أشتات

النّظام السياسي المستقر: المفهوم والشروط

Spread the love

د. علي العبسي، برلين

يُعدُّ مفهوم النِّظام السّياسي واحد من المفاهيم الأساسية في العلومِ السّياسية والذي يستخدم بكثافة في تحليل العديد من الظواهر السياسية واجراء الدراسات المقارنة، وقد بدأ استخدام المصطلح بشكلٍ واسع بعد الحرب العالمية الثَّانية مع انقسام المجتمع الدولي إلى معسكرين متصارعين يضم الأول الدول الرأسمالية الغنية وحلفائها من الدول الأصغر بينما يشمل الثاني الدول الشيوعية والدول الدائرة في فلكها.

يشير مفهوم النّظام السياسي إلى مجمل المؤسسات والجهات الفاعلة التابعة للدولة، كما يشير أيضًا الى القواعد والإجراءات التي تشارك في عمليات صياغة وصناعة القرار وحل المشكلات السياسية وكذلك إنتاج وتنفيذ القرارات السياسية الملزِمة بشكلٍ عام ضمن إطار محدد من الهياكل السياسية. أو يمكن بشكل مختصر، تعريف النظام السياسي باعتباره آلية توزيع السُّلطات والصلاحيات بين مؤسساتِ الدولة.

يمكن للمرء أيضًا أن يتحدث عن نظام سياسي للمنظمات والمؤسسات فوق الوطنية والدولية والعابرة للحدود (بمعنى نظرية النظام). كما يجب هنا التمييز بين النظام السياسي الداخلي والمتعلق بطريقة توزيع السلطات بين أجهزه الدولة، والنظام السياسي الإقليمي أو الدولي الذي يعني نمط معين ومحدد من التفاعلات السياسية والاقتصادية والثقافية بين مجموعة محددة من الدول قائم على دواعي الانتماء الجغرافي أو الثقافي أو السياسي أو الدَّيني المشترك.

ويجب التمييز بين النّظام السياسي كمفهوم وبين تعريف الدولة الأشمل والأوسع، فالنِّظام السياسي هو عبارة عن نمط مستمر من التفاعلات والعلاقات القانونية والإنسانية بينما الدولة هي عبارة عن إقليم وشعب وسلطة حاكمة ذات سيادة، وهكذا فلابد للدولة من نظام سياسي كيفما كان توصيفه أو هيكل تركيبة وتوزيع سلطاته بينما ليس شرطًا أن يكون وجود نظام سياسي مقتصرًا على الدول. كما إنَّ الدولة مصممة للبقاء لفترةٍ أطول من النّظام السياسي.

لكل نظام سياسي عقيدة خاصة أو أيدلوجية أو فكرة قائم عليها، فمنها من يقوم على الانتماء الديني بمعنى أنَّ هذا النّظام السياسي يمثل المنتمين إلى دين معين، وأشهر مثالين على هذا النوع من الأنظمة السياسية هما نظامي “باكستان وإسرائيل”، وهما أيضًا الدولتان الوحيدتان التي نشأتا على أساس الانتماء الدّيني، فباكستان تمَّ انشائها لتشكل وطنًا ودولة خاصة لمسلمي الهند، أمَّا إسرائيل فتمَّ تأسيسها لتكون دولة لليهود. كما إن هنالك أنظمة سياسية مذهبية، فالنظام السياسي في إيران قائم على أساس الانتماء الى المذهب الاثني عشري الجعفري (ينص الدستور الإيراني على أنَّ رئيس الجمهورية يجب أن يكون شيعيًا جعفريًا).  إلى جانب ذلك يتم توصيف الأنظمة السياسية على أساس الأيدلوجية الاقتصادية والسياسية فالنظام السياسي في الصين هو نظام شيوعي كما هو الحال في كوريا الشمالية وفيتنام وكوبا بينما يقوم النظام السياسي في الولايات المتحدة على النظرية الرأسمالية الليبرالية كما هي أيضًا الكثير من الأنظمة في دول أوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها.

تؤدي عقيدة النّظام السياسي، بالمعنى النظري، العديد من الوظائف، من أبرزها تحديد طبيعة النظام السياسي وشخصيته بالإضافة إلى توزيع السلطات وتحديد آلية صنع القرار، إلا أنَّ أهم وظيفة لعقيدة النظام السياسي هي منح المشروعية، وشرعية النُّظم السّياسي تعني في منطوقها الأول مدى قبول الشَّعب والقوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة للنظام السياسي ومدى انقيادها لقراراته. بغض النَّظر عن طريقة قبول هذه القوى الاجتماعية للنظام السياسي الذي يحكمها.

وقبول الشعب للنظام السياسي يتم عبر طريقتين أساسيتين، الأولى تتمثل بالقهر والفرض عبر استخدام القوة بمختلف أشكالها، والثانية عبر الاتفاق والتفاهم أو ما يسمى “بالعقد الاجتماعي”.

واستخدام القوة قد يتم من خلال ما يسمى بـ “الشَّرعية الثورية”، وهو ما يتمثل في قيام مجموعة من القوى السياسية والاجتماعية بالسيطرة على مؤسسات الدولة بالقوة والقضاء على السلطة السابقة سواءً كانت قوة احتلال أجنبي أو قوة سياسية أو مجموعة اجتماعية مخالفة والحلول محلها، وتبدوا الأمثلة هنا كثيرة خصوصًا في الدول التي حاربت القوى الاستعمارية المحتلة واستطاعت اجلائها عن وطنها ومن ثمَّ فرضت سيطرتها ونظامها السياسي على الدولة، وهنا تأتي أغلب أنظمة الحكم في القارة الأفريقية بشكلٍ عام ودول أفريقيا جنوب الصحراء بشكلٍ خاص. كما يدخل ضمن نفس الإطار (إطار الشرعية الثورية) الأنظمة السياسية التي تنشأ بعد الانقلابات العسكرية أو الأنظمة التي تنشأ نتيجة تغيير النّظام السياسي القديم بوسائل عنيفة وقهرية.  وتبدأ الأمثلة هنا من نظام الحكم في إيران إلى جانب أنظمة الحكم في الدول العربية التي شهدت ثورات الرَّبيع العربي.

ثانيًا شرعية العقد الاجتماعي أو ما يتفق عليها اصطلاحا بـ “الشَّرعية الدستورية”. والأنظمة السياسية التي تنشأ وفق هذه الشرعية هي نتاج لاتفاق مجتمعي عريض على قواعد ناظمة للحكم وتوزيع السلطات والصلاحيات وتحديد الحقوق والواجبات. وهذه الأنظمة السياسية تنتج غالبًا بعد تجربة طويلة وفاشلة للعديد من الأنظمة السياسية الحاكمة والتي نشأ عنها في الأخير قناعات راسخة لدى النخب المختلفة في المجتمع على ضرورة التوافق وإقامة نظام أكثر عدالة وتمثيلًا للشعب. وتتركز الأمثلة هنا في أغلب الدول الأوروبية الغربية واليابان وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، التي تمتلك تجربة خاصة بها في تأسيس النظام السياسي، بالإضافة إلى دول مثل كوريا الجنوبية وأستراليا وجنوب إفريقيا والى حدٍّ ما الهند.

في جانب أخر تتنوع النظم السياسية من حيث الشكل، ويُقصَد بشكل النظام السياسي وصف عمل السُّلطات المختلفة وتحديد الموقف القانوني لأجهزة الدولة فيما يتعلق ببعضها البعض.  وتتمتع في هذا السياق العلاقة بين رئيس الدولة (سواء كان رئيسًا او ملكًا) ورئيس الحكومة والبرلمان بأهمية خاصة. وتنقسم أشكال النُّظم السياسية إلى شكلين أساسيين هما: الجمهوريات والملكيات،

في الجمهوريات، وهي أكثر أنظمة الحكم شيوعًا، تتوزع أشكال الحكم إلى:

رئاسي: (يتمتع الرَّئيس بصلاحيات بعيدة المدى وعادة ما يكون رئيس الدولة ورئيس الحكومة في نفس الوقت).

شبه رئاسي: (مختلط بين رئاسي وبرلماني)

برلماني: (يقع البرلمان في مركز سلطة الدّولة).

في الأنظمة الملكية، تتوزع أشكال الحكم إلى:

الملكية المطلقة (للملك سلطة مطلقة وغير محدودة),

الملكية الدستورية (الملك مقيد بالدستور، ولكن ليس من قبل البرلمان).

الملكية البرلمانية (سلطة الملك محدودة للغاية، حيث يوجد برلمان منتخب من قبل الشعب ويعمل كهيئة تحكم.)

إلا أنَّ تقسيم الأنظمة السياسية إلى جمهورية وملكية ليس دقيقًا بالحد الكافي للتمييز بين أشكال الحكومات، حيث سنجد أن الجمهوريات التي تحكم وفق نظام جمهوري برلماني أقرب وأكثر شبهًا بالأنظمة الملكية البرلمانية أكثر من قربها وتشابهها مع الجمهوريات الرئاسية والتي هي بدورها أكثر قربًا من الأنظمة الملكية المطلقة. فنظام الحكم في جمهورية ألمانيا الاتحادية أكثر شبهًا بنظم المملكة المتحدة ومملكة ماليزيا على سبيل المثال، منه إلى نظام الحكم في جمهورية كوريا الديمقراطية (الشَّمالية) أو نظام الحكم في جمهورية الصَّين الشعبية بينما نظام الحكم في هاتين الجمهوريتين أقرب إلى نظام الحكم في العديد من الأنظمة الملكية المطلقة.

بعد تحديد تعريف لمفهوم النظام السياسي وتوضيح ماذا تعني عقيدة النظام وكيفية حصوله على الشرعية إلى جانب وصف أهم أشكال نظم الحكم المعروفة في العالم نأتي الآن إلى تحديد مفهوم معنى السّياسي المستقر، وهنا يجب القول أنه من الصعوبة بمكان تعريف النظام السياسي المستقر تعريفًا دقيقًا بسبب صعوبة إيجاد المعايير الموحدة اللازمة لتوصيف نظام سياسي بأنه نظام مستقر، وحتى بالنسبة إلى أحد أهم وأسهل المعايير في هذا الشَّأن، وهو معيار الزَّمن، أي بمعني المدة الزمنية التي استمر فيها النظام السياسي قائمًا، لا يعد دقيقًا لعدة أسباب منها أنَّ أغلب دول العالم وأنظمتها السّياسية هي دول وأنظمة حديثة إلى حدٍ بعيد، خصوصًا خارج القارة الأوروبية حيث تعد ظاهرة الدولة القومية والتي ظهرت بعد معاهدة وستفاليا عام 1648م، ظاهرة أوروبية بالدرجة الأولى، والدليل على ذلك أنَّ المجتمع الدولي لم يكن يتكون في معظم القرن التَّاسع عشر سوى من الدول الأوربية والولايات المتحدة والسلطنة العثمانية بالإضافة الى امبراطوريتي أثيوبيا واليابان فقط. كما إنَّ أغلب الدول نشأت بعد الحرب العالمية الثانية وبعد استقلال الكثير من الدول في أفريقيا وآسيا من الاستعمار. 

أما إذا اعتبرنا أنَّ استقرار النّظام السياسي يأتي من مدى سيطرته على الدولة وتحكمه في مؤسساتها المختلفة، فهناك العديد من التجارب التي لا تؤيد هذه الفرضية، أكثرها دلالة هي تجربة النظام في الاتحاد السوفيتي السَّابق، حيث كان الاتحاد السوفيتي يمثل أكبر قوة عسكرية تقليدية في العالم إلى جانب نظام أمني صارم ومؤسسات حزبية تتحكم في المجتمع، إلا أنَّ النظام السياسي ومن ورائه الدولة بمجملها أنهارًا أمام أزمة اقتصادية متوسطة المستوى.

لهذا يجب أن ينطلق تعريف النّظام السياسي المستقر من وظيفة النظام السياسي والمتمثلة في طريقة وآلية تبادل السُّلطة وتوزيع السُّلطات بين المؤسسات الدستورية في الدولة، وبالتالي إنَّ إطلاق وصف نظام مستقر يجب أن يتوجه لوصف النظام السياسي الذي يضمن أكبر مشاركة شعبية في الحكم بما فيها تبادل السلطة بين القوى السياسية وفق آليات واضحة ومحددة، على أن يكون قد تم اثبات هذا في أكثر من تجربة على مدى زمني معتبر.

Hekmah Yemanya

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, وعوالم المعرفة, والعلوم الإنسانية, وتواصل الثَّقافات والحضارات, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, وينشدُ الإسهام في تشييدِ الجسور, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, وتعزيز المشتركات, وتوسيع المنظورات, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوز للعصبياتِ والهُويات الضَّيقة, منفتح على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهري ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى