أدب

تحت صفر المعركة

القاص/ أحمد علي بادي

بدا لي القمر كأنه غير مبالٍ بالغيمة السَّوداء الزَّاحفة نحوه، فأرجعتُ نظري إلى الأرض…

-عليَّ أن أبدأ.

(آه.. كم تتمنى لو أنك الآن بجوار فتاتك ولست هنا…)

كان هناك عواء ذئب يثبُ على هدوءِ الليل، بينا المكان قد خلا من رفيقي.

-الرَّصاصة الأولى.

(كانت ستظلُّ تشنف أذنيكَ بأغانيها الهامسة…)

وتوقفنا جميعًا عن العمل، لما أخذ القائد يخطب بحماس بالغ حاثًا إيَّانا على الإقدام من موقعه الذي يمنحه حمايةً جيدة.

-الرَّصاصة الثَّانية.

(لتعود هامسًا في أذنها وابتسامة تتشكل على شفتيك: يا للقادة حين يتكلمون!…)

فور انتهاء القائد من خطبته، عدتُ للعملِ مع البقية.

-الرَّصاصة الثَّالثة.

(هيه.. ستقول لك: اسكت، قل كلامًا آخر…)

يبدو أنه علي التَّوحد مع هذا الصَّمت المباغت الذي اكتنف عواء الذئب، ورفيقي العائد إلى جواري.

-الرَّصاصة الرَّابعة.

(حينها سيكون عليك الاعتذار منها حتى تعودا لمراقبة…)

ولمحت الغيمة السَّوداء تطبق على عنقِ القمر.

-الرَّصاصة الخامسة.

(ستطلب منها أن تغمض عينيها وألا تكترث…)

ها هو رفيقي يخرج تنهيدة عميقة قبل أن يتمدَّد خلف المتراس محتضنًا رشاشه، وتبرز سمانة ساقه موحية لي بعداء ينتظر ساعة الصفر لينطلق في السِّباق.

-الرَّصاصة…

وفجأة، توقَّف عن العد، القمر انطفأ، فتاته غابت في دهاليز ذاكرته، رفيقه لم يعد بجواره، الكل صار أجزاء مبعثرة؛ لم يبق أمامه سوى الغيمة السَّوداء التي أصبحت هائلة تخنق الأرض، وساق تقطر دمًا احتلت موقع بندقية لم يكمل حشوها.

Hekmah Yemanya

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوز للعصبياتِ والهُويات الضَّيقة, منفتح على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهري ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى