free picasa download windows 8 free mindjet mindmanager 10 mac serial number free pdf expert add table of contents free download hp simplepass windows 8 free iis 8 for windows 10 64 bit ds emulator for pc free windows server 2003 standard r2 32 bit iso free adobe audition 3.0 mac free
أشتات

المعرفة التاريخية والفلسفة المعاصرة

فوزي الغويدي

مقدمة

سجلت الفلسفة في الوقت الراهن عودتها في الاهتمام المعرفي، نافضة إشكاليات الماضي للتعامل مع الحاضر والمعرفة الراهنة، وكما يرى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بأن ما تفرزه الفلسفة الراهنة هو قدرتها على إنتاج المصطلحات وإبداع المفاهيم. وقد بنى “دولوز” حكمه من خلال تتبعه للتحولات التي مرت بها الفلسفة إلى أن وصلت إلى عصرنا الحالي، حيث أنَّ المعرفة التاريخية أحد هذه المفاهيم التي حاولت الفلسفة إبداع مفهومه.

وقد نالت المعرفة التاريخية اهتمام رواد ما بعد الحداثة، الذين ناقشوا المنهجية التَّاريخية والكتابة التاريخية، حيث يُرى بأنَّ المؤرخ يتدخل حينما يكتب أحداث الماضي باستخدام أدوات حاضره، ولعلَّ أبرز من نقد المعرفة التاريخية هو الفيلسوف ميشيل فوكو (1926-1984م)، الذي اتبع خطى الفيلسوف الألماني نيتشه (1844-1900م) الذي شكك في عدم تواجد حقائق تاريخية مطلقة حيث يقول “لا يوجد حقائق قائمة بنفسها”[1]، إن تشكيك نيتشه جلب النقاش حول معرفة مصداقية النَّص التاريخي، إضافةً إلى ذلك نجد وصف كروتشه (1866-1952م) للتاريخ بأنه التاريخ المعاصر ولا يمكننا أن نعود إلى الماضي إلا بالتأويل المؤرخ لأحداث الماضي، وكذلك نجد تشكيك جاك دريدا (1930-2004م) بالموضوعية التي تتسم بها المعرفة التاريخية.[2] وفي هذا المقال نحاول توصيف المعرفة التاريخية وأبرز الاتجاهات الفلسفية المعاصرة لها.

المعرفة التاريخية وفلسفة التاريخ المعاصرة:

يعرّف التَّاريخ بما ذكره ابن خلدون “التأريخ فنٌّ عزيز المذهب جمُّ الفوائد” ، أو كما يعرّفه آخر “هي طريقة للنظر إلى التجربة الإنسانية سواء في حياة الأفراد أو المجتمع” ،  كما يعرّف الناقد البريطاني ريموند وليامز التاريخ بأنه أُشتق من كلمة HISTORIA   اللاتينية ومن كلمة ISTORIA   اليونانية وهذه الكلمة تحمل عدة معاني البحث والتحري ونتائج البحث وسرد الأحداث. كما أنَّ مصطلح فلسفة التاريخ وضع من قبل الفيلسوف فولتير[3]، حيث لم يحاول فولتير الإجابة عن سؤال ما هو التاريخ لأن فلسفة التاريخ لا تهتم بالماضي في ذاته أو بما يفكر المؤرخ حول الماضي، بل بهما معًا مع تحليل علاقتهما المتبادلة، كما يبرز إنَّ حقائق التاريخ ليست مطلقة.[4] ويقترح إدوارد كار على المؤرخ أن يحقق اتصال مع الزمن الذي يكتب حوله بعيدًا عن التأثر بالذات.

ولقد زاد الاهتمام بفلسفة التاريخ ابتداءً من عصر النهضة وازداد في مطلع القرن التاسع عشر وفي الأسطر القادمة نوضح أبرز اتجاهات فلسفة التاريخ المعاصرة والتي اهتمت بالمعرفة التاريخية تحديدًا.

فلسفة التاريخ لدى نيتشه وشبلنجر:

ترجع أصول تأثر نيتشه إلى الحركة الرومنسية التي بدأت عند روسو في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وقد أكمل نيتشه هذه الاتجاه، حيث تتبلور فلسفته التاريخية حول الانسان السوبر مان الذي سيحل مكان المسيح، لكن يرى ميشيل فوكو بأن فيورباخ هو الذي أمات الإله أما نيتشه فكان هو النَّاقل، حيث قدَّم مفاهيم جديدة للتاريخ، وهي بطولة الإنسان والعود الأبدي حيث كل الأحداث تتكرر إلى ما لا نهاية، وقد أثر نيتشه على فلسفة التاريخ في القرن العشرين.

وقد ألهمت أفكار نيتشه الفيلسوف أوز شبنجلر (ت1936م) الذي أضاف عليها، حيث انطلق من التمييز بين المفاهيم الأساسية وهي : التَّاريخ والطبيعة، العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية وتاريخ الأحداث وتاريخ رواية الأحداث[5]، كما أنه انتقد المركزية الأوروبية وحتمية التاريخ ويرى بأن التاريخ عبارة عن سياق حي للأحداث وصيرورة تستمر لكنها لا تسير في اتجاه أحادي بل تنبثق حسب الثقافات المختلفة، واعتقد بأن الحضارة هي المصير الحتمي لكل ثقافة. وقد  نتج عن ذلك كتابه الأشهر “أفول الغرب”، الذي عبر فيه عن فكرة أنَّ الحضارات تتعاقب وتتطور ذاتيًا وتسير في حلقة الولادة ثم الكبر. وهناك من يرى بأن تحليل شبلنجر أتى بدافع تسيد الحضارة الجرمانية.

المادية الماركسية:
كارل ماركس
كارل ماركس

منذ مطلع القرن العشرين تحول فكر كارل ماركس (ت1883م) إلى أيديولوجيا تبنتها العديد من الدول، بعثت الحماسة وحركت العمال في أنحاء العالم، وقد تحول الفكر الماركسي إلى فكر لينيني وستاليني وغيره، وما يهمنا في هذا المقال هو مناقشة المادية الماركسية من بعد فلسفة التاريخ حيث يبرز الروسي بليخانوف (ت1918م) والإيطالي جورج لوكاتش (ت1917م) حيث تفسر الماركسية التاريخ بأنه يسير في حركة ديالكتيكية من الأدنى إلى الأعلى ومن بنيتين: بنية تحتية وبنية فوقية حيث أن البنية التحتية قوى الإنتاج والبنية الفوقية هي العلاقات الاجتماعية وقد مر التاريخ بالمرحلة المشاعية أي ما قبل التاريخ ثم المرحلة الرأسمالية حيث سينتهي التاريخ بالمرحلة الشيوعية، حيث أن التاريخ يسير بتقدم حتمي أساسه الصراع بين الطبقات. 

وفي هذا المناخ الفلسفي نشأت مدرسة فرانكفورت عام 1923م، والذي تأسس من جماعة من المفكرين الماركسيين مثل ماكس هوركهايمر (ت1979م) وغيره، الذين غرفوا بالماركسية النقدية[6]، وقد سعت مدرسة فرانكفورت إلى بحث المجالات الإنسانية في الفكر الماركسي، وعقب الحرب العالمية الأولى غلب النظرة التشاؤمية للتاريخ وقد تبنى رواد مدرسة فرانكفورت ترك فلسفة التاريخ الماركسية وتبني رؤية أكثر عقلانية بشأن التاريخ والمستقبل.

فلسفة التاريخ النقدية:

لقد اتجهت فلسفة التاريخ النقدية إلى اتجاهين، الأول: “هو الوضعي التجريبي”, والثاني: “هو المثالي التاريخي”، ويعتبر هذان الاتجاهان امتداد لاتجاهات مشابهة منذ عصر التنوير، حيث يرى أصحاب الوضعانية علمية التاريخ من خلال تكثيف المادة التاريخية، وتحديد الفترة الزمنية والمكانية، والخروج بأحكام شاملة تساعد على فهم الحاضر واستشراف المستقبل[7]، وقد هدفت الفلسفة الوضعانية  إلى تعزيز الفكر العلمي للسيطرة على الظواهر الاجتماعية في جميع مجالات الحياة.

وقد وجدت المدرسة الوضعية صداها وأثرها على المؤرخين وفلاسفة التاريخ حيث نجد المؤرخ الألماني رانكه (ت1886م) يقول: “التاريخ هو معرفة ما حدث بالضبط”، كما يؤكد المؤرخ الإنجليزي بيري (ت1927م) أنَّ علم التاريخ عانى كونه اعتبر جزءًا من الأدب بينما التاريخ علم قائم بذاته وأنَّ الأحداث التاريخية بالإمكان دراستها موضوعيًا كوقائع علم الجيولوجيا والفلك. كما نجد وصول صدى المدرسة الوضعية إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يصف المؤرخ الأمريكي تيجارت (ت1946م) المدرسة الوضعية بالتاريخ الجديد ويدعو إلى استخدام المنهج العلمي.[8]

الاتجاه البنيوي:

ظهرت البنيوية في فرنسا في ستينيات القرن الماضي، وأبرز روادها عالم الاجتماع ليفي شتراوس (ت1981م) وميشيل فوكو (ت1984م) وبول فين، ويرفض الاتجاه البنيوي اعتبار التاريخ علمًا وضعانيًا، حيث ينكر شتراوس طبيعية الموضوعية للتاريخ كما يدحض وحدة التاريخ[9]، كما رفض ميشيل فوكو أن يكون خطاب العلوم الإنسانية مماثل للعلوم الطبيعية، وفي كتاب بول فين “أزمة المعرفة التاريخية فوكو وثورة في المنهج“, أول ما يوضحه بول فين تركيز فوكو على كيفية تحديث المجتمعات التقليدية من خلال ترابط السلطة بالمعرفة والتنظيم الاجتماعي، كما ينتقد الاتجاه الوضعاني، ويقول فوكو “إن الواقع مفتت تعددي غير متجانس، وبالتالي لا يمكن للتخصص التاريخي أن يصوره كواقع موضوعي واحد” ويضيف في مكان آخر إن التاريخ له شكل علاقات قوة وليس علاقات معنى فلا وجود لعلاقة القوة دون تأسيس معرفة[10]، فما الحقيقة إلا شكلا من إرادة القوة.

أما خلاصة كتاب بول فين فبإمكاننا تلخيصها في النقاط على النحو الآتي:

1.      رفض علمية المعرفة التاريخية.

2.      إنكار فلسفة التاريخ وإمكانية وضع قوانين.

3.      التاريخ هو رواية الأحداث من ذاكرة المؤرخ وليس ذاكرة الحدث.

4.      وظيفة التاريخ هي أن يجعل الأحداث قابلة للفهم.

5.      أخذت العلوم الإنسانية كعلم الانسان وعلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد وعلم النفس تأخذ مكان التاريخ.

الخاتمة:

وعبر ما ذكرنا من اتجاهات نستنتج بأنَّ التاريخ في القرن العشرين تأزَّم وقد أخذت أزمة التاريخ بعدين أساسيين, حيث الأول هو أزمة التاريخ الواقعي، والثاني أزمة المعرفة التاريخية، ففي الماضي عرف أبو التاريخ هيرودت بأنَّ وظيفة التاريخ هو تسجيل الأحداث المهمة في حياة الشعوب كي لا يطويها النسيان، أما اليوم في زمن التقنية والمعلومات، الصحافة والإعلام التقليدي والاجتماعي، فإنَّ هذه التقنيات والوسائل عتقت التاريخ من وظيفته القديمة وأضحى وظيفة التاريخ الجديدة هي البحث في الإشكاليات وعلاقاتها بالعلوم الإنسانية الأخرى بالاستناد بمناهج علوم أخرى، وربما هو ما فطن إليه ميشيل فوكو في القرن المنصرم، وستظل فلسفة التاريخ محل نقاش وتطور من جيل إلى جيل.

هوامش:

1)    قيس ماضي فرو، المعرفة التاريخية في الغرب (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013م) ص 249.

2)    المرجع نفسه.

3)    أدوار كار، ماهو التاريخ، ترجمة ريهام عبدالمعبود (بيروت: عالم الأدب، ط1،) ص143

4)    المرجع نفسه

5)    مصطفى النشار، فلاسفة أيقظوا العالم (القاهرة: دار القباء، ط3، 1988م) ص342.

6)    إيان كريب، النظريات الاجتماعية من يارسونز إلى هابرماس، ترجمة د.محمد حسين، مجلة عالم المعرفة، عدد 244، ابريل 1999، ص316.

7)    وجيه كوثراني، تأريخ التاريخ (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012م)، ص155.

8)    حسين مؤنس، التاريخ والمؤرخون(القاهرة: دار المعارف، 1984م) ص81

9)    كلود ليفي شتراورس، الفكر البري، ترجمة نظير جاهل (بيروت: المؤسسة الجامعية، ط1، 1987م) ص309

10)بول فين، أزمة المعرفة التاريخية فوكو وثورة في المنهج، ترجمة إبراهيم فتحي (دون ذكر، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، دون ذكر) ص34.

فوزي الغويدي

باحث ماجستير تاريخ مهتم بتاريخ اليمن الحديث والخليج والعلاقة بينهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى