أشتات

هوية الثورة الجزائرية بين فيلمين: إيطالي ومصري

صحيح أنه لا يكاد يوجد عمل فني تاريخي يخلو من البواعث الذاتية والتأثيرات السياسية للقائمين عليه، إلا أن الإبداع في الجوانب الفنية والحرص على المصداقية التاريخية بقدر الاستطاعة يؤدي إلى إنتاج عمل فني متميز يفرض احترامه على الجميع.. وفي المقابل فإن خضوع العمل الفني تماما للبواعث السياسية وأغراض الممول السياسية تجعل من العمل الفني نموذجا للعمل الفني الذي يحمل عوامل فشله بين ثنايا مشاهده وحوارات أبطاله!

في الأول من نوفمبر من كل عام تحتفل الجزائر بذكرى انطلاق ثورتها العظيمة (1954) ضد الاستعمار الفرنسي ووجوده التدميري للأرض والإنسان الجزائري وهويته الإسلامية العربية، بما يجعله يستحق بامتياز وصف (عارنا في الجزائر) الذي أطلقه الفيلسوف الفرنسي سارتر على جرائم بلاده! 

كانت سنوات الثورة الجزائرية شاهدا تاريخيا على إجرام الاستعمار الفرنسي في حق الشعوب التواقة إلى الحرية والانعتاق من هيمنة الغرباء.. الباحثة عن هويتها الحقيقية وليس الهوية المزيفة التي عمل الاستعمار على فرضها بوسائله الفجة والخبيثة على حد سواء. 

وفي بلد مسلم عربي مثل الجزائر كان طبيعيا أن تكون الهوية العربية الإسلامية هي إحدى ميادين الصراع الفكري بين أهل الأرض وبين المشروع الاستعماري، وقد كان ذلك واضحا منذ سعت فرنسا إلى فرض لغتها وقوانينها ومسخ الهوية العربية الإسلامية بأساليب المكر المعروفة عنها لترسيخ هدفها في أن الجزائر أرض فرنسية وليس أرضا مستعمرة.. وفي المقابل كان إحياء الهوية العربية الإسلامية من قبل الطلائع الجزائرية هو الأساس الذي تأسست عليه حركة المقاومة الشعبية بإحياء التعليم الإسلامي والدعوة إلى التمسك بالانتماء للعروبة والإسلام للمحافظة على مقومات الصمود وإحياء روح المقاومة والتضحية والفداء.

******

جذبت الهالة النضالية للثورة الجزائرية 1954-1962 والمقاومة الشرسة وتضحيات الجزائريين إعجابا عالميا بها، وكان للسينما العربية والعالمية اهتمام خاص بها تجسد في أعمال فنية أبرزها فيلمان: الأول الفيلم المصري (جميلة) الصادر في عام 1958 الذي تناول نضال المجاهدة الجزائرية الشهيرة وفضح حقيقة التمدن الفرنسي في أقبية السجون وغرف التعذيب الوحشية. والثاني فيلم (معركة الجزائر) الصادر عام 1966 بإنتاج مشترك بين الجزائر والمخرج الإيطالي (جيلو بونتيكورفور)، وتناولت أحداثه وقائع معركة الجزائر التي دارت في مدينة الجزائر بعد أن قرر المجاهدون نقل المعركة من الجبال والريف إلى قلب العاصمة والوجود الفرنسي ليعلم العالم حقيقة ما يحدث في الجزائر.

اكتسب الفيلم المصري (جميلة) هالته الإعلامية من زمن صدوره في ذروة وقائع الثورة الجزائرية، ولتناوله قصة المجاهدة (جميلة) التي تعرضت لصنوف بشعة من التعذيب، ووقائع محاكمتها التي تحولت لفضيحة سياسية وإعلامية لفرنسا على يد محام فرنسي حر تطوع للدفاع عن جميلة، لكنه فشل فنيا في تجسيد حقيقة المجتمع الجزائري العربي المسلم وحقيقة نضاله ضد المستعمر الفرنسي.

فيلم معركة الجزائر

لكن في الحصيلة العامة تميز الفيلم الجزائري الإيطالي (الذي حجز مرتبة متقدمة في سلسلة أفضل الأفلام التاريخية العالمية رغم اعتماده على ممثلين هواة عدا ممثل فرنسي محترف قاد بدور القائد الفرنسي ماثيو) بمجموعة من السمات الفنية عالية المستوى والتاريخية الملتزمة بالواقعية جعلته يتفوق على فيلم (جميلة) المصري بمراحل كبيرة وفي جوانب عدة أبرزها في ميزان هذه القراءة نجاحه في إبراز المضمون القيمي الحقيقي للصراع الذي دار بين فرنسا الاستعمارية وبين الشعب الجزائري العربي المسلم حول هوية الجزائر وهل هي جزء لا يتجزأ من فرنسا أم هي هوية عربية إسلامية.

وفي المقارنة بين الفيلمين المذكورين تبدو جناية السياسة جلية ففي الفيلم المصري انطبعت القصة والحوار بمساوئ الخطاب الإعلامي المصري في تلك المرحلة وغلبت عليه مصطلحاته وخيارات النظام المصري الحاكم آنذاك الذي كان أكبر الداعمين للثورة فجاء الفيلم مصبوغا بكل تلك المساويء: خطاب عاطفي يستخدم مفردات السياسة العربية دون اهتمام بإبراز البعد الإسلامي لثورة الجزائريين، ففي أحد المشاهد يظهر زعيم الفدائيين (وليس المجاهدين كما هو المعتمد في خطاب الثورة) يدخن سيجارته بتلذذ في شرفة البيت وأذان الفجر يتردد في الأجواء دون أن يبدو عليه أنه مطالب بالاستجابة إليه.. النساء الجزائريات في الفيلم سافرات يلبسن آخر نماذج الموضة ولا يختلفن عن صورة الطالبات المصريات أو النساء الفرنسيات في شيء.. قصة الفيلم ذاتها مقتبسة من نفس مخزون السينما المصرية: غرام وغزل.. وعمليات فدائية ساذجة.. مشاهد وأحداث سطحية.. والفرنسيون سذج وأغبياء والخلاصة وكأن أحداث الفيلم تجري في شوارع جاردن سيتي والمهندسين وغيرها من أحياء القاهرة. والإبداع الحقيقي كان فقط في مشاهد تعذيب جميلة وفي أحداث المحاكمة.

وفي الحقيقة فإن السينما المصرية (رغم حشد نجوم السينما المصرية المشاركين) لم يكن في مقدورها أبدا أن تنتج فيلما تاريخيا بمستوى عظمة الثورة الجزائرية كما لم تنجح إطلاقا في انتاج أفلاما بمستوى القضية الفلسطينية ولا الثورة المصرية ذاتها ولا حرب أكتوبر.. ففي مثل هذه القضايا تطغى مطالب السياسة أكثر مما يهتم العاملون بإبراز الحقائق التاريخية في قوالب فنية متميزة.

ومع أن مخرج الفيلم الجزائري وكاتب السيناريو إيطالي إلا أن الفيلم جاء معبرا إلى حد كبير عن الأبعاد الفكرية والدينية للصراع بين فرنسا والجزائريين. ومن المشاهد الأولى للفيلم تنطلق صراخات (الله أكبر) من فم أحد المجاهدين وهو في طريقة إلى المقصلة الفرنسية، وبطل الفيلم (علي لابوانت) نفسه كان أحد الصعاليك لكن مشهد الإعدام وصرخات الله أكبر كانت بداية توجهه الجهادي والتحاقه بصفوف المجاهدين. ومعظم النساء الجزائريات في الفيلم يلتزمن الحجاب الإسلامي والنقاب المعروف ولا يمنعهن ذلك من المشاركة في العمليات الجهادية ضد الفرنسيين.

وفي أحداث الفيلم يظهر البعد الإسلامي واضحا لدى المجاهدين الجزائريين في دعوتهم إلى تطهير بلادهم من الدعارة والقوادين والحشاشين، وفي بيان خاص تحذر جبهة التحرير المواطنين الأخلاق السيئة وتعلن أن الجبهة ستعمل على فرض الأخلاق الحسنة. ويقوم بعض المجاهدين بقتل أحد القوادين بعد رفضه الانصياع لقرارات الجبهة. وفي رمزية معبرة يقوم الصبيان بمطاردة السكارى في الشوارع مثلما يقوم آباؤهم بمكافحة الدعارة وانتشار الخمور والمخدرات. 

وفي مشهد عقد قرآن أحد المجاهدين تجري الطقوس بإشراف مندوبين من جبهة التحرير ووفقا للتقاليد الإسلامية، ويردد الحاضرون في مشهد مهيب وبصوت جماعي الأدعية الإسلامية في بداية الحفل ونهايته.

البعد الإسلامي في صراع الهوية بين الجزائريين والمستمرين الفرنسيين ليس أمرا هينا ألبته، فالفرنسيون كانوا من جهتهم حريصين على الطرق على هذا الأمر فكانوا يصفون الأحياء التي يسكنها الجزائريون ب(الأحياء الإسلامية)، وضحاياهم الذين كانوا يدفنونهم بمعرفتهم كانوا يكتبون على شواهد قبورهم: (مسلم).

المرأة الجزائرية تشارك في معركة التحرير

من سوء حظ الجزائريين أن الفرنسيين كانوا أكثر وعيا بالبعد الإسلامي في معركتهم في الجزائر من معظم النخبة الجزائرية التي حكمت البلاد بعد الاستقلال.. فقد انجرت الجزائر لأسبب عدة إلى طريق خاطيء في البناء والتنمية والثقافة غلب عليه التأثر بالنموذج الاشتراكي الجامد والأفكار العلمانية واليسارية المتطرفة والكارهة للبعد الإسلامي واللغة والثقافة العربية.. وكان أخطر ما حدث أن النخبة الحاكمة التي نخرتها الخلافات والتنافسات والصراع على السلطة والنفوذ وعانت من التصفيات المتتالية قد عجزت عن بناء نموذج للحكم الديمقراطي الحقيقي الذي يستوعب الجميع ويجعل الإرادة النهائية للشعب عبر صناديق الانتخابات وليس الانقلابات وحكم الفرد والعسكر.

ودفعت الجزائر وما تزال أثمانا باهظا لأخطاء مرحلة ما بعد الاستقلال والتفرد بالسلطة وحجر الحريات وإهمال تجسيد استحقاقات الانتماء العربي الإسلامي فحدث ما حدث في العشرية الدموية السوداء.. وتلك حكاية أخرى من تاريخ سنوات الجمر والمعاناة ما يزال لهبها يحرق حتى الآن.   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى