حفريات معرفية

هل ساعد الإصلاح الديني أوروبا على النهوض

الحقيقة والوهم في الإصلاح الديني المسيحي (7-8)

إحسان باحارثة

لا شك أن ظهور حركة الإصلاح الديني المسيحي في القرن السادس عشر كان حدثا مفصليا في تاريخ القارة الأوربية والمسيحية، وأسهم في تغيير قدرها، وتشكيل بعض جوانبها السياسية والدينية (كما جاء في آثار ونتائج الإصلاح الديني)، لكن للأسف الشديد فإن بعض الكتّاب (وخاصة في عالمنا الإسلامي ولأسباب غير نزيهة) يحاولون إضفاء هالات من الإنجازات الحضارية، والعظمة الفكرية، والمجد السياسي على حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في غير مجالها الذي ظهرت من أجله. وكما رأينا فقد كانت معظم حيثيات هذا الإصلاح الديني منشغلة بالمسائل الدينية على مستوى إصلاح الكنيسة، وإعادة الفاعلية للنصوص الدينية للكتاب المقدس في حياة الفرد المسيحي والأسرة المسيحية والمجال العام. ولأن تلك الحيثيات كانت منصرفة عن الشأن العام والبناء الحضاري (إن جاز التعبير) لأوروبا فإنه يكون من المبالغة ومن غير الدقة العلمية نسبة ظهور عدد من أبرز التطورات التاريخية والحضارية التي عرفتها أوربا إلى تأثيرات الإصلاح المسيحي البروتستانتي أو القول إنه كانت ثمرة طبيعية له أي نتجت مباشرة عنه ناهيكم عن أن تكون مخطط لها أو مستهدفة منه.

وسيأتي بعد قليل إن حركة الإصلاح الديني البروتستانتي ظهرت في زمن كانت عوامل عديدة تعتمل في قارة أوروبا وجعلتها متحفزة للانطلاق القوي في مسار التقدم والتطور العام، والاستفادة من أي حدث وتغيير ولو كان سلبيا أو غير مقصود في تعزيز حركتها نحو الأمام.. لكن في كل الاحوال لا يستقيم نسبة ذلك إلى حركة الإصلاح الديني دون تحرز.. وعلى سبيل المثال فإن حركة الكشوفات الجغرافية باتجاه الغرب والالتفاف على العالم الإسلامي للانتقام لسقوط القسطنطينية بيد الأتراك، واكتشاف طرق ملاحية جديدة تجتنب المرور في مناطق السيطرة الإسلامية.. كل ذلك لا يعني أن العالم الإسلامي كان له فضل أو دور ما في هذه المنجزات الأوروبية(!). وسنحاول في السطور التالية بيان وجهات نظر عدد من المؤرخين والباحثين حول ما ينسب من إنجازات إلى حركة الإصلاح الديني المسيحي، وبيان ما لها أو ما كان لأفكارها من دور إيجابي ولو بطريقة غير مباشرة:

1- ظهور عصر النهضة والتقدم العلمي :

كان لحركة النهضة (الحركة الإنسانية) الدور الريادي والحاسم في انتقال أوربا من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، وشهدت إيطاليا في القرن الرابع عشر– والدول الأخرى من بعدها- ظهور حركة إحياء العلوم والآداب والفنون القديمة للإغريق والرومان؛ والتي كانت محل ازدراء ونبذ من جانب الكنيسة ورجال الدين بسبب المضمون الوثني لها.

وأسهم اختراع المطبعة (1450) في نجاح النهضة، وسهل طبع المخطوطات والكتب القديمة، وانخفضت أثمانها، وسهل انتشارها وتداولها، وفي خلال نصف قرن تمت طباعة تسعة ملايين كتاب. وانتشر تأسيس الأكاديميات الحديثة في فلورنسا، وروما، ونابلي، والبندقية، وكانت ذات اهتمامات متنوعة ما بين الفلسفة خاصة، والآثار والتاريخ، والآداب، والدراسات الإغريقية، ودراسة اللغات وخاصة العبرية لفهم الكتاب المقدس. وانتعشت حركة الفنون والرسم والتصوير، وظهر أعظم الرسامين والنحاتين: مايكل أنجلو، ورافائيل دافنشي، ومعظمهم عمل في ظل بابوات روما. (1)

وبسهولة يمكن معرفة أن الإصلاح الديني البروتستانتي لم يكن له دور في ظهور حركة النهضة التي كانت أساس كل التطورات التي حدثت في أوربا فيما بعد لسببين: الأول رفضه للفلسفة والآداب، والفنون، والفكر القديم ذي الطابع والمضمون الوثني، والسبب الآخر البديهي أن النهضة سبقت الإصلاح الديني بقرنين من الزمان!

ووفقا لعزيز العظمة فقد كان رجال الأكليروس الديني سباقين إلى البحث العلمي في أوربا؛ فقد نشأ العلم الحديث والبحث العلمي في ظل الكنيسة الكاثوليكية وبرعاية البابوات (أعداء الإصلاح الديني البروتستانتي!)، وكان اليسوعيون الكاثوليك بالغي النشاط في مجال العلوم الطبيعية التجريبية والرياضية. ويمكن ملاحظة أن حركة تطور العلوم كانت تعتمل أساسا في المناطق الكاثوليكية وليس مناطق الإصلاح البروتستانتي. (2)

2 – الإصلاح الديني وظهور الرأسمالية والتقدم الصناعي:

ربما كان هذه المسألة هي الحيثية الأكثر معقولية في وجود صلة ما (وإن كانت غير مقصودة) بين الإصلاح البروتستانتي وظهور الأنشطة الاقتصادية الرأسمالية؛ فمع وجود تطور صناعي كان يتخلق في أوروبا فقد تعاون التطور العام للبروتستانتية تعاونا دون وعي مع الانقلاب الرأسمالي، وقيام الاقتصاد الجديد (الرأسمالي)، وإطلاق التنافس الاقتصادي والبحث عن الربح؛ بعد أن أسهم لوثر في مصادرة أراضي الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا، ومن حيث إباحة (كالفن) للربا أو الفائدة – الذي كانت الكنيسة الكاثوليكية تحرمه- على أنها مكافأة مشروعة لمخاطرة المرء بمدخراته، وإشاعة الإصلاح البروتستانتي لقيم التدبير والاقتصاد، وإجلال الثراء، واحترام العمل والجدية بوصفه فضيلة أو كما يوصف بأنه خصخصة الدين وفردنته. كذلك لم يكن الدور الذي لعبته البروتستانتية في دخول أوربا عصر الحداثة مقصودا لذاته بل إن نشأة العالم الحديث كان مستقلا عن البروتستانتية رغما عنها! (3)

3- علاقة الإصلاح البروتستانتي بتحرير العقل والفكر:

بعد أن تعرفنا سابقا على أبرز أفكار الإصلاح الديني؛ فإنه يكون من التجاوز القول إنه عمل على تحرير العقل وتأسيس التسامح الديني؛ فقد كان ضدا عليهما بوضوح وقسوة بالغة، وكذلك ارتبط ظهور عصر تحرير العقل (بالمفهوم الأوربي) بظهور النقد التاريخي للكتاب المقدس؛ إذ وصف نصوصه بأنها تحمل الكثير من أساطير عصور قديمة لا صلة لها بوقائع التاريخ، وهذا يعد تناقضا مع معتقد الإصلاح البروتستانتي الذي كان يؤمن أن الكتاب المقدس المرجعية المقدسة الوحيدة للدين وللإصلاح الديني، ومحور إيمانه المطلق. كذلك لا تتوافق أبدا أفكار الإصلاح الديني المسيحي بل تتناقض بحدة مع مظاهر التحرر الفكري في عصر النهضة والأنسنة وأبرزها على سبيل المثال: الاهتمام بالآداب والفنون، واهتمام النهضة بالبحث عن كنوز المعرفة القديمة الرومانية واليونانية، ونبذ التفكير فيما بعد الموت أو الانحصار في أداء الواجبات الدينية، وعدم التقيد بتعاليم الكنيسة. (4)

4 – هل كان الإصلاح البروتستانتي سببا في ظهور التنوير؟

لا يوجد ما يدل على أن الإصلاح الديني البروتستانتي كان سببا أصيلا في ظهور فكر التنوير لاختلاف منطلقات وأسس كل طرف بل وتناقضهما الحاد؛ فالتنوير فكر علماني أو دنيوي جاء بعد مرحلة الاكتشافات العلمية وعصر العقل في القرن السابع عشر، وظهر في مناطق كاثوليكية في فرنسا تحديدا، وتقوم أسس التنوير على تقديس العقل وتقدير الفلسفة، ورفض تلازم الدولة والدين، ورفض الخرافات والشعوذة، ونقد وصاية الدين على تحديد معايير الخير والشر، والتأكيد على أنهما لا يشتقان منه ولكن من الموقف من العدالة والظلم، واعتبار الإنسان مسؤولا عن أفعاله، ويصل الموقف من الدين عند بعض مفكري التنوير إلى درجة الإلحاد، وكل ذلك مما يتصادم جذريا مع أفكار الإصلاح الديني المسيحي  (5)

5 – هل كان الإصلاح البروتستانتي سببا في ظهور التعددية والتسامح والعلمانية؟

كان من أبرز آثار حركة الإصلاح الديني انقسام أوربا بين الكاثوليكية ومذاهب الإصلاح الديني، وأدى ذلك إلى سلسلة مرعبة من الحروب الدينية المدمرة والأشد شراسة وحقدا في التاريخ الأوربي، وقد دفعت النتائج المأساوية لتلك الحروب إلى اتجاه الدول والحكام إلى التسامح، والكف عن اضطهاد المخالفين دينيا بعد أن أدى إلى خراب التجارة، وهجرة أصحاب المهن والطبقات الوسطى، واعتناق المذاهب الانشقاقية عن الدول، وأيضا بسبب ازدياد قوة الدولة إلى درجة تمكنها من قبول الاختلاف الديني، ورفضها لاحتكار كنيسة وطنية واحدة لإرادتها بشكل كامل، وأدى كل ذلك إلى ظهور فكرة الدعوة إلى الفصل بين المسيحية والدولة شفقة على الناس مما حدث لهم بسبب تحالف واندماج الدولة مع الكنيسة (كاثوليكيا) أو خضوع الكنيسة للدولة (بروتستانتيا)، وقيام الكنيستين بدعم الدولة وتطبيع الناس على طاعتها والخضوع لها.. فالعلاقة السببية بين الإصلاح المسيحي وبين العلمانية ليست كالعلاقة بين البذرة والشجرة ولكن كالعلاقة بين الميكروب والمرض وبين اكتشاف لقاح له. وعلى حد تعبير د. بشارة فإن العلمنة بدأت في الظهور في فرنسا الكاثوليكية في شكل إخضاع الكنيسة للدولة، واكتساب الملك حق المشاركة في تعيين المناصب العليا في الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية. (6)

عوامل نجاح الإصلاح البروتستانتي

لم تكن حركة الإصلاح المسيحي – في طورها الأخير البروتستانتي في 1517م- مجرد زوبعة في فنجان يسهل إخمادها كما حدث مع ما قبلها من حركات، أو حركة غضب شبابية سرعان ما تخمد نيرانها، فلا شك أنها رغم كل المآخذ عليها، ورغم أن إصلاحاتها في العقيدة المسيحية ظلت محدودة، ولم تغير الأصول المعروفة للمسيحية ولم تمس جوهرها، رغم كل ذلك إلا أنه قد حدث تغيير كبير في واقع خارطة الكنائس المسيحية، وفي الخارطة السياسية لأوروبا، بل وامتدت آثارها مع المؤمنين بها الذين حملوا معهم عقيدتهم البروتستانتية أينما حلوا وارتحلوا فأثرت على شعوب وأمم: سلبا وإيجابا.

وخلافا للدعوات السابقة لإصلاح مفاسد الكنيسة التي فشلت في تحقيق أهدافها؛ فقد أسهمت عدة عوامل في نجاح ثورة الإصلاح اللوثرية، وتلك التي تزامنت معه في زوريخ وجنيف وبريطانيا وإسكتلندا، وفي تحقيق النتائج التي ربما لم تكن في أذهان قادة الإصلاح في بداية حركتهم، وتمردهم على البابا وكنيسة روما. ومن أبرز هذه العوامل:

مارتن لوثر

1- شخصية لوثر القوية، وفهمه للروح الوطنية الألمانية، وبصورة عامة قوة إيمان رجال الإصلاح بحركتهم الإصلاحية، وشجاعتهم في إعلان آرائهم، واحتمالهم للأذى والعنت، وصمودهم في وجه الكنيسة، وحماستهم لأفكارهم، وإيمانهم بعدالة مطالبهم، وتوافقها مع المسيحية والكتاب المقدس .. وفي المقابل ردود الأفعال البابوية القاسية ضد رجال الدين الثائرين، واتهامهم بالهرطقة، وطردهم من الكنيسة؛ فكل ذلك أكسبهم تعاطفا شعبيا قويا، وإعجابا عظيما من قبل كثير من المسيحيين الناقمين على انحرافات الكنيسة ورجال الدين الفاسدين. (7)

2 – انتعاش النزعات الوطنية أو القومية الاستقلالية في أوربا المسيحية الخاضعة لسلطة كنيسة روما وهيئة البابا وأداتها السياسية المتمثلة في الدولة الرومانية المقدسة، مما أدى إلى حماس الأمراء والملوك المحليين – وخاصة في ألمانيا وشمال أوربا- لدعم ثورات الإصلاح الديني ورجالها للتخلص من سلطان البابا وكنيسة روما والأباطرة الأجانب. (8)

3 – كانت أوربا في القرنين السابقين قبل ظهور ثورة الإصلاح الديني قد بلغت نهاية عهد العصور الوسطى،  وكانت تعتمل في أحشائها توجهات للانطلاق من أسار التخلف الحضاري، وبدأت تدخل مرحلة النهوض وتجني آثار اتصالها تجاريا وحضاريا بالشرق الإسلامي المتقدم حضاريا واقتصاديا عبر مناطق التواصل الحضاري مثل الأندلس وصقلية، أو زمن الحروب الصليبية، وكان من آثار ذلك أن أوربا شهدت عصر نهضة فكرية وأدبية وتعليمية بظهور حركة الإنسانيين واهتمامهم بالحياة وهموم الإنسان، وبالأدب والشعر اليوناني والفكر الروماني القديمين رغم وثنيتهما مما كان محرما سابقا بأوامر من الكنيسة، وبدء عصر الكشوفات الجغرافية. وكان من شأن ثورة مثل الإصلاح الديني تظهر في مثل هذه البيئة المتحفزة للنهوض أن تهز المجتمعات الأوربية بقوة، وتدفعها للتفاعل مع الإصلاح الديني سلبا أو إيجابا ولكن بما يؤدي إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة من النهوض والتقدم وليس التقوقع والانعزال. (9)

النسخة الأصلية لترجمة لوثر للكتاب المقدس عام 1534.

4- ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات الوطنية الحديثة مما أتاح لعامة الناس قراءته بعد أن كانت مقصورة على نخبة رجال الدين والوعي به بصورة دقيقة، والتعرف على القواعد والتعاليم الدينية الأصلية التي كانت حكرا على رجال الدين. ولعل من آثار ذلك انكسار قداسة بابا روما، ورفض اتباع تعاليمه إلا إذا كانت تتفق مع الكتاب المقدس، وتوجيه انتقادات حادة ضده تمس ذمته المالية، واتهامه بالفساد، وأنه عدو المسيح. (10)

5- انتشار الطباعة بعد اختراع المطبعة مما أسهم بتوزيع ملايين من نشرات ورسائل الإصلاح الديني في مختلف أنحاء أوربا. (11)

6-  أسهمت الحروب بين الإمبراطور الكاثوليكي شارل الخامس – المدعوم من كنيسة روما- وبين فرانسوا الأول ملك فرنسا ثم ابنه هنري الثاني الكاثوليكيين(!)- المتحالفين مع الدولة العثمانية الإسلامية!- في إضعاف الجبهة الكاثوليكية، وأضاع تفرق الدول الكاثوليكية فرصة القضاء على البروتستانتية في مهدها، أو على الأقل الحد منها مما أتاح للبروتستانتية أن تستقر في شمال ألمانيا. (12) 

7-  كذلك أسهم إيقاف الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت حتى لا تسقط أوربا كلها في أيدي المسلمين بعد وصول الاجتياح العثماني 1529 لوسط أروبا وسيطرتهم على المجر، ووصولهم إلى أسوار فيينا.. أسهم في توفير حماية للحركة البروتستانتية مؤقتا حتى انسحاب الأتراك إلى بلادهم. كما شارك البروتستانت في المواجهة المشتركة ضد الجيوش العثمانية وإجبارها على الانسحاب مما رفع رصيدهم الوطني بين الناس. (13)

معركة فيينا

8-  ساعدت الخلافات بين الكنيسة في روما وبين ملك إنجلترا هنري الثامن – حول السماح له بالطلاق والزواج من امرأة ثانية – في تعزيز حركة الدعوة إلى الإصلاح الديني في البلاد، والاستقلال بكنيسة وطنية معارضة للكنيسة الكاثوليكية؛ رغم أن هنري الثامن كان من قبل معارضا للبروتستانتية حتى منحه البابا لقب حامي الكنيسة الكاثوليكية. (14)

9- وربما كان من أكثر الأسباب أهمية (في رأينا) في انتشار البروتستانتية، وتقبل شعوب عديدة لها هو أن مضمون ثورة الإصلاح الديني هذه لم تمس العقائد الأساسية للمسيحية الكاثوليكية، وكان الخلاف الأساسي هو حول الممارسات الفاسدة  لبابوات الكنيسة ورجال الهيئة الدينية التي كانت قد ملأت الآفاق بروائحها القبيحة وأثارت استنكار الناس وسخطهم، كما أن بعض الطقوس التعبدية التي تمت الثورة عليها لم تكن لها أصل في الكتاب المقدس ذاته.

سمات حركتي الإصلاح المسيحي القديمة والحديثة

بالعودة إلى معنى كلمة (الإصلاح) لغويا – كما أثبتناها سلفا- الذي يتحدد في إزالة الفساد الطاريء على الشيء المراد إصلاحه، وإعادته نقيا إلى ما كان عليه يوم ظهوره ونشأته الأولى.. وبالعودة كذلك إلى الأفكار التي أطلقها دعاة الإصلاح أنفسهم؛ فإنه يمكن تحديد أبرز سمات حركتي الإصلاح الديني المسيحي القديمة والحديثة وتقييمهما من حيث اتساقهما أولا مع حقيقة المصطلح اللغوي، ومدى موافقتهما ثانيا مع مقولات الإصلاح الحقيقي، وهل كانت فعلا أمينة مع دعوتها للعودة إلى المسيحية الأولى قبل تلبسها بالبدع؟

1-  لا شك أن نظرة مقارنة سريعة بين أفكار دعوات الإصلاح الديني المسيحية القديمة ودعوات الإصلاح الحديثة تبين بجلاء أن هناك فرقا جوهريا بين الدعوتين؛ فإن الدعوات القديمة كانت أكثر جذرية وعمقا في محاولتها إصلاح الفساد الذي طرأ على أسس العقيدة التي جاء بها نبي الله المسيح عليه السلام، ورفض الأفكار التحريفية الخطيرة التي مست أسس العقيدة بما فيها تأليه عيسى بن مريم نفسه وتحويله من إنسان إلى إله أو ابن إله، وهي التحريفات التي قلبت دعوة المسيح من دعوة توحيد وعبادة لله وحده إلى ديانة شبه وثنية استبدلت الثالوث والخرافات بوحدانية الله تعالى، وملأت الكنائس بالصور والتماثيل التي يقدسها المتعبدون على الطريقة الوثنية المعروفة.

وفي المقابل فإن دعوات الإصلاح الحديثة كانت إلا النادر منها موجهة أساسا نحو الممارسات الفاسدة لقيادات مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية، و(بعض) طقوسها التعبدية وليس (كلها) التي ليس لها سند من الكتاب المقدس، فهي بالكاد تستحق أن توصف فقط بأنها دعوة أساسا لإصلاح مفاسد الكنيسة المالية والأخلاقية كمؤسسة بشرية! وقد ظلت البروتستانتية في العموم قريبة من الكاثوليكية والأرثوذكسية في الكثير من لاهوتهما وطقوسهما، ويلاحظ أن الكتب التاريخية الغربية والعلمية تصف ما حدث بأنه عملية إصلاح للكنيسة وليس للدين المسيحي كما يراد لنا نحن المسلمين أن نفهم وأن نفعل بديننا. (15)

2- رغم أن دعوات الإصلاح الحديثة كانت أكثر تشددا (أو أشد أصولية إن جاز التعبير) في الدعوة إلى التمسك بحرفية الكتاب المقدس والعودة إليه، وجعله المرجعية الوحيدة للمسيحية، ونبذ كلام الكهنة والقساوسة، والعودة إلى طهارة زمن المسيحية الأول؛ إلا أن ذلك لم يصاحبه أي مراجعة حقيقية لما في الكتاب المقدس من الخرافات والأخطاء والتناقضات التاريخية، وظلت عقيدة الإصلاح الديني المسيحي تتقبل ما فيه من مخالفات لوقائع التاريخ والعقل ولما تم اكتشافه من حقائق علمية.

3- على غير الشائع عن أصحاب دعوات الإصلاح والتجديد في تاريخ البشرية بما فيها حركات الإصلاح المسيحي القديمة التي لاقى رموزها التنكيل مقابل سلميتهم؛ فقد كان كبار دعاة الإصلاح الديني المسيحي المحدثون غاية في الحدة والقسوة مع مخالفيهم، ولاقى المعارضون الكاثوليك لحركة الإصلاح الديني المسيحي ولو لبعض أفكارها ولو كانوا من دعاة الإصلاح أنفسهم مواقف إجرامية تمثلت في قتل وحرق من يعارض دعوتهم الإصلاحية.. ولو كان من نفس دائرتهم لكنه يدعو إلى إصلاح جذري لا يوافقون عليه وهذه سمة سلبية تنفر الناس عادة من الاستجابة لأي دعوة دينية جديدة ولا تتفق أصلا مع روح الإصلاح الحقيقية التي جاءت بها الأديان السماوية التي تعتمد على الدعوة السلمية في مواجهة طغيان الطرف الآخر وجبروته ودعوة العقل البشري للتفكير في حقيقة وجوده في هذه الحياة وإعمال الفكر للاختيار بين طريق الإيمان وطريق الضلال.

وربما لولا الظروف السياسية الأوربية في تلك الفترة، ونشوء النزعة القومية الطامحة في الاستقلال – وخاصة عند الملوك والأمراء المحليين في ألمانيا- عن سلطان البابا في روما المهيمن على الحياة السياسية والشؤون العامة والخاصة في غرب أوربا، ولولا ضيق الناس من الفساد العفن للكنيسة وممارسات رجالاتها البعيدة عن روح دعوة المسيح وحياته البسيطة، ولولا حماس دعاة الإصلاح للتغيير وصمودهم في وجه تعنت الكنيسة ربما لولا كل ذلك لما نجحت حركة الإصلاح في تحقيق كل تلك النجاحات والاختراقات في المجتمع الأوربي المسيحي إلى درجة حدوث الانشقاق الكبير في تاريخ المسيحية، وقيام كنائس وطنية في الحزام الشمالي للقارة الأوربية.

4- اقتصر ظهور حركة الإصلاح الديني على منطقة غرب أوربا أو منطقة النفوذ التاريخي والسلطوي لكنيسة روما الكاثوليكية المستهدف الأول من الحركة الإصلاحية، والتي كانت تشهد نزوعا وطنيا للانعتاق من سيطرة روما وكنيستها وضيقا من فسادها فلم تصل موجتها إلى مناطق نفوذ الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي ظلت على أوضاعها الدينية المعروفة تحت السيطرة العثمانية.

خريطة تبين مدى انتشار البروتستانتية في أوروبا

5- لم يحدث إصلاح عام جذري يشمل المسيحية بكل عقائدها وطقوسها كما يفهم من مصطلح (ثورة الإصلاح الديني) فقد ظلت الكاثوليكية دين الأغلبية المسيحية وعلى ما كانت عليه من عقائد باستثناء التخلي عن فكرة بيع صكوك الغفران لتمويل خزائن الكنيسة أو للعفو عن المجرمين، وظلت الأرثوذكسية على حالها لم يمسسها إصلاح. وكل الذي حدث أن ظهرت ديانة/ مذهب مسيحي جديد آمن به جزء من العالم المسيحي يختلف عن الديانتين السابقتين في بعض الطقوس العبادية لكنه يتفق معها في العقائد الأساسية.(16)

6- اتسمت البروتستانتية بكثرة الانشقاقات، وتعددت الكنائس المختلفة عن بعضها بعضا في بعض المسائل اللاهوتية، ويعيد الباحثون سبب ذلك إلى المبدأ البروتستانتي الذي يتيح لكل مسيحي مؤمن حرية النظر في الكتاب المقدس وأخذ عقيدته منه مباشرة دون وسيط.

هوامش:

  1. المختصر في تاريخ أوربا الحديث، ص71 وما بعدها+ بشارة، ص183.
  2.  انظر: عزيز العظمة، مصدر سابق، ص27+ مختصر قصة الحضارة، ج3، فصل: اجتهادات العقل، ص 533 + عزمي بشارة ص 257و298+ ص358 فصل: الدين وبداية الاكتشافات العلمية.
  3.  مختصر قصة الحضارة، ج3، ص356+ بشارة 257و258و 278+ الأنا وتمثلات الآخر، مصدر سابق.
  4. بشارة ص 184.
  5. بشارة، فصل: فكر التنوير، ص495 وما بعدها، ج2م1.
  6.  بشارة، ج2م1، ص 291، وبشارة، ج2 م2، ص 119.
  7. بشارة، ص 242+ المختصر في تاريخ أوربا، ص126.  
  8. بشارة، ص245 و247و265و279+ المختصر في تاريخ أوربا، ص127.
  9.  بشارة، ص181+ المختصر في تاريخ أوروبا، فصل عصر النهضة، ص71 وما بعدها.
  10.  بشارة 255.
  11. بشارة، ص 255-256.
  12.  المختصر في تاريخ أوروبا ص29-32، ومختصر قصة الحضارة 278-282.  
  13. مختصر قصة الحضارة، ص 278- 280، بشارة، ص246.
  14. المختصر في تاريخ أوربا، ص30و161.
  15. من الحركة البروتستانتية إلى العلمانية السياسية، صلاح سالم، مصدر سابق. 
  16. النصرانية والإسلام، ص144+ أوليفيه روا، نقلا عن الأنا وتمثلات الآخر، مصدر سابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى