حفريات معرفية

المرأة واليهود في الإصلاح الديني

الحقيقة والوهم في الإصلاح الديني (5-8) 

إحسان باحارثة

سعى البروتستانت ليكون الإصلاح الديني اجتماعيا شموليا متزمتا، وعملوا على فرض تنظيم حياة الأفراد والعائلات والمجتمع وفقا لتعاليم الكتاب المقدس بتفاصيلها من السلوك المنزلي وعادات الملابس والمأكل والمشرب إلى أصول الصلاة الجماعية. وبمعنى آخر فإن البروتستانتية لم تكن نظرة فلسفية أو لاهوتية حقيقية بل كانت (دنيوة للدين) أي تنزيله أو تجسيده في المجتمع، وفي حياة الناس كأخلاق ونمط حياة وليس مجرد شعائر وتنفيذا لتعليمات الكنيسة فقط (أو بالمصطلح الإسلامي جعل المسيحية دين حياة للفرد والأسرة والمجتمع).  فإذا أضفنا إلى ذلك إيمانهم بشرعية الدولة وأنها من وحي الله والأمر بطاعتها وطاعة الحكام ومنح هؤلاء سلطة رعاية الدين والمحافظة عليه من الهرطقة والمذاهب الخاطئة، وإجبار الناس على الانقياد للدين، ومحاربة من يشكك في العقيدة، وتأسيس كيانات بروتستانتية متشددة في تطبيق الدين.. إذا أضفنا كل ذلك فإن عبارة (المسيحية دين ودولة) لن تكون غريبة لو استخدمت في وصف فهم الحركة البروتستانتية للدين المسيحي. (1)

– وصف المؤرخ الشهير (ديورانت) مارتن لوثر بأنه كان يتشبث بالخرافات في الوقت الذي يسخر منها، ويندد بالتعصب ويمارسه في الوقت نفسه، وكان مثل معاصريه يؤمن بالغيلان والشياطين والساحرات، ورغم أنه أعجب بما توصل إليه علم الفلك في مجال النجوم لكنه رفض النظام الكوبرنيكي في الفلك بوصفه مناقضا للكتاب المقدس، وهي النظرية العلمية الشهيرة التي أعلنت أن الأرض ليس مركز النظام الشمسي وأن الشمس هي مركزه، وأن الأرض تدور حول نفسها والقمر يدور حولها، والأرض والكواكب الأخرى تدور حول الشمس. (2)

– لم يهتم دعاة الإصلاح الديني بالتعليم الدنيوي، واهتم لوثر جدا بتعليم الناس الدين ومحو الأمية الدينية ولا سيما في الريف وكان ذلك من أبرز دوافعه الإصلاحية. (3)

– وعلى العكس من روح النهضة الأوربية المنطلقة المنفتحة على الحياة  التي سبقت ظهور لوثر والبروتستانتية فقد تأثر مارتن لوثر بأجواء العصور الوسطى وسمتها البارزة في التشاؤم والإيمان بقرب نهاية العالم، ومال إلى تفسير ما يجري في العالم كعلامات على نهاية الدنيا بكل ما يعني ذلك من مشاعر اليأس وكراهية الدنيا والتعلق بالآخرة التي هي سمة مراحل التخلف والجمود في العصور الوسطى ومال لتفسير ما يجري في الدنيا كعلامات قرب النهاية، وأن إشارتها الأولى كانت انهيار الإمبراطورية الرومانية (500م) ثم سقوط المجر في أيدي الأتراك. (4)

– منع الإصلاحيون البروتستانت الرسم، والتصوير، والتماثيل، والزخرفة التي تصور الذات الإلهية، والأنبياء، والعائلة المقدسة في الكنائس بحجة أنها تقود إلى عبادة الأصنام مما أدى إلى انسحاب الفنون التشكيلية وغيرها من المجال الديني إلى المجال الدنيوي. (5)

– انشقت عن البروتستانتية أثناء تشكلها حركات عنيفة وأخرى غير عنيفة لكنها منكفئة عن المجتمع تقاطع (الكفار) ولا تبادلهم التحية، ويرتدي أعضاؤها ملابس يتخيلون أنها تشبه ملابس مرحلة يسوع المسيح، ويقبلون تعدد الزوجات ويمارسونه كما فعل النبي إبراهيم وملوك إسرائيل وفق التوراة. (6)

المرأة في المنظور الإصلاحي

– عموما لم يختلف البروتستانت كثيرا في موقفهم من المرأة عن الموقف الكاثوليكي المشهور وإلى درجة أنهم ناقشوا في مجمع “وتنبرج” مسألة ما إذا كانت النساء حقيقة من بني الإنسان. (7)

– وعن النساء يقول مارتن لوثر البروتستانتي (انتزع النساء من تدبير شؤون المنزل تجدهن لا يصلحن لشيء).(8) ويتحدث لوثر عن المرأة والزواج بوصفه عقابا لها: (إن هذا العقاب ينبع أيضا من الخطيئة الأصلية، وتتحمله المرأة مكرهة تماما كما تتحمل تلك الآلام والمتاعب التي وضعت على جسدها. والعرف هو أن تبقى مع زوجها فقد أجبرت الزوجة على طاعته بأمر الله، والرجل يحكم المنزل والدولة والأجور ويشن الحروب ويدافع عن ممتلكاته.. ومن ناحية أخرى المرأة هي مثل مسمار دق في الجدار تجلس في المنزل وليس لها أن تخرج إلا قضاء لحاجاتها الشخصية!). (9)

– “جون نوكس” من أبرز مؤسسي الكنيسة المشيخية البروتستانتية قاوم محاولة الملكة “ماري تيودور” إعادة الكاثوليكية إلى إنجلترا معللا موقفه بأنه من غير المسموح بحسب الشريعة أن تحكم امرأة لأنه يتناقض مع سنة الطبيعة وسنة الله. (10)

حرق النساء في أوروبا القرون الوسطى"بتهمة السحر".

– حرم “كالفن” الرقص والتمثيل والغناء على المرأة. (11)

– وصفت الكاتبة “كارين أرمسترونغ”  كلام مارتن لوثر عن الزواج بأنه يتضمن تحاملا كبيرا على الزواج مستمدا من النظرة الكاثوليكية التقليدية التي ترى فيه ممارسة قذرة فقد وصف الزواج بأنه (مستشفى للمرضى إليها يندفع إليها الإنسان على غير إرادة منه بدافع من شهواته العصية على الضبط.. القسم الأعظم من المتزوجين ما زالوا يرتعون في الزنا!). (12)

– وبسبب ميله للعناصر الأرستقراطية فقد وافق في مرة على زواج أحد النبلاء المصابين بالسفلس من خليلته البالغة 17 عاما كما وافق على زواج الأمير فيليب بزوجتين خلافا لما هو معروف في الدين المسيحي. (13)

– اتسم كبار رجالات حركة الإصلاح الديني المسيحي على المستوى الشخصي  (باستثناء إيرازموس الذي كان يميل بقوة إلى الاعتدال واستهجان التطرف والمغالاة وفق ديورانت) بالقسوة والحدة في الدعوة إلى أفكارهم، والدموية إلى درجة التكفير والغدر والإجرام في معاملة خصومهم؛ ولو كانوا معهم في المربع البروتستاني ولكن اختلفوا مع بعضهم بعضا في مسألة من المسائل اللاهوتية من الدرجة الثانية؛ مثل المعمودية أو حقيقة القربان المقدس وهل هو حقيقي أو رمزي!

وقد سبق ذكر نماذج من المواقف التكفيرية لهم، وقد اتسم لوثر نفسه بصفات شخصية بالغة الجلافة والقسوة  حسب (ليندا لوير) أستاذة كرسي التاريخ في جامعة أكسفورد فكان:( شجاع ذكي ذو تأثير ثقافي هائل لكنه في المحصلة كان أنموذجا للمسيحي المتعصب بسبب استبداده وتصلبه كزعيم ديني وتعطشه للمجد، وبذاءة لسانه وتماديه في استخدام صور قذرة عند توصيفه للأحداث والقضايا أو عند مهاجمة خصومه من رجال الدين أو الفلاحين الذين ثاروا على ظلم الإقطاعيين، ومعاداته للسلمية بشكل مثير للاشمئزاز، ومخاصمته للمساواة السياسية أو الجنسية (أي بين الذكر والانثى).  ورسم له ديورانت صورة تحوي متناقضات عديدة لكن أبرزها حدة لسانه مع خصومه فالبابا بذرة الشيطان، والمراسيم البابوية قذارات وروث، ونهر الراين لا يكاد يتسع لكي يغرق فيه كل عصبة المغتصبين الرومانيين الملاعين من كرادلة ومطارنة وأساقفة ورهبان. (14)

لوثر المعادي لليهودية

كان الموقف البروتستانتي من اليهود واليهودية – الذي عبر عنه مارتن لوثر- غريبا ما بين بدايته المتسامحة ونهايته الوحشية المحرضة على قتل اليهود والتخلص منهم، ففي بداية ثورته طالب لوثر باعتماد الطقوس اليهودية في الصلاة بدلا عن الطقوس الكاثوليكية المعقدة، والعودة إلى التوراة واللغة العبرانية القديمة بوصفها كلام الله، كما عمل على استمالة اليهود إلى جانبه بسبب نفوذ بعضهم الكبير في المجتمع مؤكدا أن مذهبه يعيد الاعتبار لليهود الذين كانوا يعانون من ازدراء الكنيسة، وأن وجودهم ضرورة لعودة المسيح المخلص إلى الأرض.

وفي عام 1523 أصدر كتابه (عيسى ولد يهوديا) وقال فيه إن اليهود هم أبناء الله، وأن المسيحيين هم الغرباء الذين عليهم أن يرضوا بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ما يسقط من فتات مائدة الأسياد. ومن شدة حرصه على كسب اليهود لحركته ومذهبه قال لبعض اليهود أثناء مناقشة معهم (إن البابوات والقسس وعلماء الدين ذوي القلوب الفظة تعاملوا مع اليهود بطريقة جعلت كل من يأمل أن يكون مسيحيا مخلصا يتحول إلى يهودي متطرف، وأنا لو كنت يهوديا ورأيت كل هؤلاء الحمقى يقودون ويعلمون المسيحية فسأختار على البديهة أن أكون خنزيرا بدلا من أكون مسيحيا).

عمليات طرد اليهود في أوروبا خلال الفترة من عام 1100 حتى عام 1600

كانت تلك أبرز أراء لوثر عن اليهود قبل أن ينقلب عليهم كليا، ويصدر له كتاب حاد ضدهم تحريضا وإهانة وتكفيرا مثل كتابه (نفاق اليهود – صدرت منه الطبعة الأولى باللغة العربية 1974 بترجمة عجاج نويهض عن دار الفكر في لبنان) وفيه قال إنه (لا حل مع مشكلة اليهود وأخلاقياتهم وخداعهم ونفاقهم وأكاذيبهم إلا بطردهم من ألمانيا بل من كل أوروبا، وأن التوراة تصورهم تصويرا رائعا وهم يمارسون من الوثنيات أقبحها ومن النزعات الشاردة، وأوغلها في الشر).  وقرر لوثر في الكتاب إن اليهود لم يعودوا شعب الله المختار وإنما أناس الشيطان، ودعا لإحراق الكنس اليهودية وتدمير منازلهم ومنع الحاخامات من الوعظ والاستيلاء على أملاكهم واصفا إياهم بأنهم (الديدان السامة) التي يجب أن تعمل أو تطرد إلى الأبد، وأن من الخطأ عدم قتلهم.  وفي آخر خطبة للوثر قبل موته بثلاثة أيام خصصها كلها لليهود مقترحا الاستعجال في طردهم من ألمانيا إن لم يصبحوا مسيحيين لتخلص البلاد من الربا والافتراء واقترح عدة خطوات ضد اليهود تكاد تكون هي الخطة التي اتبعها هتلر والنازية فيما بعد.

وبعد وفاة لوثر نشبت عدة أعمال عنف بروتستانتية في ألمانيا ضد اليهود ففي عام 1580 اندلعت أعمال شغب تعرض خلالها اليهود لطرد جماعي من المقاطعات الألمانية اللوثرية. وكان للوثر وسعيه ضد اليهود أثر بالغ في تطوير معاداة السامية في أوربا خلال الفترة 1930- 1940، واستخدم الحزب النازي كتابات لوثر لتكون الدعامة المثالية لمعاداتهم للسامية ومحاولات القضاء على اليهود، وكان كل كتاب مطبوع في عهد الرايخ الثالث النازي يحوي اقتباسات من لوثر، وقد حصل النازيون على أكبر دعم شعبي لهم وأكثر عدد من الأصوات في المقاطعات البروتستانتية، وفي 10نوفمبر 1938 وتزامنا مع عيد لوثر أحرقت العديد من الكنس اليهودية في ألمانيا النازية.

وبناء على موقف لوثر من اليهود – والمخالفين له حتى من داخل الدائرة البروتستانتية- فمن الطبيعي أن يظل دعاة الثورة البروتستانتية يحكمون على المسلمين بأنهم كفار. (15)

هوامش:

  1. بشارة، ص257.
  2. ديورانت، مختصر قصة الحضارة، الجزء 3، ص 274و275.
  3. ديورانت، مختصر قصة الحضارة، الجزء 3، ص276+ بشارة، ص256.
  4. بشارة، ص243و244.
  5. بشارة، ص258و 273.
  6. بشارة، ص292.
  7. المرأة في ظل الكنيسة، أحمد عبدالوهاب علي، موقع الألوكة الشرعي.
  8. ديورانت، ج3، ص273.
  9. المرأة في ظل الكنيسة، أحمد عبدالوهاب علي مصدر سابق.
  10. بشارة، ص334.
  11. المختصر في تاريخ أوروبا، ص141.
  12. كارين آرمسترونج، الحرب المقدسة: الحروب الصليبية وأثرها على العالم اليوم، هامش 45 ص656، ترجمة سامي الكعكي، الطبعة العربية2005، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان.
  13. هذا هو الجانب المظلم من حياة مارتن لوثر، ابتسام الحلبي، موقع إيلاف،2/4/2017+ ويكيبديا مارتن لوثر.
  14. ليندا لوير، أستاذة كرسي التاريخ في جامعة أكسفورد، مارتن المتمرد والنبي، نقلا عن: هذا هو الجانب المظلم من حياة مارتن لوثر لابتسام الحلبي، قراءة في الكتاب بعنوان: نقلا عن موقع إيلاف، وانظر أيضا ديورانت، قصة الحضارة ج3ص274 + سامي الشيخ محمد.
  15. انظر كلا من: موقع د. محمد موسى الشريف، وموقع الجزيرة نت، مقال لفدوى بنعيش عن الكنيسة البروتستانتية وعلاقتها بالمسيحية الصهيونية، يناير2017.. وكذلك انظر ويكيبيديا مارتن لوثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى