أدب

الطريق إلى الحرية.. حكايةٌ يمنيةٌ متجددة (1-3)

Spread the love

الحياة في قبضة السفاك الحوثي! (1-3)

تذكَّرها/ فتح عبدالباري

{(الإهداء إلى ذكرى المناضل الفذ ضدَّ نظامِ الإمامة وفكرها/ العزي صالح السُّنيْدار صاحب كتاب (الطَّريق إلى الحرية).

وإلى اليمانيين المناضلين الأحرار، الذين نزحوا هروبًا من طغيانِ ومظالم الأئمة، والحكَّام المتجبرين في كلِّ زمان، ومن كل منطقةٍ في اليمن، بحثًا عن نسائمِ الحريَّة واستئنافًا لمسيرةِ النِّضال والجهاد لتطهير اليمن من رجسِ الظُّلم والعنصرية والطغيان!

وإلى كل يمني أجبرته ممارسات القمع والنَّهب والفقر والجهل إلى النزوح داخل بلاده أو خارجها خلال سنوات طويلة، فساحوا في كلِّ أنحاءِ العالم، بحثًا عن لقمةٍ شريفة غير مغموسة بالذُّل والإهانة والتَّكبر على عبادِ الله.}

كان الوقتُ صباحًا، وكانت الطائرات الحربية تشنُّ غاراتٍ عنيفة على المواقعِ العسكريةِ المنتشرة في أطرافِ العاصمة صنعاء، وبالرَّغم من أنَّ الأرضَ كانت تهتزُّ من تحتنا، والسَّماء تشتعلُ بالقذائفِ ومضادات الطيران من فوقنا، وتتشقَّق الجدران ونوافذ المنازل من حولنا، وارتفاع منسوب الخوف من الغاراتِ الخاطئة التي قد تُصيبُ منازل المدنيين، إلا أنني كانت لي مخاوفي الخاصة، وكان أي شخص يطرقُ باب الشُّقة التي أسكنُ فيها يثير فزعي أكثر مما تفزعني غارات طائرات التَّحالف قبل التَّأقلم مع أصواتِ الطَّائرات والمدافع.

ومع ذلك, حدثَ ما كنتُ أخشاه، ففي لحظةٍ اشتدت فيها وتيرة الغارات العنيفة للطيران الحربي، وإذا بطارقٍ يطرقُ باب الشّقة بطرقاتٍ سريعةٍ ومتتابعة، كنتُ قد أبلغتُ زوجتي أن تجيبَ سريعًا أي شخص يطرقُ الباب حتى لا تطول مدة فزعي، كون نساء الجيران وأطفالهن هم الأكثر طرقًا للباب لشؤونٍ خاصة, ومنافع متبادلة بينَ الجيران، لكن إذا كان الطارق رجلًا يسأل عني، فلتجبه بأنني غير موجودٍ في البيت. وعندما سألتْ زوجتي الطَّارق: من؟ إذا بطفلٍ يجيبُ بكلماتٍ “ممطوطة”: “قااااالااااات.. أمييييي… تدييييي.. لهاااااا.. حببببة.. طمااااط”.

كان مجرد سماعي للطفل خلف الباب وكلماته “الممطوطة” لحظة سعادة مؤقتة، رغم أنَّ ذلك جعلني أكره الطماطم أو أي شيء تحتاجه نساء الجيران، ليس بخلًا، ولكن كرهًا في الطَّرق على البابِ المثير للمخاوفِ والفزع، ذلك أنه بعد أن ازدادت وتيرة الاعتقالات السِّياسية من قبل المليشيا, وطالت كل مخالفيها, والرَّافضين لانقلابها من ناشطين حقوقيين, وسياسيين, وصحفيين, ومدرسين, وخطباء مساجد, وغيرهم، كان أي طارقٍ يطرقُ الباب يثير لديَّ المخاوفَ والقلق من أن يكون أحد المخبرين في الحارة قد وشى بي لدى المليشيات باعتباري أحد المناهضين لها, والرافضين لانقلابها على السُّلطة الشَّرعية والتَّوافق السياسي ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

متابعة أخبار الاعتقالات:

تمضي الأيام وأنا أتابعُ بتوجس أخبار الاعتقالات, والإخفاء, والتَّعذيب في السُّجون أكثر من متابعتي لمجريات المعارك، وأحاول التواصل مع بعض الفارين من مناطق سيطرة المليشيات لأعرف معلومات عن كيفية الفرار؛ بحثًا عن الحرية, ومحاولة معرفة أكثر الطرق أمنًا, وما هي العراقيل المحتملة؟ وإن كنتُ في الحقيقة مترددًا بين البقاء مكاني وأخذ الحيطة والحذر قدر الإمكان, أو المغامرة والرَّحيل عبر طرقٍ قد تكون وعرة, أو مليئة باللصوص والمتقطعين, أو قريبة من مسرح العمليات العسكرية، وما ينطوي عليه كلّ خيارٍ من مخاطر جمَّة، لدرجة أنه اختلطت عليّ الأوراق والحسابات المختلفة أكثر مما اختلطت أوراق الحرب وحسابات مختلف أطرافها، لكنني اتخذتُ قرارًا بالبقاءِ مؤقتًا على أمل قرب انتهاءِ المعارك, سواء بواسطة الحسْم العسكري, أو التَّوافق والحل السِّياسي.

كان من ضمن الإجراءات الاحترازية؛ أني انتقلتُ للسَّكنِ في القرية مؤقتًا، لكن, حدثَ أنَّ هناك من كان يبتزني في أمورٍ خاصة، مثلًا: يمارس الابتزاز يريد ثمن “تخزينة قات”، وإلا فإنه سيشي بي لدى المليشيات بأنني من المعارضينَ لها، لكني لم أخضع لابتزازاته، وقررتُ العودة للسَّكن في صنعاء, وتغيير مكان سكني فيها هربًا ممن يعرفني في الحارة التي كنت أقطن فيها, خشية تكرار حالات الابتزاز, أو التَّهديد بما لا يحمد عقباه.

وجدتني وقد استبدَّت بي المخاوف, كانت ملازمة لي ليلًا ونهارًا، لا سيما أنَّ المليشيات تتخذ من السُّجناء دروعًا بشرية من خلال سجنهم في مخازن السّلاح، وكنتُ أحيانًا أرسمُ في ذهني تصورات وخيالات حول ما الذي يمكن أن يحدث في حال تعرضتُ للسجن والإخفاء القسري, أو اتخاذي مع آخرين دروعًا بشرية في مواقع مستهدفة بغارات طائرات التَّحالف..!

حدثَ بعد ذلك أن تعرَّضت بعض السُّجون لقصفِ طيرانِ التَّحالف، وهي في الأساس منشآتٌ مدنية أو حكومية حوّل الحوثيون بعضها إلى مخازن سلاح, مع تخصيص أجزاء منها؛ لتكون سجونًا للنَّاشطين السِّياسيين, والحقوقيين, والإعلاميين وغيرهم, لاتخاذهم دروعًا بشرية. وبقدر ما أثار ذلك المزيد من مخاوفي، إلا أنني كنتُ أدعو الله دومًا أن يحفظني, ويصرف عني كيد المليشيا العابثة التي تتخذ من أرواح الأبرياء دروعًا بشرية؛ لإرواء نزواتها الإجرامية قبل أي اعتبارٍ آخر.

خطب الحرب في المساجد:

تمضي الأيام ومعها تزداد المخاوف والقلق واللحظات المرعبة، ومن اللحظات الاستثنائية التي مررتُ بها في صنعاء، أنني ذهبتُ لصلاةِ الجمعة في مسجدٍ بعيد عن مكانِ إقامتي, وكنتُ أعتقد أنَّ المسجد لم يكن قد سيطر عليه الحوثيون وعينوا خطيب جمعة منهم، كانت خطبة الجمعة خطبة حربية بامتياز، احتوت تحريضًا عنصريًا وطائفيًا ضد تيار محدد, وضد محافظة يمنية محددة, كانت حينها بمثابة مقبرة للمسلحين الحوثيين قبل طردهم منها، وكان المصلون (الحوثيون) يرددونَ شعار الصرخة الخمينية، فتلفت لأرى هل كل من حولي يرددون الصَّرخة، كان هناك أشخاص قليلون لم يرددونها أو يرفعون أيديهم أثناء ترديدها كالحوثيين.

لكن ما أقلقني هو تركيز بعضهم علينا نحن الذين لم نرفع أيدينا, ونردِّد الصَّرخة الخمينية، ولشدة تركيز بعضهم عليَّ شخصيًا فقد خشيتُ أن يترصدوني بعد الخروج من المسجد ويعتقلوني، وكان الحل الوحيد أمامي هو أن أخرج سريعًا وأذهب إلى حمامات المسجد بذريعة قضاء الحاجة, وأتأخر هناك حتى يخرج جميع المصلين من المسجد، وكنت آخرهم خروجًا، ولم يبق سوى مسلح كان واقفًا عند باب حوش المسجد، وكان يتأمل في وجهي بشكلٍ مريب، ثم مضيتُ وأنا خائفٌ أترقب.

حدثت بعد ذلك قصةٌ مشابهة، كانت خطبة الجمعة كلها تحريض عنصري ضد أبناء محافظة تعز، وفي ذروة حماس الخطيب (الحوثي)، قال إنَّ قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب في العراق من تعز، ولقبه “الأصبحي”، وكان إصلاحيًا حافظًا للقرآن، وأنَّ ذلك هو نهج الإصلاحيين من زمان، مع أنه لم يكن قد ظهر في ذلك الزمان لا حزب الإصلاح ولا عائلة “آل الأصبحي”، لكنه الحقد والجهل المركب لديهم، ومنذ ذلك الحين قررتُ ألا أصلي الجمعة في أيِّ مسجد سيطر عليه الحوثيون، وسأترك صلاة الجمعة تمامًا في حال سيطروا على كلِّ المساجد، لأنَّ خطب الحرب والتَّحريض الطائفي والعنصري والصرخة الخمينية بعد الخطبة تفرغ صلاة الجمعة وروحانية المساجد من مضمونها تمامًا.

مدينةٌ موحشة:

مع مضي الأشهر وجريان السَّنوات، كانت تبدو لي صنعاء مدينة موحشة، وتزداد وحشية مع مرور الوقت، إذ غابت الكثير من الوجوه المألوفة، وحلت مكانها وجوه لا نعرفها، وجوه تبدو غريبة وطارئة ولا تمت للمدينةِ بصلة، وجوه قدِمت من الكهوف والجبال والقرى الشَّاحبة، تلطخت الجدران والشوارع بشعارات الحرب والصَّرخة الخمينية، وظهرت زوامل القتل والموت والعنف، وانتشر المخبرون والجواسيس في حاراتها وأسواقها وحدائقها، رغم عدم وجود أي خطر بعد رحيل كل القادة السياسيين والناشطين الحقوقيين والإعلاميين وكل من لا يطيق حكم المليشيات، لكن الصراعات البينية والشُّكوك المتبادلة هي من جعلت المليشيات لا تثق ببعضها، وكل جناح منها يتجسَّسُ على الجناح الآخر، ومن بقي من السياسيين والبرلمانيين ومشايخ القبائل في صنعاء فإنهم في وضع يشبه الإقامة الجبرية.

وفي الحقيقة، كانت مصادر القلق بالنسبةِ لي تزداد يومًا بعد آخر، وقررتُ في آخر المطاف الرحيل من مدينةٍ عشتُ فيها أجمل أيام العمر، ولي فيها أجمل الذكريات، وكل شارع من شوارعها يحدثني عن العابرين الذين جمعتني بهم ذكريات وضحكات وأحزان مشتركة، ومن بينهم أصدقاء قتلوا على أيدي المليشيات، سواء تحت التَّعذيب في السُّجون، أو بسبب استخدامهم دروعًا بشرية، أو الاغتيالات، ومنهم من غيبتهم المليشيات خلف القضبان ظلمًا وعدوانًا ولم تفرج عنهم حتى اليوم.

بدت لي صنعاء كئيبة وموحشة، وصرت أفزع كلما سمعت شخصًا يطرق باب الشقة بشدة، أو أخرج وأرى طقمًا عسكريًا أو مجموعة مسلحين أمام البيت، أو كلما كنت أذهب إلى محل صرافة لأستلم حوالة مالية من أخي المغترب كمساعدةٍ شخصية بعد انقطاعي عن العمل، وخصوصًا عندما يسألني العامل في محلِّ الصرافة عن مكان سكني ويطلب رقم الهاتف الشخصي بزعم أنَّ ذلك بتوجيهاتٍ من المليشيات، ويجعلني أشعر أنَّ حصولي على مساعدة مالية بسيطة من أخي المغترب هي جريمة تعاقب عليها المليشيات.

وفي الأيامِ الأخيرة قبل مغادرةِ صنعاء، حدث أنَّ مسلحًا جاء يطرق باب الشّقة بقوة، وكنتُ رأيته من العينِ السحرية للباب, فظننته من أتباع المليشيات, وأنَّ مسلحين آخرين قد يكونون منتشرين خارج البيت تحسبًا لأي مقاومة مني إذا كان لدي سلاح، شعرتُ بالفزع، سألته: من؟ أجاب: هل هذه بيت فلان؟ قلت له: لا. وذهبَ في سبيله. وبعد ذلك بأيام طرق شخص الباب، وغطى بيده العين السحرية للباب، وهي عين صغيرة تُمكِّن الشخص في الداخل من رؤية من بالخارج، علمًا بأن تغطية تلك العين يعد من أساليب الأجهزة الأمنية عندما تريد اعتقال شخص، لكن اتضح أن الطارق طفل مع والدته يبحثون عن بيت شخص ما، وقد أثار ذلك غيضي وغضبي أكثر مما أثار مخاوفي.

أحلام وكوابيس دسمة:

عشتُ تلك الأيام الصعبة في صنعاء لا ليلي ليل ولا نهاري نهار كما يقال، فإذا كان للنهار مخاوفه، فإن لليل كوابيسه المرعبة، فأحيانًا كنتُ أحلم أنني أشاهد انفجارات وحرائق وحرب شوارع، وأحيانًا أحلمُ أنَّ مسلحين يلاحقونني بغرض قتلي أو اختطافي، وأحلم أحيانًا أنني مسجون وأتعرض للتعذيب والصعق بالكهرباء، وأحيانًا أحلم أنَّ طائرات حربية تلاحقني على علو منخفض بهدف قتلي، وأحلم بعض الأحيان بمشاهد قتل أو طعن أو اشتباكات بين مسلحين من المسافة صفر.

لكن أغرب الأحلام التي حلمتها، رؤية الرئيس السابق علي عبد الله صالح وهو يضحك بجانب بيته بالقرب من شارع صخر، وبعد أيام من تلك الرؤيا حدث أن قتله الحوثيون في نفسِ المكان، وفيما بعد حصل حلم مماثل، وهو رؤية عبد الملك الحوثي وهو يضحك بالقرب من شارع حدة، وبعد الحلم بأيام حدث أن قتلوا أخاه في نفس المكان، وللأسف الشديد لم أعد أحلم بعد ذلك بأي رأس مهم وهو يضحك، فشعرتُ أنَّ الحرب ستطول أكثر، وكان لا بدَّ من الرَّحيل.. وللقصةِ بقية.

Hekmah Yemanya

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, وعوالم المعرفة, والعلوم الإنسانية, وتواصل الثَّقافات والحضارات, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, وينشدُ الإسهام في تشييدِ الجسور, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, وتعزيز المشتركات, وتوسيع المنظورات, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوز للعصبياتِ والهُويات الضَّيقة, منفتح على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهري ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى