدر عالٍ مِن الإيمان والوعي والإدراك والتَّأهل القيادي والمكنة الفقهيَّة فقد جاءت سياساتهم وأقضياتهم وفتاويهم واجتهاداتهم النَّظريَّة غاية الهداية والرُّشد. ثمَّ انفصل الحكم عن الوحي، أو كما عبر عنه ابن تيميَّة بالاصطلاح القرآني: الكتاب عن الحديد، ويقصد بذلك أهل السِّياسة والقوَّة عن أهل الفقه والكلمة. هذا الانفصال كان على مستوى الواقع والشُّعور والوعي والبنية النَّفسيَّة والشَّخصيَّة، حيث بات للسِّياسة رجالها وللفقه رجاله.

مع التَّحوُّلات والتَّغيُّرات، وشدَّة إحكام أهل السُّلطة على الحكم وإقصاء العلماء أو انسحابهم عن السِّياسة، بدأ مفهوم الفقيه ينصرف لمفهوم وظيفيٍّ ضيِّق. فالفقيه إنسان منكبٌّ على علوم نظريَّة، وحلق الدَّرس، وحفظ المتون، وقراءة الكتب، يبحث في بطون المؤلَّفات عن إجابات لأسئلة حول الحكم الشَّرعيِّ التَّعبُّديِّ. والجيد مِن الفقهاء مَن يطَّلع على أحوال النَّاس ويدرك واقعهم ويتفقَّه في السُّنن البشريَّة والاجتماعيَّة والنَّفسيَّة مما يتعلَّق بمدارات اهتماماته، ليعرف حقيقة الواقع الَّذي يفتي فيه وينزِّل الأحكام عليه. ونظرته إلى عوائدهم وأعرافهم وطبائعهم ولغاتهم وظروفهم مِن جهة تأثيرها على التَّصوُّرات والأحكام ليعرف مقاصدهم ومفاهيمهم المرجعيَّة لهم خارج أطر الشَّرع. لذلك أكَّد الأئمَّة على هذا الجانب مِن المعرفة في شخصيَّة الفقيه. غير أنَّ الفقيه انسحب مِن المعرفة –والوعي- بحركة المجتمع المسلم، تحوُّلًا وتغيُّرًا، وتدافعًا واشتباكًا، ونهوضًا وإخفاقًا، وضعفًا وقدرة، واجتماعا وتشتُّتًا، وتقدُّما وتخلُّفا، وسنن هذه الحركة وما ينبغي إزاءها.

إنَّ عقليَّة الفقيه تتشكَّل في ضوء النُّصوص، بينما تتشكَّل عقليَّة السِّياسي في ضوء الواقع، وفي حين تكون طبيعة الفقيه صارمة تكون طبيعة السِّياسي مرنة. ومتى غلب أحد الأمرين على صاحبه انزاح مِن ميدان إلى ميدان، ومتى جمع بين الأمرين جمع بين “الهداية” و”الرُّشد”. وفي الحديث، الصَّحيح المشتهر: (فإنَّه مَن يعِش مِنكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنةِ الخلفاءِ المهديِّين الرَّاشدين تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ)[4]. فالهداية استنادها للوحي، والرُّشد استناده للرَّأي، وبهذا يصبح قوام الأمَّة المسلمة في حياتها على “النَّقل الصَّحيح والعقل الصَّريح”، وبهما يقوم شأنُّها مجدَّدًا كما قام في العهد الأوَّل[5].

جاء عن عبد الرَّحمنِ بن عوفٍ –رضي الله عنه، أنَّه قال لعمر بن الخطَّاب –رضي الله عنه، وقد بلغته مقولة في الحجِّ فأراد أن يخطب بالنَّاس في الحجِّ: “يا أمِيرَ المؤمنينَ، إنَّ الموسمَ يجمعُ رعاعَ النَّاسِ وغوغاءَهم، وإنِّي أرى أن تُمهِلَ حتَّى تقدمَ المدِينَةَ، فإنَّها دارُ الهجرةِ والسُّنَّةِ والسَّلامَةِ، وتَخلُصَ لأهلِ الفِقهِ وأَشرافِ النَّاسِ وذَوِي رَأيِهم”. فقال عمرُ: “لَأَقُومَنَّ في أوَّلِ مَقامٍ أقومُه بالمدينةِ”[6].

لقد أراد رسول الله –صلى الله عليه وسلم، عندما أحاط الأحزاب بالمدينة، أن يخفِّف عن المسلمين وطأة الحرب، وذلك بالتَّصالح مع غطفان، على أن يرجعوا إلى ديارهم ولا يُحارِبوا، على أن يعطيهم رسول الله ثلث ثمار المدينة. فلمَّا أراد أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه. فقالا له: “يا رسول الله، أمرًا تحبُّه فنصنعه، أم شيئًا أمرَك الله به لا بُدَّ لنا مِن العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟”. قال: (بل شيئًا أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلَّا لأنَّني رأيتُ العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالَبُوكم مِن كلِّ جانب، فأردتُ أن أكسرَ عنكم شوكتهم إلى أمر ما)[7].

هذا الأثر فيه أنَّ كبار الصَّحابة –مكانة، مِن المهاجرين والأنصار- كانوا يميِّزون بين منطق الوحي الَّذي لا اعتراض عليه، ومنطق الرَّأي الَّذي يتيح الاعتراض، بل والرَّفض، وهو ما أظهره زعيما الأوس والخزرج، في ذلك المقام. وهي صورة مقابلة للاتِّباع غير الرَّاشد الَّذي وقع فيه بعض الصَّحابة –رضي الله عنهم، فأنكره الرَّسول –صلى الله عليه وسلم- عليهم، ووجَّههم للمسار الصَّحيح فهمًا وعملًا: (إن كانَ شيئًا مِن أمرِ دُنياكم فشأنُكم بهِ، وإن كان مِن أمرِ دينِكُم فإليَّ)[8].

هذا التَّمييز بين القضايا الدُّنيويَّة الصِّرفة وبين القضايا الدِّينيَّة الصِّرفة ليس مِن قبيل التَّمييز بين متناقضات أو متضادَّات، لكنه فصل اختصاص وتمييز بين مجالات لكلٍّ مِنها أطرها النَّاظمة والحاكمة. وسعي البعض إلى خلق تناقض وتضادٍّ بين شئون الدُّنيا والدِّين، هو كسعي البعض إلى جعل الشأنين شأنًا واحدًا مِن قبل غلاة الالتزام والتَّديُّن، حين يفقدون الهداية والرُّشد.

ولا شكَّ أنَّ محدثات فرق (الخوارج)، و(التَّشيع)، و(التَّصوُّف)، و(الكلام)، والحكَّام، أثَّرت في جدليَّة علاقة النقل بالعقل، والوحي بالرَّأي، والدِّين بالدُّنيا، والشَّريعة بالحياة، مِن خلال مفاهيم ومصطلحات وتقريرات أضرَّت كثيرًا بميدان المعرفة أوَّلًا، وميدان الفهم والفقه ثانيًا، ثمَّ ميدان التَّطبيق والتَّنزيل ثالثًا. وأنَّ ردود الأفعال بين هذه التَّيَّارات ولَّدت أفكارًا وآراء متطرِّفة باتِّجاه ما خلقته هذه الفرق مِن تطرُّفٍ سابق. وأيُّ تأصيل وتقعيد لا يعود للأصلين (الكتاب والسُّنَّة)، والعقل السَّليم الصَّريح، وتطبيقات الرَّسول –صلى الله عليه وسلم، وصحابته، وخاصَّة الخلفاء الرَّاشدين، لقضايا السِّياسة والفقه، سيقع متأثِّرًا بكثير مِن المحدثات الَّتي دخلت على النُّظم المرجعيَّة للمعرفة والوعي الإسلاميِّين.

1.   صحيح البخاري: (143).

2.   صحيح أبي داود: (3660).

3.   صحيح البخاري: (79)، وصحيح مسلم: (2282).

4.   رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة؛ انظر: الصحيح المسند، للوادعي، حديث رقم: (938).

5.   صحيح البخاري، رقم: (3928).

6.   سيرة ابن هشام: ج3/903- 904.

7.   ابن ماجة، رقم: (2019)؛ وهو في مسلم، ولفظه: (أَنتم أَعلمُ بأمرِ دنيَاكُم)، رقم: (2363).

أنور الخضري

كاتب وباحث يمني مهتم بالقضايا السياسية والشأن اليمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى