فكر

تقييم الخطاب النقدي للحركات الإسلامية (2-3)

أ.د عبد الوهاب أحمد

المقري والأسطل سقوط المنهج والمبادئ

يأتي الجزء الثاني من مراجعات الخطاب النقدي لأداء الأحزاب الإسلامية السياسي من قبل مفكرين إسلاميين، أخذهم الهمّ والهمة على مسار المشروع الإسلامي السياسي الذي يتعثر بعوامل داخلية وخارجية إلى تقديم نقد حاد شبيه بالنقض للبناء لا محاولة الترميم، وهو سلوك غير قويم، وكما رأينا في الجزء الأول كيف احتدّ الدكتور الشنقيطي في نقده وادعى وافترض ما ليس له وجود في الأعيان إلا محض الوجود في الأدهان باعتبار اللغة تصور إداركي ذهني لا تعبر عن حقيقة الشيء في ذاته، وهذه المعايير المنطقية البيانية يصعب تفكيكها من قبل المتابعين والمثقفين غير المختصين فترتد التصورات إلى حقائق وتصديقات عائمة، ومن ترك المعايير في نقده أصيبت مقائله بالعوج في مجراها وبالقتل في مرساها فتزداد الأنفس ضيقا والأفكار تكلسا فتكون الكلمة التي هي نور قبور، وفي هذا الجزء نستعرض مثالين للنقد المغالي المحتد من شخصيتين قياديتين الأولى من الجزائر وهو المفكر الدكتور عبدالرزاق مقري والأخرى من فلسطين وهو العالم الدكتور محمد الأسطل لنلفت الأنظار إلى أن مراجعتهما لأداء الأحزاب الإسلامية بحاجة لمراجعة في بعض بنودها وألفاظها.

وقبل البدء باستعراض مضامين هاتين المراجعتين، نذكر مدخلا لتوضيح خلفية الفعل السياسي من الأحزاب الإسلامية، وكيف كانت تجربة الجزائر في بداية التسعينات حالة ملهمة لأحزاب الربيع العربي في الانتكاسة حسب باحث جزائري هو الدكتور عبدالحق دهمان الباحث في مركز المجدد للبحوث والدراسات، فكتب مقالا مهما يطرح العديد من التفسيرات والتساؤلات المتعلقة بعمل الاحزاب الاسلامية التي تبنت مقاربة المشاركة السياسية كآلية وللدخول في شراكة مع النظام الحاكم وبكل ما يحمل هذا من احتمالية التراجع عن تطبيق الايديولوجية التي تبنتها المعنون بـ” استراتيجية عمل الأحزاب الإسلامية: قراءة نقدية في المنظور السياقي” حيث قرر أن الحركات الإسلامية الوسطية، الهادفة للعمل ضمن حدود السياسة المؤسساتية ، نفسها عرضة للاستئصال (مصر) ، أو في مواجهة تجاذبات حادة مع الخصوم(تونس) ، أو متفككة داخلياً (الأردن)، أو مغيبة على حساب الجماعات المسلحة(سوريا، ليبيا) ، أو فاقدة للشرعية(الجزائر) ومع هذا لا زالت تتمتع بقدرة كبيرة على التأثير، والبقاء والاستمرارية لمواجهتها التحديات قبل وبعد الربيع العربي مما أكسبها عمقاً تاريخياً ورصيداً أخلاقياً، مع أن مجالها الطبيعي كان دائماً  ضمن دائرة المعارضة وليس ضمن النسق السياسي للحكم سواء بشكل كلي أم جزئي. وقد حصلت مراجعات من بعض مفكري هذه الحركة في الأفكار والمسار استجابة لضرورات الانخراط في العمل السياسي والدعوي والنظر إلى الواقع ومشاكله ومختلف أزماته بعدسة واقعية على عكس التفكير الرغبوي لرواد الحركة التقليديين.

ويتصور الدكتور عبدالحق دحمان أن الإسلاميين فشلوا في التعلم من أخطائهم السابقة، ويفتقرون للتفكير الاستراتيجي في التعامل مع اللحظات الفارقة. وما دامت هذه الحركات والأحزاب قد ارتضت الفعل السياسي في سياقاته المتعددة  فإنها تخضع لمنطق دوري من خلال ثنائية النهوض والسقوط، فإن سنن الكون تجعلها محكومة بقواعد الاجتماع البشري وبقوانين التطور عبر السعي للعمل ضمن الفن الممكن بدلاً من المرغوب لإعادة التفكير في استراتيجية للبقاء ليس بالمفهوم المادي وحسب، بل امتلاك شرعية القبول والمنافسة كنموذج مطروح للحكم.

وهنا يتجلى سؤال التمايز بين الحقل السياسي والدعوي كنتيجة لتراجع الإسلاميين في عديد الأصعدة، وعجز الدولة القطرية عن تأسيس منظومات عمل قائمة على مفهوم  “المواطنة التشاركية” إلى جانب معاناة الحركات الإسلامية من إشكالية التوافق العقلاني مع فكرة الدولة بمفهومها الواقعي ومفهومها النموذجي المتخيل بنظام حكم خارج الدولة القائمة، مع أن الدولة الحديثة أداة موضوعية للتداول على السلطة وتستخدم لتنفيذ استراتيجيات محددة سلفاً طبقاً لضرورات الحاكمين بما في ذلك إمكانية التطبيق السليم للقيم النابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية وبدون المساس بمقتضيات الدولة المعاصرة.

فالأخلاق الناظمة للفعل إما أن تكون حسب تصنيف ماكس فيبر”أخلاق القناعة” مقابل “أخلاق المسؤولية” حيث أخلاق المسؤولية تعطي الأولوية إلى مآلات الأفعال ولو ضادّت القناعات، وهو ما عبر عنه الشنقيطي بإعطاء الأولوية لقيم الأداء السياسي بدلاً من قيم البناء السياسي، وهذا فعل يتساوق مع فقه المآلات والموازانات وسد الذرائع فتحا وقفلا، حيث السياسة ما يكون معه الفعل أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وهم يحاولون مد جسور الصلاح للشأن العام.

وهذه التفاعلية والتكيُّف الواقعي مع الأحداث يسميها البعض ” وجهة النظر السياقية” معاكسة ” لوجهة النظر الجوهرية” التي تعني الفعل من منطلق أيديولوجي أي المرجعية الفكرية، فصعود الإسلاميين للحكم تعكسه “وجهة النظر الجوهرية”، فمع شراسة الأنظمة السلطوية وعجز اقتلاعها ترجح الحركات الإسلامية تبني “وجهة النظر السياقية” حيث التركيز على ممارسة السياسة بدلاً من طرح سؤال موقف الإسلام من السياسة.

وهذا التبني يثير جدلا في نظر البعض مفاده تنازل الإسلاميين لضغوط الخصوم وليست كنتيجة لتأصيل علمي ووعي عميق من داخل بنية الحركة؛ إضافة لانمحاء الخطوط الفاصلة بين الإسلاميين والعلمانيين حال توقف الأولى عن صياغة صياغة القانون المدني على أساس خطوط الشريعة، فيستويان في الخطاب، ولكن هذا التحول لا يتجاوز الإسلام والإسلامية وإنما هو التركيز على الحقوق بدلاً من الواجبات، والتعددية بدلاً من الصوت المنفرد ليتحول بذلك التفكير الرغبوي الذي يعكس وجهة النظر الجوهرية لبعض الحركات الإسلامية من الدعوة إلى تطبيق الشريعة إلى التركيز في المقابل على مقاصد الشريعة. بمعنى تحري المصلحة والصلاح رويدا رويدا حتى تمتد هدايات الإسلام إلى الأمة ومن ثمّ السلطة. لذلك لم تستطع الأحزاب إسلامية أن تصنع لنفسها خصوصية، كما لم تدرك درجة حيادية الدولة وطبيعة السلطة فيها، فكانت مشاركتها في الحكم قد خدمت شرعية النظام وعزز تواجده وجعلتها ملحقة بها ومنعت أي بديل حقيقي من الوصول للسلطة وأضرّت بمصداقية الأحزاب الإسلامية واستنزفت من إرثها كأحزاب معارضة حقيقية.

ومع هذا تبقى المصلحة الغالبة هي مسعى الخير مع دخن المفاسد، والحياة لا تتمحض للخير الصرف.

وتبقى مسألة التمايز بين العمل السياسي والعمل الدعوي لها تداول فكري في أوساط المفكرين والمثقفين وقد قطعت فيه شوطا الحالة الإسلامية في المغربي، كالعدالة المغربي والنهضة التونسية التي ميزت على مستوى الوظائف، والرموز، وعلى مستوى الخطاب فتتفاعل وتتكيف مع الأحداث وهذا التوجه الجديد لحزب النهضة وجد فرضياته في حزب العدالة والتنمية في تركيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن للأحزاب الإسلامية أن تعزز من تواجدها كقوة طرح بديلة لها خصوصيتها ضمن الاتجاه السياقي؟

يقترح الدكتور عبدالحق دحمان أن يكون عبر شرعية الإنجاز بدلاً من شرعية البقاء فمسائل الحكم والسياسة من زاوية السلطة يسودها منطق التأثير والنفوذ و تراجع الإسلاميين ظاهرة تطورية في سياق موضوعي تصعد فيه أحزاب سياسية وتتراجع أخرى،  والتأسيس للممارسة السياسية من منظور إسلامي تقتضي الأخذ بعين الاعتبار منطق الصعود والتراجع.

الممارسة السياسية المستندة إلى المرجعية الإسلامية تجعل المجال الذي يشتغل عليه السياسي محكوماً بمنطق المجال الذي ينتمي إليه، وهو مجال يتميز بصراع القوة والمصلحة مع تنافسية البرامج (شرعية الإنجاز) والتي كلها محسومة اجتهادياً وليس نصياً،  فيستلزم تطوير أجندات تخصصية لها قابلية للمنافسة ضمن السوق السياسي الموجود، قد تحفظ لها خصوصيتها كأحزاب إسلامية ولكن في نفس الوقت تتشابك بشكل خاص مع تحديات سياقها المجتمعي.

فالدولة ليست النظام السياسي، وهذا الأخير ليس هو نظام الحكم وبينهم تداخل وتمايز.

إذ الدولة كيان سيادي تشير إلى مجموعة المؤسسات يميزها السكون والبقاء ، أما  النظام السياسي فمجموع المكونات المتفاعلة والمتصلة وظيفياً مع بعضها داخل المجتمع فهو نظام سلوكي يؤثر ويتأثر بالبيئة المحيطة أي أنه نظام تكيفي يسعى إلى البقاء في ظل بيئة ديناميكية مفتوحة.

أما نظام الحكم فيميزه التغير المستمر(السلمي/ العنيف(نظراً للاستحقاقات التي يواجهها  بشكل دوري ( انتخابات، إصلاح، انقلابات، ثورة، حرب.

و المنظور السياقي يجعل مجال تداول الأحزاب السياسية نظام حكم وليس الدولة أو النظام السياسي، فالأحزاب تجري تغيرات على مستوى نظام الحكم أما التغيرات على مستوى النظام السياسي أو الدولة فهي تغيرات أيديولوجية وجذرية.

فالداعون إلى تبني المنظور الجوهراني يتجاهلون سياق الدولة الحديثة ولا يميزون النظام السياسي ونظام الحكم. فالدعوة إلى الدولة الإسلامية على منهاج النبوة والخلافة دعوة تأسيسية نحو نموذج مغاير للدولة. ومثلها الدعوة إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي دعوة إلى تغيير النظام الاقتصادي الذي هو جزء من النظام السياسي والذي قد يصلح في حالة تكيف النظام. في حين الدعوة إلى التغيير على مستوى الحكم فهو مجال مفتوح أمام المنافسة السياسية بين مختلف الأحزاب السياسية.

فعلى الأحزاب الإسلامية الدفع في اتجاه ترشيد الحكم بأبعاده المكونة له وهي؛ الحكومة، المجتمع المدني، والقطاع الخاص وتفعليها لتكون الديمقراطية التشاركية كبديل عن الديمقراطية التمثيلية فتتعزز مبدأ الحكامة الجيدة من خلال ثنائية الكفاءة والاستحقاق من جهة، وثنائية المسؤولية والمحاسبة من جهة أخرى لتتشكل بذلك مشروعية جديدة ليست قائمة على إرادة الأفراد وأحقيتهم في التمثيل التي هي معطى سلفاً، بل على أساس وظيفي يتم فيه ربط المشروعية بالنتائج، وهنا يحصل التنافس وتقديم المواقف والرؤى البديلة.

وبالديمقراطية التشاركية  تندمج الأحزاب الإسلامية في المشهد السياسي بما تحمله من احتمالات إنشاء مساحات مشتركة للتقارب سواء مع النظام السياسي فيما يتعلق ببناء قدراته، أو في إطار بناء تحالفات هادفة لترشيد الممارسات السياسية.

وبهذا الواقع يُسمح للأحزاب الإسلامية تقديم نفسها كقوة طرح بديلة لما يمكن أن تقدمه من سلع سياسية ذات جودة تعكس مقاصد الشريعة وفي نفس الوقت تعطي لها الفرصة لمأسسة هذه المقاصد ضمن قواعد دستورية واضحة، تكون فيه هذه الأخيرة ضمن المواد الصماء التي لا تخضع لمزاجية السلطة وتقلباتها.

في أي نظام سياسي غالباً ما تعمل الأحزاب السياسية في بيئة يميزها التعقيد الدائم وعدم الاستقرار، فالتغير هو سمة ثابتة لا مفر منها نتيجة لتغير القواعد الدستورية والقوانين المتعلقة باللعبة السياسية، كما قد تتغير رؤية الناخبين، سواء ككل أو في إطار دوائر انتخابية معينة. إضافة الى ذلك، قد تضع أي تحولات سياسية أو اضطرابات أمنية داخلية أو إقليمية الأحزاب السياسية أمام مسؤولية للتعامل مع القضايا المستجدة عنها، وفي خضم ذلك قد يصعد نجم حزب معين في مقابل تراجع حزب آخر، كما قد تتغير خريطة التحالفات المصاحبة لذلك.

هذا قد يطرح إشكالاً حول استراتيجية العمل بالنسبة للأحزاب الإسلامية في حالة العمل ضمن سياق المعارضة أو النظام الحاكم، فصعود الإسلاميين بعد موجة الربيع العربي كان تلقائياً، وبدون وجود أي خطة استراتيجية معدة سلفاً  فنتج عنه عدم القدرة على التأثير في نتائجه، وليتبين فيما بعد أن تلك التحولات لم تكن فرصة لها بقدر ما كانت ضارة للأحزاب الإسلامية، نظراً لعدم تقدير حجمها وكذا حدود القوة بالنسبة للجهات الداخلية والخارجية الفاعلة فيه.

وخلاصة الأمر أن الحديث عن كفاءة الأحزاب الإسلامية في صنع السياسة العامة ذا أهمية، ففلسفة إدارة شؤون الدولة  والنظام السياسي هي شبه مغيبة لدى أدبيات الحركات الإسلامية عموماً، ويمكن تقديم العديد من التفسيرات في هذا الصدد حول هذا العجز، لعل أهمها هو محاولة استدعاء وجهة النظر الجوهرية ومحاولة إسقاطها على الدولة الحديثة بدلاً من تبني المنظور السياقي، وكون هذا الأخير قد تم الحسم فيه كنموذج معرفي مترابط (دولة، نظام سياسي ( له مسؤولية تنظيم المجال التداولي، يؤهل جميع التيارات والفئات المكونة  للمجتمع بغض النظر عن انتماءاتها ويكون ذلك عبر آلية الانتخاب، أوعن طريق التعيين وفقاً لقاعدة الكفاءة والاستحقاق. ورغم ذلك سعت الأحزاب الاسلامية إلى استدعاء نموذج متخيل للحكم بدون خصائص محددة وبدون شروطه الأولية المسبقة) الدولة، النظام السياسي) في محاولة إسقاطه على الدولة الحديثة، مما أنتج توليفة من الممارسات السياسية المتناقضة لدى الإسلاميين مما يعيد طرح سؤال هوية الممارسات الإسلامية، لذا فالخطاب الإسلامي على ضخامة تراثه الفكري والتنظيري المتراكم عاجز عن تحويل قيمه التبشيرية الكبرى(هوية القول) إلى مشاريع نهضوية ملموسة(هوية الفعل) ، بالتالي ليس لدى الحركات الإسلامية طريق إلا تجديد هويتها الداخلية بدلا من السعي إلى تغيير المجتمع، بالمحصلة لا يمكن الجمع بين المنظور الأيديولوجي للأحزاب الإسلامية في سياق الدولة الحديثة ما لم تتبن أحزابها وجهة النظر السياقية، ذلك أن السنوات الأخيرة قد كشفت القيود السياسية على هذا المنظور بعد أن أدرك الإسلاميون في مصر وتونس أن ناخبيهم لا يهتمون لدور الإسلام في الدستور، بقدر اهتمامهم بحاجياتهم الاقتصادية والاجتماعية من قبيل خلق مناصب للشغل، وتحسين الدخل، والسكن، فكانت نتيجته أن واجه مرسي التحديات المتعلقة بالنمو الاقتصادي مما أدى إلى تراجع الدعم الشعبي لحكومته، فنتج عنه ترحيب بعودة حكم العسكر.

وباستخدام تحليل السوات كنموذج تقييمي أمكن تحديد نقاط القوة، الضعف ، الفرص  والتهديدات  التي محتملاً تؤثر على استراتيجية عمل الحركات الإسلامية ضمن النسق السياسي، ولأجل فهم البيئة الداخلية والخارجية التي تعمل ضمنها هذه الحركات الاسلامية، فإنه من الضروري بالنسبة لهذه الحركات الأخذ بعين الاعتبار التحليل الرباعي بهدف تعزيز أدائها والاستجابة السريعة للظروف المتغيرة عبر التعامل مع ما وقع وما يحتمل أن يقع مستقبلاً بفعالية أكبر بهدف الاستمرارية على المدى المتوسط والبعيد.

لابد من إعادة تقييم الأداء لدى الأحزاب الاسلامية من حيث نقاط القوة، الضعف، الفرص والتهديدات التي هي مسؤولية لدى هذه الأحزاب، وذلك لأجل فهم بنيتها وسلوكها الموجه في ظل بيئة تتميز بالتغيير الشديد في اتجاهات غير متوقعة، أي أنه بمثابة تخطيط استراتيجي قائم على التصرف بفاعلية ومن منطلق واع، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الداخلية والخارجية الواسعة.

فهذا التقييم الرباعي مالم نجده في كل الخطاب النقدي للأحزاب الإسلامية وهو ما يجعل هذه الخطابات تصورات قبلية أو بعدية مجردة أو مشخصة مفتقدة لمعايير البناء والنماء السديد، ولعلنا نتفهم حدة النقد الموجه من الدكتور عبدالرزاق مقري نتيجة البيئة الجزائرية التي مرت بمراحل قاسية جدا في وضعها الإجتماعي والسياسي، فالحركة الإسلامية في الجزائر لها أسبقية نوعاً في النسق السياسي فوصلت للحكم وانقلبوا عليهم، وتبعها صراع جعل أغلب الشعب الجزائري ينفر من الإسلاميين، ويميل إلى”إسلام الدولة”. وبفعل أنظمة المكر والتسلط أدى تبني المنظور السياقي للأحزاب الإسلامية السياسية إلى حدوث تآكل في داخلها والإضرار بقاعدتها الانتخابية بسبب ضرب مصداقيتها لدى المجتمع.

وحيت تتجافى هذه الأحزاب عن مطالب المجتمع وتستبدله بالإندماج مع السلطة ترفضها الشعوب وهو ما حصل من  الشعب الجزائري في رفضه كل من كان مع السلطة عام 2019م بشعار يتنحاو قع . فكان ما عاشته الحركات الإسلامية اليوم في الجزائر هو ضريبة لما سبقت به غيرها من الدول العربية فيما يتعلق بتبني المنظور السياقي بدون التأسيس والتنظير له. قال الدكتور جارش عادل الباحث في الدراسات الاستراتيجية في مقاله المعنون بـ” الأحزاب  الإسلامية والنشاط السياسي بين جدلية الاستيعاب والإقصاء” أن الجماعات الإسلامية السياسية في العالم العربي والإسلامي أحد المداميك الأساسية للعملية السياسية وهذا ما تدركه الأنظمة وتحاول إدارتها بالإدماج والكبح والإقصاء، بعيدا عن جماعات العنف التي لا تدرك كيفية التمكين الإسلامي، و متغيرات القوة وموازين الحكم داخل الدولة، فبعض الأحزاب الإسلامية استطاعت من خلال كفاح في مراحل زمنية معينة من كسب ود الشعب وخدمته كحزب العدالة والتنمية بتركيا الذي تكيف مع التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واستفاد من تجاربه التاريخية، ولديه كتلة شعبية داعمة لا بأس بها، وشبكة من العلاقات القوية من القوى الإقليمية والعالمية، بالمقابل هناك: أحزاب سياسية إسلامية أخرى تشارك في العمل السياسي تمارس دور المعارضة وتحظى بنوع من القبول لدى الشعب والنظام، وأحزاب إسلامية ضعيفة لا تمتلك شعبية معتبرة، وحضورها في الحكومة ضعيف أو شبه منعدم وشعارها الحفاظ على الوضع القائم والسعي لتغييره تدريجيا.

ولذلك يتطلب قراءة النشاط السياسي للأحزاب الإسلامية السياسية النظر في عدة عدسات أو زوايا منها:

زاوية المعطى التاريخي وتأثيره المستمر في بناء إدراكات خاطئة عن هذه الأحزاب، فغالبية الدول العربية والإسلامية تعرضت للاستعمار الذي بنى أحزابا وأنظمة تابعة وأهمل الأحزاب الإسلامية ووضعها في خانة العداء إضافة لانتقال الأفكار الأيدلوجية الغربية ومنها فصل النشاط الديني عن النشاط السياسي، وتبعته في هذا المسار الأنظمة ذات الفكر القومي،

ولكن هذه الأحزاب الإسلامية مع مرور الوقت وتفاعل مجموعة من الأسباب والظروف فرضت حضورها  وهي تعاني من إشكالات عدة من أبرزها الآتية:

  • عدم ثقة الأنظمة السياسية الحاكمة في نشاط وعمل الحركات والجماعات الإسلامية وكذا الشعوب لوجود صورة نمطية سيئة حولها  قبل نشاطها أو عند وصولها للحكم ، فيحكم بفشلها مسبقاً أو بعد فترة وجيزة من عملها أثناء الحكم مقارنة بأحزاب سياسية أخرى، وهي عاشت ولازالت مراحل قمع الأنظمة وهذا ما جعلها تعمل بصورة محدودة من أجل الحفاظ على بقائها مع أخذها مسافة دقيقة بينها وبين الحكم، فأثَّر هذا على صورتها وفقدت شعبيتها وثقتها لعدم المبادرة وقلة النشاط.
  • تفكك التيارات الإسلامية وصراعها الداخلي شل قدرتها على فرض أفكارها في النقاش السياسي فضعْفُ الأداء الانتخابي وتحسنه خاضع لمعادلة التحالف والتخالف.
  • التحجج باستخدام الدين في السياسة: فكل قوة سياسية تستخدم ما تراه مرجعية لها في التشريع والرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية دعاية لنفسها، فالليبراليون ينطلقون من أفكار الحرية والمساواة وتحرير السوق ويروجون لها و الاشتراكيون يعتمدون على النقابات واليساريين لنشر أفكارهم وحين تفشل أو تعجز هذه القوى عن منافسة الأحزاب الإسلامية تردد “استخدام الدين في السياسة”، رغم أن كل حزب ينطلق من مرجعية وأفكار معينة، فتجلى بعض الأفكار الإسلامية في برنامج الأحزاب الإسلامية ليس معناه توظيف واستغلال الدين في أي نشاط سياسي واحتكاره ففي الستينيات أو السبعينيات حين كانت الأحزاب السياسية الإسلامية ضعيفة وهشة لم تردد ضدها عبارة “استخدام الدين في السياسة”، لسيطرة الأحزاب اليسارية أو القومية آنذاك.

الزاوية الثانية، سعْيُ الإسلاميين للتكيف مع مقتضيات الدولة عبر الاندماج والاشتباك السياسي الداخلي بعيدا عن الأفكار الطوباوية المتعلقة بمشروع الخلافة لم يشفع لهم هذا التكيُّف والتحول بل  استمر الشك حولهم والانقلاب ضدهم حال التحالف معهم أو عدمه كما في مصر، فإذا تحصلوا على حصة ضعيفة في العملية الانتخابية وحافظوا على مسافة بينهم وبين نظام الحكم اتهموهم بالخنوع، ويتعرضون للنقد الكبير على المستوى النظري والإبعاد على المستوى العملي.

وندلف الآن إلى تفكيك نقد الدكتورين مقري والأسطل لبيان عملية الحيد عن السواء في بعضها والسواء في البعض الآخر، وهذا من باب النصح والتعاون على البر والتقوى والقول الحسن العدل.

Hekmah Yemanya

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوز للعصبياتِ والهُويات الضَّيقة, منفتح على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهري ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى