حفريات معرفية

أدق حراسة علميّة في التاريخ

الخضر سالم بن حُليس

ليس مهمًّا أن يكون عربيًّا أو فارسيًّا أو تركيًّا، فعروبة العلم بعروبة اللسان لا عروبة النسب والجغرافيا، الأهم أنه مسلم الهوى والثقافة. محمد بن إسماعيل البخاري(ت:256) من مواليد مدينة (بخارى)، إحدى مدن (أوزبكستان) الواقعة اليوم على طريق الحرير.

حطت رحالة سنة (248) بإقليم (خراسان) قادمًا من آخر رحلاته العلمية من العراق، بعد أن أكمل سنوات البحث العلمي العالي، وأنجز مشروعه العلمي في ستة عشر عامًا قضاها في جمع صحيح الأحاديث النبوية (من أمور رسول الله وسننه وأيامه) ومقابلة رواتها وتتبع اتصال أسانيدهم، إذ سافر في رحلات علمية معقدة الحجوزات، متضاربة المواعيد، شملت أغلب حواضر العالم الإسلامي في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ابتداء من مكة والمدينة، مرورًا ببغداد، وواسط، والبصرة، والكوفة، ودمشق، وحمص، والقاهرة، وقيسارية، وعسقلان، وخراسان، ونيسابور، ومرو، وهراة، وفِرَبر، وغيرها، ثم جلس على كرسي الإقراء والتدريس، مكينًا واسع المعارف والعلوم. 

أورد مؤرخ الإسلام الذهبي في موسوعته التاريخية -التي تناول فيها سير أعلام النبلاء- سيرة ذاتية مُفصّلة لصاحب المشروع، وسرد قائمة طويلة بتزكيات الأوساط العلمية، والشخصيات العلمائية، مشيدةً بالأداء العلمي والنتائج الدقيقة التي توصل لها في مشروعه الحديثي النفيس، وعمله المتقن البديع.

تسعون ألف طالب من أنحاء العالم الإسلامي يقدِمون لسماع كتابه «الجامع الصحيح»، منهم تلميذه النجيب محمد بن يوسف الفِرَبْرِي (ت:320) الذي سمع منه الكتاب مرتين، آخرها بمدينة (فِرَبْر) قبل وفاته بأربع سنوات؛ إذ شرع في قراءته عليه سنة (253) وانتهى منه سنة (255)، ورواه تلاميذ آخرون منهم أبو إسحاق النسفي(ت:295) وأبو محمد النسوي(ت:311)، وغيرهم، إلا أن المحاضن الحديثية، ومراكز التلقي والسماع آثرت رواية الفِرَبْري على غيره من الروايات لما اتسمت بالدقة والضبط، والتحريات التي أجراها الفربري على نسخة شيخه الأصلية، وتعدد سماعه منه، وعنايته الفائقة بألفاظ الكتاب.

لم يبق من الرواة مطلع القرن الرابع سوى الفربري الذي تمكن من الحصول على نسخة أستاذه الخاصة.

نسخة الإمام محمد بن أحمد المروزي ت 371هـ، وهي أقدم مخطوطة للبخاري، تحتفظ بها جامعة برمنجهام.

اتسم الفربري بقدرات خارقة في ضبط نص الكتاب وتحرير ألفاظه، جيل جديد من العلماء وطلاب العلم يتدفقون إليه مجددًا، يستمعون (الكتاب)، ويحملونه عنه إلى بلدانهم. كان أبرز تلاميذ تلك الدفعات العلمية ثلاثة اختصوا برواية الفربري عن أستاذه البخاري، غدوا أوائل تلك الأفواج القادمة براعة واجتهادًا، هم: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي(ت:367)، وأبو محمد عبد الله بن أحمد الحمويي (ت:381)، وأبو الهيثم محمد بن المكي الكُشميهني(ت:389)، وأجمعت الأوساط العلمية المتابعة لأداء الثلاثة أنهم أوثق وأدق من حمل الكتاب عن أستاذهم الفربري. 

نشِط الثلاثة نهاية القرن الرابع في نشر الكتاب وإسماعه الأفواج القادمة بإسنادهم المباشر للفربري، كلٌ في مدينته، وفي ثنايا تلك الدفعات المغادرة بنسخ الروايات الثلاث في أرجاء المعمورة، تألق تلميذ نبيه لا يقل نباهة عن الفربري نفسه، اسمه أبو ذر عبد بن أحمد الهروي(ت:434)، ارتحل إلى مُدن الأساتيذ الثلاثة، وحصّل رواية كل واحد منهم عن الفربري، فسمعها تباعًا من الحُمويّيّ بهراة سنة(373)، ومن المستملي ببلخ سنة(374)، ومن الكُشميهني بكُشْمَيْهَن سنة(375)، تركزت مهمته العلمية في جمع الروايات الثلاث بدقة متناهية، وتدقيقها، وضبط أحرفها، ومقارنة وجوه كلماتها،  ورصد أبرز اختلافات الثلاثة بترميز كاشف، فغدت روايته أم الروايات، وقامت عليها رواية الصحيح في الدنيا، وملأت أرجاء العالم الإسلامي شهرةً وجودةً ودقةً، وتنافس عليها جيل جديد من التلاميذ، واقتصر ابن جحر العسقلاني(ت:852) -صاحب أكبر الشروحات الموسوعية على نص البخاري- على ألفاظها في شرحه، وتداعى إليها أهل المشرق والمغرب، فحُملت من وسط آسيا إلى أقاصي بلاد الأندلس في غرب أوروبا بواسطة أبي الوليد الباجي(ت:474)، تلميذ أبي ذر الهروي الشهير، وورثت الأمة الإسلامية من هذه النسخة نسخًا عتيقة، موثّقة بأعلى درجات الموثوقية التي امتاز بها المسلمون، على أن هناك نسخًا أخرى منفردة طار بها الطلاب في الأصقاع عن كل شيخ من الثلاثة، فولدت لها فروع كثيرة، ونسخ مختلفة.

مخطوطة المكتبة الوطنية في بلغاريا لصحيح البخاري، عمرها ألف سنة.

اهتبل العلماء هذه النسخة النفيسة بما توافر لها من الخصائص والمميزات، كإسنادها العالي، ودقة ضبط نصوصها، وتمييز الخلافات بين رواتها الثلاثة، وتداولها الطلاب في أروقة الشرق والغرب العلمية، ونسخ منها التلاميذ نُسخًا مطابقة، كنسخة تلميذ الهروي المباشر أبي عبد الله بن منظور (ت:469) القادم من وسط إشبيلية، ونسخة أبي علي الصدفي(ت:514) التي رواها عن أبي الوليد الباجي تلميذ الهروي أيضًا. ونسخة شيخ الأندلس محمد بن سعادة(ت:565)، المأخوذة عن نسخة أبي علي الصدفي، وهي النسخة التي فاخر بها أهل الأندلس وجيرانهم في المغرب العربي، فهي مكتوبة بخط أبي ذر الهروي شيخ الباجي، فاحتفى بها ابن سعادة، وقابلها وصححها، وقرأها على أستاذه الصدفي، فصارت النسخة السعادية في أعلى درجات الصحة، والجودة، والتوثيق.

كان (الجامع الصحيح) في منتصف القرن السابع على موعد تجديدي جديد، ينفض عنه أتربة النقص والتصحيف، ويصحح سقطات أعمال النقل وأخطاء النُّساخ، وفروق الروايات، ويعيد له رونقه الأوَّل، فانبرى العلامة شرف الدين اليونيني(ت:701) بصحبة إمام اللغة الكبير محمد بن مالك الجياني(ت:672)، نزيل دمشق، وصاحب الألفية، فقام بجمع النُسخ ومقابلتها، وتدقيقها، وقرأها اليونيني على ابن مالك الذي دقق في إعرابها، وبيَّن تعدد وجوه إعراب بعض مواضعها، مصدرًا لها بلفظ (معًا)، وعرضها اليونيني على كبار علماء الدرس الحديثي، وعُقدت ندوات علمائية مكثّفة لضبط هذه النسخة وتصفيتها من دغل التداول والنقل وأخطاء النُساخ، فعاد لها بريقها الأول، وشادت الأوساط العلمية في القرن السابع والثامن بالأداء اليونيني الفريد في تنقيح نسخة الجامع الصحيح، واعتمدها العلماء في الشرح والتدريس.

كانت معتمدات الأصول التي طابقها اليونيني أربعة أصول: أصل مسموع على أبي محمد الأصيلي (ت:392)، وأصل مسموع على أبي ذر الهروي (ت:434)، وأصل مسموع على مؤرخ الشام ابن عساكر(ت:571)، وأصل أبي سعد السمعاني (ت:562) المسموع على أبي الوقت (ت:512)؛ فقابلها بمدرسة (آقبُغَا آص) بسويقة العِزِّي بمدينة القاهرة.

مخطوطة مكتبة الحرم المكي نسخت سنة 746هـ على يد الناسخ محمد بن عثمان الحنبلي

قرأ اليونيني نسخته تسع مرات على كبار مختصي الدرس الحديثي، حتى غدت في غاية الدقة والإتقان، فجعلها العلامة القسطلاني(ت:923) في مطلع القرن العاشر عمدته في تحقيق متن الكتاب وضبطه حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، ضبطًا لغويًّا كتابيًّا يدركه من يدقق في المجهود العملاق الذي قاده القسطلاني في «إرشاد الساري» لحفظ ضبطية ألفاظ الكتاب.

هذه الصنعة الحضارية الإسلامية علّمت الدنيا طرق تحقيق المخطوطات، وفحصها، ونخل خطلها. ويؤكد الدكتور شوقي ضيف أن المتقدمين كانوا يعرفون جيدا القواعد العلمية في إخراج الكتب، من حيث رموز المخطوطات، واختيار أوثق النسخ لاستخلاص أدق صورها النهائية للنص كما صنع اليونيني في القرن السابع بصحيح البخاري. 

لقد دوَّن اليونيني كل رموز الضبط وإشارات النُسَخ، وحل الألفاظ اللغوية، وكشف عن وجوه الاستعمال، وأسند الأعمال اللغوية إلى رائد الدرس النحوي محمد بن مالك الجياني، واستدعى ما رصده القاضي عياض (ت:544) في مدونته المعجمية البديعة «مشارق الأنوار»، وغير ذلك من تقنيات الضبط والتصحيح.

اهتبل العلماء النسخة اليونينية في مطلع القرن الثامن، وقاموا بنسخها نسخًا نفيسة طبق الأصل انتشرت في أرجاء العالم الإسلامي، ومنها صدرت طبعات البخاري.

ذكر العلامة القسطلاني في القرن العاشر أن النسخة الأصلية صارت وقفًا على خزانة مدرسة (آقبغا آص) في القاهرة، إلا أن مصيرها لم يعرف إلى الآن، وبقيت فروعها المطابقة تغذي الدرس الحديثي بجودتها وإتقانها، كفرع العلامة النويري (ت:733)، ونسخة الغزولي(ت:777)، ونسخة ابن السراج (ت:782)، ونسخة البصري (ت:1134). 

مخطوطة مغربية لصحيح البخاري، عمرها 200سنة.

ولم يتمكن المعاصرون -بحسب المحدث أحمد شاكر- من تحديد مكان وجود النسخة اليونينية الأصلية التي ضبطها اليونيني نفسه، إلا أن شيخ الجامع الأزهر حسونة النواوي(ت:1343) اعترف أن النسخة السلطانية استندت عليها.

مطلع القرن الرابع عشر أصدر السلطان عبد الحميد-تحديدًا عام 1311هـ- مرسومه السلطاني بطباعة (الجامع الصحيح) اعتمادًا على النسخة اليونينية البديعة، فتولت مشيخة الجامع الأزهر الأعمال التنفيذية للمرسوم السلطاني، وتولى الشيخ حسونة النواوي(ت:1343) رئاسة اللجنة، وأعد تقريرًا سنة 1313هـ أشار فيه إلى أن لجان التدقيق اعتمدت النسخة اليونينية الأصلية، وأنها محفوظة في الخزانة الملوكية بالآستانة العلية بإسطنبول، وتفاصيل أخرى.

صدرت الطبعة السلطانية الفاخرة، فاستمد منها العالم الإسلامي أغلب طبعات الكتاب إلى يومنا، وكانت في غاية من الدقة، والجودة، والإتقان. 

ومهما يكن من شيء، فانظر كيف تولت العناية الإلهية حراسة (الجامع الصحيح) من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب الإسلامي، وعلى رأس كل قرنين أو ثلاثة يبعث الله إمامًا يعيد إلى النسخة بريقها، ويطهرها من شوائب التصحيف، وأخطاء الطباعة والنسخ. 

محطات فارقة قادها الفربري وتلاميذه الثلاثة، ثم التقطها عنهم أبو ذر الهروي مطلع الرابع الهجري، فوحَّد أعمالهم، فطافت الدنيا شرقًا وغربًا بروايته الدقيقة، ثم التقطها مطلع القرن السابع المحقق اليونيني، فأعاد لها بريقها مجددًا، ثم كان إعادة تحقيقها من أواخر مشاريع الخلافة العثمانية، بقرار تاريخي من السلطان عبد الحميد مطلع القرن المنصرم وإلى اليوم. 

وقد أثبت التتبع الفهرسي للمخطوطات الذي أجراه الباحثون على رأسهم الباحث الألماني المسلم فؤاد سيزكين – رحمه الله – أن لصحيح الإمام البخاري ما يزيد عن عشرة آلاف نسخة خطية متطابقة الأحاديث والمرويات، وتداوله النُقّاد وأئمة العلم لـ 1200 عامًا بنفس النص والتطابق، وباتت له مكتبة خاصة من الشروحات والتدقيقات والمطولات ما يربو على الآلاف، وأشارت مدونة (الفهرس الشامل) إلى وجود بعضا من مخطوطاته في 2327 موضعا من مكتبات العالم، ويذكر  د. سيزكين في (تاريخ التراث العربي) أن المستشرق (منجانا) نشر في كمبردج عام 1936م أقدم نسخة خطية وقف عليها كتبت عام 370هـ برواية المروزي عن الفربري.

مسيرة توثيقية عالية الأداء تؤكد أن عناية الله الفائقة تحرس هذا التدوين المتين الذي شهدت الدنيا بكفاءته، وجودته، واتصاله، وتَطَابُق نسخته الأولى مع الأخيرة في كل عصر؛ وتقدم نموذجًا مثاليًّا للتوثيق المحكم الذي لم يعرف التاريخ مثله لكلام نبي أوحى الله به إليه يشرح للأجيال أمر دينها الخالد.

فهل يعي ذلك السادرون؟

تقييم المستخدمون: 4.52 ( 3 أصوات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى