أشتات

العبء الفكري على مشروع النهضة

      ـ نصف قرن بلا هوية ـ

آدم الجماعي

يقول محمد إقبال: “ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻘﺮﺭ ﺃﻳﻀﺎً ﺃﻥ ﻟﺤﻈﺔ ﻇﻬﻮﺭ اﻷﻓﻜﺎﺭ اﻟﺤﺮﺓ ﻓﻲ اﻹﺳﻼﻡ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺃﺩﻕ اﻟﻠﺤﻈﺎﺕ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺨﻪ .. ﻓﺤﺮﻳﺔ اﻟﻔﻜﺮ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﻨﺰﻉ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻋﻮاﻣﻞ اﻻﻧﺤﻼﻝ ..”. ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺗﺠﺪﻳﺪ اﻟﺪﻳﻦ (ﺻ 141 – 142).

قد أكون متشدداً في رأيي حينما أقول:اليوم وَجدَ العقل العربي نفسه أمام معاناة كبيرة من عبئ فكري ثقيل، مما انتجته مدارس الفكر العربي القومي خلال مرحلة الصعود العلماني، على وقع أصوات مشروع النهضة!، ذلك العبئ الذي لم يلامس الواقع باحتياجاته، بينما وقف سداً منيعاً أمام انطلاقة المشروع الإسلامي الحضاري الذي أخذ مساره بفعل رواد النهضة والصحوة الإسلامية. نعم.. كان عبئاً فكرياً أثقل العقل العربي، ونأى به عن الوعي في تحمل مسؤولية النهضة، واختطفه من بين يدي مشروع الحركة الإسلامية، وتوّه به عن أن يمتلك الإجابة الصائبة على أسئلة النهضة النابعة من أعماق الشعوب المتطلعة لاستئناف عالمها السياسي وهويتها الإسلامية.. سيما السؤال الساطع من الشرق الإسلامي “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟!”.  هذا السؤال الذي اهتزت له عقول رواد الفكر الإسلامي، فنفخوا في السؤال روح الإجابة.. ولكن سرعان ما تغيرت الحاضنة السياسية ليعتلَّ المشروع من داخله بإقصاء رواد النهضة، واستيراد العقول المثقوبة!

تركة الفكر المريض:

١ـ صناعة الفجوة بين الجيل العربي المعاصر عن أجياله السابقة التي قامت على كواهلهم حضارة إسلامية رائدة.

٢ـ استدعاء الشكل الغربي كحضارة بديلة بلا هوية، ولا روح وطنية، ولا نظام سيادي يبني حضارة صاعدة.

٣ـ تأسيس ثكنات عدائية، وتخليق بذور الصراع طويل المدى ضد هوية المجتمع ودينه وحرياته.

٤ـ العبث بتراث الأمة، وخلخلة البنية الفكرية التي قامت على انتاج علمائها وروادها، حتى لا تبقى هي أصل الوعي الحضاري، وأساس لفاعليته.

٥ـ بناء مشاريع فكرية وسياسية على برامج من الوَهم والدجل، والتي لم تجد لها مكاناً في حياة المجتمع، وقتلت نفسها بجهود مهدورة لم تحقق أي نوع من الاستقرار الوجداني للمواطن؛ فضلاً عن ملامسة الحقوق والمتطلبات الوطنية.

 

٦ـ أنهكت طاقات الأمة وثرواتها في تطلعات كاذبة، وترف نقدي مهترئ، ووعدتها كذباً بالتغيير نحو التقدم رغم الزمن الكافي مع القدرات المتاحة. ولم نجد غير أنها أسست عروشاً للاستبداد، وبنت عوازل خرسانية تحول دون التحولات النهضوية الفاعلة، وشحنت الشعوب بالسخرية من الدين. 

صدمة الوعي:

هذه المخاطر وغيرها مما كشفه طوفان الربيع العربي، ونزع لباس الزور عن أنظمة موبوءة بالعقلية المتصلبة حول عروش السياسة، والمخالب العميقة على أنظمة الحكم.  كما كشفت زيوف الفكر العربي القومي المنسلخ عن هويته، والذي يشري نفسه ابتغاء توطين نظريات الحضارة الغربية على العقل العربي، والذي ظهر مجنداً وشرطياً ضمن أجندة القمع للفكر الإسلامي بمشروعه النهضوي ليس إلا. وأثخنوا في الدهاء ليصنعوا كيانات تحمل شعار الإسلام وهي جراثيم قاتلة تتطفل على أنسجة الحركة الإسلامية. اليوم يعيش العقل العربي “صدمة الوعي” التي أحدثت تفاعلات جذرية حتمية، وزلزلت المشروع العلماني والليبرالي من اتجاهين:

الاتجاه الأول: أنظمة الحكم..

الاتجاه الثاني: عتاولة التنظير العلماني وفقهائه.

فهاهي قد أنهكت وعي الشعوب بالجدل الحضاري العقيم، وأفشلت دورة التغيير بمجدافها المكسور. وهذه الصدمة من جهة أخرى أيقظت الضمير الشعبي ليتجه نحو المشروع الإسلامي، رغم ما أتى عليه من افتراق، وما ابتلي من انقسامات إلى جُزُر مقطعة تسبح على فلك التغيير بمسارات متأرجحة

توطين الزندقة عربياً:

اليوم ـ للأسف ـ ما زال هذا المشروع يقلب جلداً آخر، ويتلون بالمكر ليدفع الشرائح الوسطى الشبابية إلى خارج مسارها الطبيعي، مستغلاً الفورة الشبابية باتجاه التغيير..  ويكسر بوصلة المقدّس حتى شتّتهم يميناً ويساراً، ويُهيِّجهم بأمواج الارتداد الديني.  بكل سذاجة سيقلبون معادلة الإلحاد بعد أن كان ظاهرة في العصور المنحطة.. ليوطنوه بين شباب الإسلام العربي، فيسوقونهم كالقطيع إلى نقطة الشك المظلم.. ويستهبلونهم في عقلنة الإلحاد! بكل ثمن. ليس ثمت مشكلة سوى أن العقل الغربي لا يريد أن يستيقظ الشباب العربي من سكرته، ويظل مضروب القفا، وبليد التفكير عن مشروع ما بعد الثورات، ويبقى غبياً في اهتماماته السلبية في جدل الهوية..  أو يبقى معروض الثمن تحت صفقة القابلية للاستعمار. ولله الحكمة البالغة

آدم الجماعي

كاتبٌ وباحثٌ في الفكر الإسلامي. ومدير - سابق - لمركز الإمام الشَّوكاني لتأهيل الدعاة، إب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى