حفريات معرفية

الحقيقة والوهم في الإصلاح الديني

الحقيقة والوهم في الإصلاح الديني (1-8) { المسيحية- اليهودية } 

إحسان باحارثة

فوجئت أثناء إعداد هذه الصفحات بعدد كبير من المعلومات التاريخية والموضوعية عن حركة الإصلاح الديني المسيحي لم تكن تخطر ببالي أبدا.. فقد استقر في ذهني لأسباب عديدة – من بينها عدم الاطلاع الدقيق على تاريخها وأفكارها وسيرة رجالها- أنها حركة مثالية تطهرية متسامحة أرادت تصحيح الانحرافات العقائدية المعروفة في الدين المسيحي، والممارسات المحرفة التي لحقت برسالة المسيح بن مريم عليه السلام على مر السنين (كما نفهمها في وعيينا الإسلامي وتحدث عنها القرآن الكريم)، والعودة بها إلى حقيقتها التوحيدية النقية الأولى.

تزامن  ظهور الإصلاح الدنين البروتستانتي (1517)  مع وصول الجيوش العثمانية إلى وسط أوربا وسيطرتها عسكريا على البلقان، وحصارها لمدينة فيينا النمساوية، وقد أشار مؤرخون – ول ديورانت مختصر قصة الحضارة، ج3، ص 330، وعزمي بشارة في الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج2م2ص121- إلى أن العثمانيين وجدوا أنفسهم أقرب إلى الأمراء الألمان البروتستانت والكالفنيين واللوثريين الذين  تخلوا عن الأوثان، وتمردوا على البابا عدو الأتراك اللدود، وأن العثمانيين وقتها كانوا ينظرون باحتقار وبلا مبالاة إلى  الخلافات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك إلى حد أنهم غضوا الطرف عن انتشار البروتستانتية في هنغاريا (المجر) التي كانت تحت حكمهم.

وأتذكر أن أحد المثقفين الألمان الذين التقيت بهم قال لي  ذات لقاء بيننا في تسعينيات القرن الماضي، ونحن نتحدث عن بعض المسائل ذات الصبغة الدينية إن الشيعة يشبهون الكاثوليك، والسنة يشبهون البروتستانت.كان الرجل يقصد بمقارنته هذه وجود الوساطة البشرية أو وجود دور محوري ومهيمن للفقهاء الشيعة أو الكهنوت البشري إن جاز التعبير في حياة العامة من أتباع المذاهب الشيعية، وفي إقامة الممارسات الدينية ذات الطابع الخرافي كما هو حاصل في الكاثوليكية المسيحية.. على العكس مما هو معروف في المذهب السني الذي تكاد تنعدم فيه هيمنة الفقهاء على الأتباع إلا على سبيل طلب الفتوى غير الملزمة بالضرورة مما يجعله شبيها بالمذهب البروتستانتي الذي كان من أبرز مطالبه إلغاء الوساطة بين الرب والإنسان.

 [ هذا الحكم لا ينطبق على المذهب الهادوي المعروف في التاريخ اليمني؛ وإن كان انتساب الأئمة الحكام للبيت النبوي قد منحهم شيئا من القداسة عند العامة، وتقرر في المذهب أنهم هم الأفضل والأعلم بالشريعة والدين من غيرهم، وعموما هو حكم أكثر انطباقا على مذاهب شيعية مثل الإسماعيلية والنصيرية، وحتى الأثنا عشرية حيث يمارس الفقهاء الشيعة دورا كبيرا في الحياة الدينية لأتباعها من خلال إيجاب تقليد الفرد الشيعي لأحد المراجع الكبار في كل شؤونهم الدينية، وتسليمه نسبة الخمس المقررة في المذهب، فضلا عن إيمانهم أن أئمتهم معصومين ومعينين اسما بوصية إلهية].

 كان ذلك هو ما استقر في ذهني عن الإصلاح المسيحي دون اهتمام مني بمعرفة صحته فضلا عن تصحيحه لعدم وجود ما يقتضي ذلك، حتى تكاثرت مجموعة تغريدات الناشطين العلمانيين المتطرفين مطالبة بإلحاح بإجراء إصلاح جذري في الإسلام.. وهي حالة إعلامية ليست جديدة منذ ابتلانا الله بظواهر علمانية متطرفة لم تكتف بموقفها المعروف عن الإسلام وكل ما يمت بصلة إليه حتى أضافت إلى ذلك غيرة مشبوهة على سلامة دين الإسلام من أخطاء وانحرافات أتباعه عبر التاريخ، وإصرارا مريبا على التدخل في شؤونه الخاصة إن جاز التعبير والمطالبة بإجراء إصلاحات فيه تحدد هي حيثياته وآفاقه وأساليبه ومعايير نجاحه.. أي تكون هي الخصم والحكم.

لكن كان مما لفت نظري في التغريدات المشار إليها هو أن أصحابها والراجح أنهم مجرد مقلدين وناقلين لها ومفتتنين بها دون تمحيص كما سيظهر أبدوا إعجابا وأيضا على طريقة بعض العلمانيين العرب في تثمين الأديان الأخرى واحترامها مقابل بخسهم الإسلام بحركة الإصلاح الديني المسيحي واليهودي(أيضا) معلنين أن المسيحيين واليهود قد أنجزوا حركتهم الإصلاحية الدينية بينما ما يزال المسلمون يكابرون في استحقاق دينهم لإصلاح ديني.

 ولأن إعجاب علمانيين ولا دينيين بحركة دينية أمر يفترض فيه أن يثير الريبة فقد دفعنا ذلك لقراءة موسعة بقدر الاستطاعة في تاريخ حركة الإصلاح الديني في المسيحية (أو الكاثوليكية فقط إن شئنا الدقة). وكان من حسن الحظ أن توفر لدينا خلال السنوات القليلة الماضية كتب عدة تتناول تاريخ الإصلاح الديني؛ منهما مرجعان مهمان في تاريخ أوربا العام والتطورات الدينية والفكرية فيها في العصر الحديث أولاهما أحد أشهر المؤلفات التاريخية العالمية وهو مختصر قصة الحضارة للمؤرخ الشهير/ ويل ديورانت)، والآخر هو موسوعة (العلمانية والدين في سياق تاريخي) للدكتور/ عزمي بشارة رئيس المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات في قطر، وهي دراسة دقيقة متميزة في موضوع العلاقة بين الدين والعلمانية إلا أنها درست أيضا بتعمق تاريخ حركة الإصلاح المسيحي الديني، ورجالاتها، وأفكارهم لارتباطها بصورة ما بظهور العلمانية والصراع بين الكنيسة والدول الأوربية، وقد صدر منها ثلاثة مجلدات حتى عام 2015م، وبالإضافة إليهما كان من حسن الحظ أن توفر بين يدي دراسة في التاريخ الحديث لأوروبا للدكتورة/ زينب عصمت راشد، وفيها اهتمام تفصيلي بحركة الإصلاح الديني المسيحي.

وفي السفرين الكبيرين(خاصة السفر العربي الذي وثق كل معلومة ومقولة) يجد المرء عن تاريخ حركة الإصلاح المسيحية وأفكارها ورجالاتها وممارساتهم وتطوراتها كما هائلا من المعلومات التاريخية والموضوعية الدقيقة والموثقة، والتقييمات الصريحة لرجالاتها خاصة. وفي كلا الكتابين وفي غيرهما مما هو مثبت في الفهرس اكتشفنا فداحة الأخطاء في المعلومات والتقييمات والانطباعات المستقرة في الأذهان التي راجت عن سمو أفكار حركة الإصلاح الديني المسيحية وأخلاقيات رجالاتها، وآثارها الإنسانية العظيمة التي أنتجت مذهبا مسيحيا جديدا.. أو دينا مسيحيا جديدا إن شئت أن تكون متوافقا مع حقيقة الواقع ومع ما يؤمن به أتباع المذهبين/ الدينين أنفسهم؛ ليس بالنظر للاختلافات العقائدية الجوهرية بين البروستانتية ومختلف تجلياتها وبين الكاثوليكية فهذه لا وجود لها حقيقة كما سنرى ولكن في حالة العداء الدموية، والمآلات التاريخية المختلفة، والانقطاع الديني بين المذهبين أو الدينين المنتمين للمسيحية وتبادل التكفير واستباحة الدماء بينهما؛ في الوقت الذي يقال لنا إن حركة الإصلاح كانت فاتحة زمن تسامح وتطور ديني منفتح خال من الانحرافات.

الصفحات التالية هي قراءة في تاريخ حركة الإصلاح المسيحية واليهودية – التي يراد منا أن نقتفي أثرهما- وأفكارهما ورجالاتهما وآثارهما على المستوى الأوربي والعالمي، مع شيء من النقد والمقارنة والتقييم لنعرف: هل صحيح أنها كانت حركة إصلاح مباركة على الإنسانية، وتحترم العقل الإنساني، وفتحت له آفاقا جديدة من الحرية والعدل والمساواة؟ وهل تستحق فعلا أن تكون دليلا للمسلمين يقتفون أثرها في إصلاح الانحرافات المزعومة في دينهم؟ ولأن الإسلام كالعادة هو المتهم والمدان الأول، والوحيد – غالبا-  في ميزان كثير من اللا دينيين العرب ممن جعلوا الإسلام خصمهم التاريخي كلما تحدثوا عن الأديان والمتدينين فقد كان من المهم استكمال القراءة في المقارنة التاريخية بين المسيحية واليهودية والإسلام في مسألة الإصلاح أو التجديد قديما وحديثا، ومقارنة المنطلقات والممارسات وآثارها في الحالتين، ومحاولة تلمس المتشابهات والاختلافات بينهما كان جل جهدي هو تجميع مادة تاريخية وفكرية موثقة بقدر الاستطاعة عن حركة الإصلاح الديني المسيحي ورجالاتها في العصر الحديث حتى تتكون صورة أقرب للصواب حول ما جرى من أحداث، وحول ما قيل ونشر من أفكار وآراء مما كانت موزعة بين ثنايا الكتب أو مندرجة ضمن أبحاث أخرى.

في معنى الإصلاح: لغويا وإسلاميا:

من أساسيات المنهج العلمي تعريف المصطلحات – في أي مسألة علمية بحثية- تعريفا لغويا ثم اصطلاحيا لمعرفة المعنى اللغوي الأصلي الدقيق – أو المعاني المتعددة – للكلمة الواحدة، ثم معرفة المعنى الاصطلاحي أو الاستعمالي لها وربما العرفي الذي قد يختلف عن المعنى اللغوي، والغرض من ذلك هو ضبط اتجاه الدراسة والبحث لكيلا تخرج عن إطارها الصحيح، وتتوه عن المعنى المراد من المصطلح الذي يجب أن يظل حاكما للدراسة.

وفي المعنى الثابت لكلمة (صلح وإصلاح وصلوحا) نجد معنى واضحا هو:

[ زال عنه الفساد، وإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده.. وفي كلمة (أصلح) الشيء يكون المعنى: أصلح أي أزال فساده.]. وخلاصة هذا المعنى كلمة واحدة بتفريعاتها اللغوية وهي أن: الإصلاح هو:

1- إزالة فساد طرأ على شيء ما. 

2- وإعادة ذلك الشيء إلى ما كانت عليه صورته الأولى. (1)

فهذا هو الإصلاح الحقيقي: معنى وتطبيقا، وأي إصلاح لا يكون هدفه تحقيق هذه المعاني، أو انحرف إلى معنى آخر لا صلة له بالمعنى الأصلي، أو أدى إلى خلط الإصلاح بأهداف أخرى لا تؤدي معناه.. ففي هذه الحالة لا يعد (إصلاح).. أو هو إصلاح ناقص معيب خلط الصحيح بالخطأ، وقصر عن تحقيق الإصلاح الحقيقي!

في معنى الإصلاح إسلاميا:

وكما هو ثابت في عقيدة الإسلام؛ فإن الله تعالى خلق الإنسان لخلافته في الأرض، وجعل الغاية من ذلك عبادته وحده لا شريك له، وأداء الأمانة التي قبل الإنسان القيام بها في الأرض عندما عرضت عليه في عالم الغيب:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً … ﴾ {البقرة: 30}

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ {الذاريات: 56}

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ  إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ {الأحزاب: 72}

ومثل هذه المهمة المقدسة تعززت بالوعد الإلهي – منذ خروج أبينا آدم وزوجه من الجنة وهبوطهما إلى الأرض- بإرسال الرسل لبيان حقيقة المهمة الرئيسية لخلق الإنسان واستخلافه في الأرض، وبيان ما هو مطلوب منهم:

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا  فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ {البقرة: 38}

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا  بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى١٢٣ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا  وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى١٢٦ {طه: 123-126}

وتوافقا مع وعد الله بألا يترك الإنسان في الأرض دون هداية وإرشاد وتذكير، ولأن تاريخ البشرية كما يشرحه القرآن الكريم يكشف عن حدوث انحرافات وفساد خطير في عقيدة التوحيد، واندراس أو تلبس دين التوحيد بالخرافات والانحرافات والبدع، وشيوع التظالم بين البشر، وخاصة في تعاملاتهم المادية، والتعدي على حقوق الضعفاء والمساكين، وفساد أخلاقيات الناس وانحرافها عن النهج السوي.. لكل ذلك فقد اقتضت الحكمة الإلهية استمرار إرسال الرسل وبعث الأنبياء مجددين ومذكرين برسالة التوحيد السماوية إلى جميع الأمم على الأرض. وشهد تاريخ البشرية ظهور سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين أرسلهم الله تعالى لكل أمة من الأمم:

﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ {فاطر: 24}

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ {يونس: 47}

﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ {الرعد: 7}

﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ ﴾ {النساء: 164}

وهكذا كان الأنبياء والمرسلون يتعاقبون على البشرية كلما اشتدت الحاجة (لإصلاح) أحوالهم  الدينية والدنيوية، وإزالة ما طرأ عليها من فساد، وإرشادهم إلى الطريق القويم، وإلى منهج عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونفي البدع والخرافات التي طرأت على الدين الأصل، و(إعادتهم) إلى الالتزام بما جاء به الأنبياء والمرسلون في توحيد الله وإفراده بالعبادة، والالتزام بتعاليم الدين في أن تقوم حياتهم على العدل والبر والخير.  وفي كل الرسالات السماوية كان المضمون واحدا على لسان كل نبي، وكثيرة هي آيات القرآن الكريم التي تؤكد أن مهمة كل نبي كانت:

1- تصحيح ما حدث من فساد وانحراف في دين الله، وتذكير قومه بالدين الحق من خلال إصلاح الانحرافات وتقويم الاعوجاج، وتنقية الدين مما علق به مما يخالف حقيقة التوحيد

2- دعوتهم للعودة إلى الدين الأصل نقيا خالصا من كل بدعة وانحراف:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ {الأنبياء: 25}

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا ﴾ {النحل: 36}

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى  أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ {الشورى: 13}

وخلاصة الحديث هنا هو:

1- إن التصور الإسلامي واضح في أن الإيمان بالإله الواحد خالق الكون ومسيّره، والمتصف بصفات الكمال والعظمة والجبروت، والمستحق وحده للعبادة، والالتزام بأوامره ونواهيه كان هو الأساس في تاريخ البشرية الديني؛ مع ظهور آدم أبي البشر عليه السلام على الأرض، ومن جاء بعده من الأنبياء والرسل إلى الرسالة الخاتمة التي جاء بها النبي الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

2- إن تتابع الرسالات السماوية وظهور الأنبياء والمرسلين كان هدفه هو الإصلاح الديني، وتجديد تعاليم دين التوحيد وعبادة الله تعالى وحده في أذهان الناس، وإزالة المفاسد التي طرأت على الرسالة السابقة وفي حياة البشر، والعمل على تجديد تعاليم وشرائع الدين وإصلاحها وإعادتها: نقية صافية من الشوائب كما كانت من قبل.. إذ لا يليق بعدل الله تعالى ولا حكمته ولطفه بالبشر أن يخلق الله الإنسان لهدف واضح هو عبادته وحده لا شريك له ثم يتركه هملا دون رعاية ولا هداية ترشده إلى مهمته الأساسية في الأرض، أو تذكره بها كلما حدث انحراف عنها. (2)

3- الإصلاح بمعناه الثابت يتفق تماما مع الهدف الإلهي من إرسال الرسل والأنبياء الذي هو إصلاح أحوال البشر الدينية والدنيوية كلما تعرضت لخلل أو انحراف.

هوامش:

(1)- انظر معنى الكلمة في (المفردات في غريب القرآن) للراغب الأصفهاني، ص313، مادة (صلح)، ط1، 2012، دار ابن الجوزي، القاهرة. والمعجم الوسيط- الجزء الأول، ص520،مادة (صلح)، ط2، 1973، مجموعة مؤلفين، دار إحياء التراث العربي.

(2)- من الثابت في التصور الإسلامي أن مباديء توحيد الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له، والخضوع له والاستسلام الكامل لأوامره ونواهيه كانت هي الدين الأساس في تاريخ البشرية التي سماها الله تعالى في القرآن ب(الإسلام)، وكما تؤكده أقوال الأنبياء ونصائحهم لأقوامهم الواردة في قصصهم في القرآن الكريم في مواقع كثيرة جدا.. ومن ثم فإن الانحرافات التي حدثت بعد ذلك إلى الكفر بوحدانية الله وباليوم الآخر، والحساب والعقاب، والجنة والنار، والشرك بالله بعبادة غير الله كالأصنام والنجوم والأشجار، وانتشار المفاسد الأخلاقية والنفسية والمظالم الاجتماعية.. كل ذلك كان خروجا عن أصل الرسالة السماوية وأصل وجود الإنسان في الأرض، فالتوحيد هو الأصل منذ بدء تاريخ الإنسان على الأرض، والطاريء والانحراف والفساد هو الشرك والكفر.

وفضلا عن أن الله تعالى – كما سلف- ما كان ليخلق البشر وهم  يجهلون سبب خلق الإنسان ووجوده في هذه الأرض، ويتركهم هملا يتخبطون في معرفة الحق ويعبدون الجماد  حتى تكتمل مسيرة التطور المزعوم وتصل إلى فكرة الإله الواحد.. فضلا عن ذلك فإن تفسير ظهور الدين أو عبادة الإله في حياة البشر وتطوره بتلك الطريقة المتدرجة في الفكر المادي لا تتفق مع حقيقة استمرار وجود عبادات وأديان وعقائد وثنية من كل نوع وشكل تعبد ما هو دون الإله الواحد في معظم أنحاء المعمورة دون أن يحدث لها التطور المزعوم نحو فكرة الإله الواحد.  كما أن الفكرة المزعومة في البحث عن إله لم تعرف خطا تصاعديا مستمرا كما يقولون؛ بل عرفت  انتكاسات كثيرة حدثت في مجتمعات كثيرة عن فكرة التوحيد إلى مظاهر من عبادة ما هو من دون الله الواحد!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى