علوم

عقائد فلسفية خلف صياغة القوانين الطبيعية(2-2)

Spread the love

محجوب عبيد طه

 عقيدة مختلفة

دعنا نفترض باحثا يؤمن بأن لهذا الوجود خالقا مدبرا حكيما الله سبحانه وتعالى، وأن الله خلق الخلق وأرسل الرسل، وعن طريق الوحي للرسول عالم الناس حقائق كثيرة عن الوجود منها أن الله واحد، وأن أنواع المخلوقات والموجودات أكثر مما تراه الأعين وترصده المراصد، وأن الإنسان مميز بوتي، وحرية وإدارة، ومكلف بعبادة الله وطاعته، وأن السعي للاكتساب المعرفة بالتجريب والندہر ممکن؛ لأن الله جعل سلوك الأشياء منضبطا بسنن وقوانين يمكن أن تحصل بالدراسة والاستنباط، وأن تحصيل المعارف ينشر الحياة على الأرض ويعين على فهم قدرة الخالق وإدراك روعة خلقه، وأن علومنا التجريبية ونظرياتنا ليست بشئ قياسا يعلم الله، ولن تمكننا أبدا من الإحاطة بأسرار الوجود وخالقه، فالرقعة المتاحة لنا للحياة والتجريب والتأمل ضئيلة ومقدراتنا العقلية محدودة والحياة التي تعيشها مرحلية وقصيرة وليس من مقاصد علم البشر فيها ولا من مرامية كشف الحجب عن الغيوب. مثل هذا البحث، ولقسمة الباحث المؤمن، يدرك أن الناس الإنسان بحرية الاختيار ليس وهما نقاسيا، وإنما يصدر عن حقيقة واقعة. وفي الفترة التي بدأ فيها للفيزيائيين أن سلوك الجسيمات حتى يقرر موقفه العقدي أن هذه الحتمية الليل ان تنكسر، وتنتهي عند درجة من درجات التعقيد والتركيب، قبل أن تصل درجة تعقيد الذهن البشر الناضج

وفي عصرنا الراهن يبدو أن الخيارات الفردية التي يختارها الجسم الدقيق تكون في كل مرة عفوية وتحدث (( مصادفة ))، ولكنها على الكرة الإحصائية تحقق الاحتمالات المتوقعة لها. والموقف العقدي هنا للباحث المؤمن أن (( المصادقة )) ليست واردة في سنن الله، وأن هذه الكلمة لا تعكس علما، وإنما تعبر عن جهل الإنسان بالأسباب والعلل وراء بعض الظواهر، كان هذا الجهل متعلقا بطبيعة علم البشر و محدوديته، أو كان مؤقتا يزيله مزيد التقدم في المعارف المكتسبة. ولعل عقيدته الأ تنفي أن يكون للجسم الدقيق إحساسه الذاتي بالجبر أو الحرية، وهو يحقق واحدا من (( الخيارات )) المتاحة السلوكية. ذلك أن لهذه الكائنات علاقاتها التي تجهلها بخالقها سبحانه، ولعل في سلوكها أعماقا أغور مما نتصوره أو تكتشفه النا التجارب. ولقد اعتدنا في الدراسات الاجتماعية أن نتقبل التنبؤ الإحصائي باحتمالات السلوك الجماعي للبشر وتقنين الاتجاهات العامة وأنماط التطور الممكنة للجماعات، مع علمنا باستحالة التنبؤ اليقيني باللوك فرد واحد معين تحت الظروف العامة التي تطرأ على بيئته الاجتماعية. ولكنا لا نصف السلوك الفرد بالمصادفة أو العفوية، بينما نجد ذات الظاهرة في الألكترونيات – ظاهرة السلوك الجماعي الشبه المنضبط والسلوك الفردي شبه الفوضوي- فنصف ما يحدث للألكترون الواحد بالمصادقة والحق أن لدى الباحث المؤمن ما يجعله يميز تمييزا فعليا بين سلوك الفرد من الألكترونات والفرد من البشر: علمه العقدي بأن للإنسان إرادة ومشيئة وتكليفا يحاسب عليه وليس ذلك الألكترون، رغم أن هذا الباحث قد يضفي على الوجود الألكتروني عمقا لا تدركه المختبرات.

وهذه عقيدة الا يطيقها كثير من الباحثين، ويظنون والمنهج العلمي على طرفي نقيض. لكن علة رفضهم إياها قبولهم الضمني لعقيدة تقرد الذكاء البشري ولنحو فكر الإنسان في الكون. وليس في عقيدة الباحث المؤمن ما يناقض المنهج العلمي، بل يجد في نجاح تطبيقه تحقيقا لثبات سنن الله في خلقه وعدم تبديلها. وموقفه الإيمان لا يمنعه من المساهمة البحثية حتى داخل نطاق الحتمية المطلقة عندنا كانت سائدة أو داخل نطاق التفسير بالعفوية في السلوك الكم عندنا كان ساندا: لأنه يدرك أن العلم البشري كله محدود و مرحلي، وتقريبي، ويتصل بجزء ضئيل من هذا الوجود الكبير، ولا ضير إن وضع المرء فيه قيدا إضافيا يير الدراسة ويعين على تحصيل بعض التقدم وفي هذا مجمل موقفه من الأمثلة الثلاثة التي سبق ذكرها ومن مثيلاتها. ففي المثال الأول نجد أن القانون الثاني في التحريك الحراري تعبير عن خاصية مشاهدة من خصائص النظم الحرارية التي تدرس في المعامل، وهي أن هذه النظم الحرارية التي تدرات في المعامل، وهي أن هذه النظم لا تحول كل الطاقة إلى عمل.. وإذا صيغت هذه الخاصية مبدأ عاما يقيد التنظير، ويسهل استنباط القواعد التي تضبط سلوك هذه النظم فإن هذا عمل علمي مفيد ولا غبار عليه، وإن تمكنا من تعميم هذا المبدأ على نطاق واسع فيما نراه حولنا من العالم المشاهد، ووجدنا أن هذا التعميم لا يناقض ملاحظات تجريبية أو مبادئ أخرى أكثر رسوخاً فإن في هذا نجاحا واضحا، ودليلا على صحة الوعاء النظري في هذا المجال. ولا شك أن مثل هذا التنظير أفضل بكثير من العبارات السلبية بفشل الباحثين في تحقيق مرادهم. ولكن يجب ألا يعتبر هذا المبدأ فرضية كونية شاملة تقتضى اعتقادا باستحالة مطلقة لحدوث شئ أو آخر، وبصفة خاصة لا يعقل أن يمتد أثره حتى يصح تطبيقه على كل الكون فيستنتج منه كيف يفنى الوجود. فبيئة علم الإنسان، التي تشمل كل ما تراه وتحسه أجهزتنا، ليست كل الكون، وليست نظاما حراريا مغلفا، وهي جزء ضئيل مما الا يدرك أبعاده إلا الله سبحانه، وقد تتفاعل هذه البيئة المحدودة مع الوجود بطرق لا يحبط بها علم البشر، ولا تدركها وسائله. والباحث المؤمن يضع هذا التصور، وهو معرفة يقين مصدرها الوحي والرسالات السماوية، فوق المعارف التجريبية والظنية ومهيمنا عليها، ويجد فيه ضابطا لجموع الخيال من غير طائل.

أما في المثال الثاني فمن منطلق محدودية التجربة الإنسان في الزمان والمكان: يتخذ الباحث المؤمن موقفا أساسيا بأن العدم المطلق ليس مما يمكن أن نعرف عنه شيئا نتيجة تجاربنا المعملية إذ لا وجود له في بيئتنا، ويستحيل عقلا أن نفهم كيف ظهر هذا العالم، هذه الفقاعة من الزمان والمكان والطاقة، من حيث لا زمان ولا مكان ولا طاقة. فالإنسان حبيس هذه الفقاعة، ليس بجسده فقط وإنما بفكره أيضا، ومن العبث أنه يظن أنه يستطيع – بإجراء بعض التجارب والتوصل لبعض النظريات حول سلوك الجسميات- أن ينفذ بفكره، ويحول موقفه فيصبح متأملا من خارج الوجود ينظر كيف تشكلت الأشياء من العدم المطلق. وليست هناك في الحقيقة إشكالية فلسفية تتعلق بتفسير العلاقة بين الاتحادية في الطاقة واللاتحادية من الزمن. فالطاقة والزمن متغيران غير متوافقين، بحسب مبادئ النظرية الكمية. وبافتراض أن هذه النظرية سلمية ومقبولة في وصفها للواقع الفيزيائي، يكون معنى العلاقة أننا عندما نضطر لوصف حالة نظام فیزیائی بمتغيرات بينها الطاقة والزمن، فلابد من أن نسمح بقدر من اضطراب القيمة في كل منهما، بحيث لا نناقض النظرية الكمية التي تمنع توافقهما، أي تمنع ورودهما معا بقيمتين محددتين تماما في وصف أية حالة فيزيائية واحدة. وليس هناك معنى للحديث في هذا المجال عن العدم المطلق و إمكانية أن تظهر الطاقة أو تختفي. وفي نطاق عقيدة الباحث المؤمن رفض تام للعفوية التي تسمح بظهور الطاقة واختفائها، دون سبب لأى فترة مهما كانت قصيرة. وفرضية التسبيب هي أساس العلم التجريبي، وليس في هذه العلاقة الرياضية البسيطة ما يدعو للشك في هذه الفرضية.

أما المبدأ الكوني العام، في المثال الثالث، فهو برمته تعبير مباشر عن فلسفة ترفض أن يغيب عن ذكاء البشر شيئ مهما في الوجود. ذلك أن مجرد التفكير بأن الوجود غير المشاهد قد لا يكون امتداد فاترا للعالم المشاهد، وأنه قد يكون مثيرا ومختلفا، وذا خصائص جديدة ومدهشة، هذا التفكير يزعزع الاطمئنان التقليدي بأن المعارف المكتسبة بالتجربة كافية وشافية، وتستقصى مدى ما يهم الإنسان، ويثير فضوله. ولا شك أن ملاحظة تجانس وانتظام الرقعة المشاهدة من العالم ملاحظة هامة جدا، وهي ركيزة أساسية في تيسير بناء نماذج نظرية رياضية تصف تطور العالم منذ المراحل الأولى لنشأته. غير أن هذا يأتي في نطاق العزل التقريبي للمشاهد عن غير المشاهد، وفق الاستراتيجية المتبعة في العلوم الطبيعية. فدراسة ذرة الهايد ورجين مثلا تبني على افتراض أن هناك جسيمين، الكترون وبروتون يتأثران ببعضهما، ولا يوجد في العالم سواهما. وخصائص العالم المرتب بهذه الصورة هي خصائص ذرة الهايدروجين. وهكذا الحال في سائر العلوم الطبيعية، وهو كذلك في علم الكون: خصائص النماذج الكونية المبنية على المبدأ الكوني تتعلق بالجزء المشاهد من العالم، على افتراض عزله التقريبي عما حوله، وليس لها امتداد لا نهائي نستنتج منه خصائص الخليقة حيثما شئنا.

والحق أن كثيرا من علماء الكون المعاصرين أدركو في السنوات الأخيرة سذاجة التصور الذي يقصر الوجود على المشاهد، حتى إنهم ما عادوا يلزمون أنفسهم بأوضح صفات العالم المشاهدة الأبعاد المكانية الثلاثة، فالمشاهدات لا تمنع تصور أن تكون الأبعاد المكانية كثيرة ولكن أغلبها متقوقع في حيز ضيق بحيث لا ترصده الأجهزة التجريبية! وبغض النظر عما ستؤدي إليه أمثال هذه النماذج النظرية، وهي ما تزال بعد في مرحلة أولية ولم يتبلور محتواها الفيزيائي، فإن الاعتقاد بأن العالم المرئي محلي في خصائصه الأساسية، هذا الأعتقاد يتسق مع الخبرة المكتسبة عبر تاريخ العلوم الطبيعية، وبصفة خاصة في مجال الفلك حيث انتقلنا من مستوى الأرض إلى مستوى المجموعة الشمسية، إلى المجرة، إلى كوكبة المجرات المتقاربة إلى التوزيع المنتظم لكوكبات المجرات حتى حدود رؤية المراصد. لكل من هذه المستويات من العالم المشاهد خصائصه المحلية التي لا تنتظم المستويات من العالم المشاهد خصائصه المحلية التي لا تنتظم المستويات الأخرى. أليس غريبا الاعتقاد بأن تكون نهاية الاختلاف بين مستويات المشاهدة عند نهاية مقدرة الإنسان على الرؤية الفلكية؟ يبدو للباحث المؤمن أن مصدر هذا الاعتقاد هو الانزعاج من أن يكون الموجود أجل مما يمكن أن يدركه الإنسان بمجهوده الذاتي، وفي عقيدته أن هذا هو الواقع، وهو لا يجد في التجانس التقريبي في الرقعة المشاهدة من العالم إلا ما يعينه على دراسة بيئته المحلية بالنماذج الرياضية، ويعمق إدراكه لروعة خلق الله الذي تشكل هذه البيئة جزءا يسيرا منه.

خاتمة:

ما يسمى عادة بالمنهج التجريبي في العلوم الطبيعية ليس إلا تطورا وضبطا للكيفية التي يتوصل بها الرجل العادي لمعلوماته عن الأشياء حوله. والتقدم الكبير الذي حققته العلوم الطبيعية في إدراك حقائق عميقة عن طبيعة سلوك الجسيمات والقوى التي تؤثر فيها: هو نتاج الجهد المبذول عبر القرون من قبل أعداد هائلة من الباحثين، وليس بسبب عصا سحرية تسمى بالمنهج العلمي التجريبي. وعندما يجنح العالم الطبيعي لصياغة بعض القوانين الطبيعية بما يعطي انطباعا بالسمو فرت أساليب ومقدرات الرجل العادی: فإنما يكون ذلك بسبب حيوده عن الالتزام الدقيق بحدود المنهج العلمي! ولعل ذلك راجع الضيق المنهج عن استيعاب طموح البشر وتطلعاتهم، وليس لشموله وتسامیه فوق طرق وأساليب الرجل العادي (5)؛ ذلك أن الباحث لا يقبل على عمله خاليا من الأحاسيس والمحتوى الفكري، وإنما يقبل عليه بطموح وتصور وتوقع في إطار فلسفة عقدية أصبحت من خصائص كيانه وشخصيته. ولعل (( الفشل )) في الالتزام بالحدود الدقيقة للمنهج العلمي عند الصياغة النهائية للقوانين المكتشفة جزء من الطبيعة البشرية، سواء كان مقصودا أو جاء عفوا دون قصد. ولقد كانت الإثارة الفكرية المترتبة على المغامرة بتقديم فرضيات جريئة من الدوافع المهمة لكثير من الباحثين المتميزين عبر تاريخ تطور العلوم. وأمثال هذه الأعمال الجريئة المثيرة، غير الملتزمة بالقيود المنهجية، هي الأكثر أهمية في التأثير على مسار تطور العلوم، وأمثال هذه الأعمال الجريئة المثيرة، غير الملتزمة بالقيود المنهجية، هي الأكثر أهمية في التأثير على مسار تطور العلوم، وهي التي تحد طريقتها في النهاية للصياغات والملخصات التي تستقر في الدوريات والكتب المتخصصة. وفي هذا تأكيد للإنسانية المجهود العملی، وفيه إثراء فکری للمباحث العلمية يقصي عنها عوامل الملل والركود والجمود. غير أننا يجب أن ندرك هذه السمة الهامة في الكتابة العلمية: أنها تعكس عقائد فلسفية خفية للباحثين والمؤلفين، لا تقتضيها بالضرورة النتائج التجريبية التي يكتبون عنها. متى ما أدركنا هذا سهل علينا أن نتابع ما يكتب وما يقال بحذر وتدقيق. ومع الزمن يمكن أن يكتسب المرء خبرة كافية تمكنه من استيعاب المادة العلمية البحتة فيما يقرأه، وأن يتعرف على فلسفة الكاتب وعقيدته وآن واحد، ومن خلال ذات النص، دونما أي خلل!

ويجدر بنا هنا أن نميز بين التأمل الفكري والفلسفي، بل والاجتماعي والأخلاقي، الذي قد يبني على أو يكون بوحي من نتائج العلوم الطبيعية، وبين الموقف العقائدي الشامل الذي يكون سابقا للعمل البحثي ومهيمنا عليه، وهو محل اهتمامنا في هذه المقالة. ولا شك أن بعض المواقف الفلسفية الجزئية تعدل وتبدل بتأثير العلم التجريبي والحقائق التي تكتشفها البحوث. فهناك قضايا كانت فلسفية، وبعضا من مواقف عقدية شاملة، ثم حسمتها الحقائق التجريبية بما لم يترك مجالا للاختلاف حولها. من ذلك مثلا قضية الحتمية الميكانيكية، وقضية قدم العالم أو حدوثه، وهی مسائل لم تعد مثار اختلاف بين العارفين. ولكن حسم هذه القضايا وأمثالها لم يفد في أغلب الحالات إلا لتبديل طفيف وإعادة للترتيب والصياغة بحيث يظل الموقف الفلسفي الأساسي للباحث ممكنا في ظل الحقائق الحديثة. وهذا اعتبار يدعو للريبة في الموضوعية المفترضة لدى العلماء الطبيعيين. والحق أن الموضوعية المعنية المطلوبة في البحث العلمي هي موضوعية رصد الحقائق والمشاهدات كما وردت، وليس هناك إلزام مهني بحصر التأملات والاستنتاجات والعبارات، بحيث لا تتعدى هيكل الحقائق المجردة. ولقد ذكرنا أن مثل هذا الالتزام لا يفيد العلم شيئا. غير أن الأمر قد يبالغ فيه من الطرف الآخر فتقدم نظرة فلسفية مثيرة في إطار لا يحوي علما مفيدا. في مثل هذه الحالات يستغل العالم رصيد سمعته العلمية ليبلغ رسالة لا تتصل بعلمه وتخصصه، وإن سربلها بسرابیل علمه وتخصصه. من ذلك مثلا المقالات التي كتبها في الدوريات المتخصصة مؤخرا أحد قادة علم الكون المعاصر يقدم فيها خواطره حول ما سماه (( الكون الفوضوي )). ملخص هذه الخواطر أن الحالة الابتدائية للخلق كانت تسمح بقيم عديدة للمتغيرات موزعة توزيعا عفويا، ونتج عن ذلك عدد كبير من الأكوان، كل منها محكوم تطوره بالقيم الابتدائية المعنية التي نشأ عنها، وكان من نصيبنا هذا الكون الذي نعيش فيه. قدمت هذه الخواطر في معرض الإجابة على السؤال عن تفسير قيم الثوابت الكونية الأساسية المعلومة، وإجابة صاحب الكون الفوضوي أن السؤال لا محل له، إذ أن هناك أكوانا بكل القيم الممكنة للثوابت فلماذا لا يكون كون بهذه القيم المعينة ؟ في رأيي أن مثل هذا الموقف يعكس فلسفة عقائدية بلا محتوی علمي، بل هو في جوهره موقف يرفض العلم التجريبي، ويمنع التفكير المرتب على التسبيب. وهو شبيه بتفسير النظرية الكمية المشهورة بتعددية العوالم الذي يدعي أننا نرى الألكترون يختار مسارا معينا دون الاختبارات الأخرى الممكنة، بسبب عدم تمكننا من رؤية العوالم الغيبية الكثيرة التي ينفصل عنها عالمنا المشاهد لحظة اختيار الألكترون يختار مسارا معينا دون الاختيارات الأخرى الممكنة، بسبب عدم تمكننا من رؤية العوالم الغيبية الكثيرة التي ينفصل عنها عالمنا المشاهد لحظة اختيار الإلكترون حالة الممكنة. وما دامت الخيارات الأخرى تحدث في عالم الغيب فلا مجال للتساؤل حول سبب الخيار المعين الذي تحقق في عالم المشاهدة. هذه الفلسفات عقائد خالية من المحتوى الفكرى، ولا تضيف للعلم شيئا مفيدا، وهي من قبيل الوعظ الذي يستهدف صرف الناس عن توجيه نوع معين من الأسئلة!

وأختتم بالتركيز على النقطة الأساسية في هذه المقالة، وهي التأكيد بأن المجهود المبذول نحو تحصيل العلوم الطبيعية، منذ التخطيط الأولى لإجراء التجارب المعملية حتى صياغة القوانين العامة، والنظريات الأساسية هو مجهود بشری عليه سمات العاملين عليه، وبصفة خاصة يعكس بوضوح مواقف عقدية وإضافات فكرية وظلالات فلسفية ليست ضرورية لاستيعابه ورعايته وتطوره. ومن المهم ان يؤخذ هذا المفهوم في الاعتبار عند تدريب الناشئة في كافة مجالات العلوم الطبيعية.

  • نشرت في مجلة المسلم المعاصر، عدد(64) 1 مايو1992م.

Hekmah Yemanya

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, وعوالم المعرفة, والعلوم الإنسانية, وتواصل الثَّقافات والحضارات, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, وينشدُ الإسهام في تشييدِ الجسور, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, وتعزيز المشتركات, وتوسيع المنظورات, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوز للعصبياتِ والهُويات الضَّيقة, منفتح على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهري ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى