أدب

الطريق إلى الحرية.. حكايةٌ يمنيةٌ متجددة (2-3)

النجاة من.. جحيم الحوثي!(2-3)

تذكَّرها/ فتح عبدالباري

كانت مسألة مغادرة العاصمة صنعاء تراودني منذُ بداية الانقلاب الحوثي على الحكومةِ الشَّرعية، ذلك أنَّ الظُّروف الأمنية الطارئة، والوضع الشَّاذ الذي أنتجه الانقلاب، واندلاع عملية “عاصفة الحزم” وشن غارات خاطئة طالت منازل مدنيين بالقربِ من الأهداف العسكرية المعرضة للقصف، والأهم من ذلك حملة الاعتقالات والمطاردة والزَّج في السُّجون من قِبَل المليشيات الانقلابية، والتي طالت النَّاشطين السِّياسيين والحقوقيين والإعلاميين وغيرهم من المعارضين للانقلاب، ووضع المعتقلين في أماكن مستهدفة بالقصف من قِبَل الطيران الحربي للتَّحالف، كل تلك التطورات جعلت من مسألة الخروج من صنعاء خيارًا حتميًا حتى تضع الحرب أوزارها، وتعود الأوضاع إلى مسارها الطبيعي.

كان خروجي الأول من صنعاء مؤقتًا، بعد نحو شهر من اندلاع عملية “عاصفة الحزم”، قضيت في القرية حوالي شهرين وعدت، وغيرتُ مكان سكني إلى مكانٍ بعيد عن المكان الذي كنتُ أسكنُ فيه، خصوصًا بعد أن ثارت مشكلة مع أحد أبناء عاقل الحارة ومع ابن مالك البيت الذي كنتُ مستأجرًا شقة فيه، حدث ذلك أثناء احتشاد الحوثيين حول العاصمة صنعاء تمهيدًا لدخولها، وبدأت المشكلة عندما أتى ابن عاقل الحارة بورقة طالبًا تعبئة بيانات السُّكان المستأجرين فيها، ومن ضمن البيانات المطلوبة: المهنة، مكان وعنوان العمل، رقم السيارة في حال امتلاكها، عدد قطع السلاح ونوعها وأرقامها في حال امتلاكها، عدد الأبناء، بالإضافة إلى الاسم كاملًا واللقب ورقم البطاقة الشخصية وتوقيع الشخص وبصمته.

مضت بضع سنوات وأنا أسكن في صنعاء وأزور القرية من حينٍ لآخر، لم أمارس أي نشاط معارض للحوثيين، ولم أتحدث في شؤون السياسية أمام أي شخص من الجيران وسكان الحارة، ورغم عدم معرفة أحد بي، وكوني أيضًا بقيتُ منطويًا على ذاتي إلا من زيارات محدودة لبعض الأصدقاء، إلا أنني كنتُ دائم الشعور بالضيق والقلق وعدم الارتياح التَّام لما أراه من بلطجة وتشويه كل الأماكن العامة والمؤسسات التعليمية والطبية والمساجد وغيرها بالأصباغ والشعارات الطائفية والعنصرية وتكريس الخرافات والجهل والسيطرة على كل المساجد وتحويلها إلى منابر للدعاية الحربية والتحريض على القتل والكراهية وتخوين المخالفين واتهامهم بأقذع التُّهم وطغيان زوامل الحرب، وغير ذلك من المشاهد المثيرة للغضب, وتراكم الغيض من الداخل بسبب تكميم الأفواه والقمع والترهيب والعنف الذي تمارسه المليشيا ضدَّ المجتمع بشكلٍ عام.

بعد مكوثي في العاصمة صنعاء لسنوات توجهت في صباح يوم صيفي جميل، رفقة عائلتي، في زيارةٍ إلى القرية، وبعد خروج السَّيارة من صنعاء شعرت وكأنني تركت ورائي سجنًا كبيرًا، وكنتُ أتأمل في الأراضي الفسيحة والجبال الشَّاهقة ويخالجني الشعور بالطمأنينة المؤقتة في الطرقات التي لا توجد فيها نقاط تفتيش حوثية، وأتساءلُ في نفسي: لماذا لا أهيم في أرضِ الله الواسعة وأبحثُ عن مكانٍ آمن بعيد عن سيطرة مليشيات قادمة من ظلماتِ الجهل والشعوذة والدجل ولن يضيعني الله وسيأتي الرِّزق الحلال حيث سأستقر؟ وكلما أتأمل في الأراضي والجبال الخالية من السُّكان أشعر بأنني سأجد فيها طمأنينة وراحة نفسية أفضل من العيش في المدن أو حتى القرى الآهلة بالسكان حيث صار المرء لا يأمن من مكر ودسائس ووشايات حتى أقرب المقربين إليه، وهي وشايات كيدية وكاذبة لكن المليشيات تصدقها ولا تتأكد من مدى صدق ذلك.

بعد عودتنا من زيارتنا للقرية إلى صنعاء، كنتُ أشعر بالضِّيق والاكتئاب كلما اقتربنا منها، فرغم حيوية المجتمع فيها، ورغم أنَّ الغالبية من سكانها ينتظرون يوم الخلاص من الحوثيين لكنها بدت كئيبة لسوء ووحشية وعدم إنسانية من يحكمونها، وبدت العودة إلى صنعاء كأنها عودة اختيارية إلى سجن بعد الخروج منه، رغم أنَّ جميع مناطق سيطرة المليشيات تعد سجنًا كبيرًا لكن صنعاء زادها بشاعة كثرة الوشاة والمخبرين وما يسمى الشُّرطة السرية ومراقبة ومتابعة أي شخص يشككون فيه، حتى وإن كان شخصًا بسيطًا وربما أحيانًا لا يمتلك قوتَ يومه.

مكثت مدة معينة في صنعاء تواصلت خلالها مع عدد من زملاء المهنة في مناطق السلطة الشرعية لتحديد المنطقة الأنسب للنزوح إليها، وفي الأخير قررت الرحيل إلى مدينة تعز أنا وعائلتي والاستقرار هناك، وفي اللحظة التي كنا سنغادر فيها البيت بعد تنظيفه، أخذت القمامة الحاوية لمخلفات التنظيف لأرميها في برميل القمامة الذي كان بعيدًا جدًا عن البيت، فرأيتُ أن أضعها في الجزيرة الواقعة وسط الشارع كما نفعل أحيانًا ويأتي عمال النَّظافة لأخذها، وفي لحظة وضعي لها في الرصيف فوجئت بجندي يمسكني ويقول لأصحابه الذين تواجدوا فجأة حولي: (هذا خذوه فوق الطقم).. في الحقيقة ارتبكت لكن لم أشعر بالخوف، وقلتُ في نفسي: (ما هذا الحظ التَّعيس.. في آخر لحظة قبل مغادرتي صنعاء يلقون عليَّ القبض)؟

كرر الجندي كلامه لأصحابه: (خذوه فوق الطقم).. قلت له: (خيرًا إن شاء الله.. ما الذي حصل وماذا فعلت؟)، لم يرد على تساؤلاتي بسرعة.. لكني لم أشعر بالقلق لأنَّ الجنود كانوا هادئين واتضح فيما بعد أنهم يتبعون البلدية.. أمسك بيدي جندي آخر وقال لي: (هيا اطلع الطقم).. سألته: (لماذا؟ قال: أنت مخالف.. سألته: ما هي المخالفة التي ارتكبتها؟ قال: اطلع الطقم وراجع الإدارة).. رفضت صعود الطقم إلا بعد معرفة السَّبب.. قال لي: (أنتَ مخالف وعليك غرامة لأنك صاحب محل وترمي القمامة في الشارع).. حاولت إقناعه أنني لستُ صاحب محل وأنَّ القمامة من البيت.. ثم ألح عليّ بضرورة دفع غرامة أو أطلع الطقم.. قلت له: تعال معي إلى البيت لتتأكد أني أخذتها من هناك.. وفي الأخير قطع الكيس ليتأكد أنها ليست قمامة محل تجاري.. ثم طالب بدفع غرامة.. رفضت وقلت له سأعيدها إلى البيت.. وذهبت لرميها في برميل قمامة بعيد جدًا من البيت.

حمدتُ الله أنَّ ما حصلَ كان أشبه بـ( كاميرا خفية)، رغم الارتباك الذي سببه لي.. غادرنا أنا وزوجتي الشقة، وبدت لي تلك اللحظة مؤلمة نوعًا ما فنقل السكن إلى مكان لا يوجد فيه الحوثيون مغامرة متعددة الأبعاد؛ فهناك نقاط تفتيش وتحقيقات، والمدينة التي أريد الرحيل إليها معروفة بانعدام السَّكن فيها وصعوبة الحصول فيها على بيتٍ للإيجار، وأيضًا غلاء الإيجارات، ومتاعب نقل الأثاث وغير ذلك، وهنا بدا لي كم هي الحرية ثمينة، وكم من التضحيات تستحقها، وأنه مهما كان هناك من تعب لأجلها فإنه يهون، وإنه يظل أخفُّ وطأة من التَّعايش مع مليشيات تحشر نفسها في كل شيء، وتتدخل في أخص خصوصيات المواطنين، لدرجة تحديد قصة الشعر المسموح بها، والخطف الذي يطال حتى الأطفال والنساء، والاعتقالات والتعذيب في السجون بدون تهم، والمطالبة بمبالغ مالية كبيرة من أهاليهم مقابل الإفراج عنهم.

في الطريق لفتَ نظري قلة عدد النقاط الحوثية (حواجز التفتيش) قياسًا بما كان عليه الأمر سابقًا حيث كانت النقاط متقاربة والتفتيش دقيقًا، والسبب هو أنَّ معظم من كانوا في تلك النقاط أخذتهم المليشيات للقتال في الجبهات وتعويض ما تتعرض له من نزيف مستمر في المقاتلين، وما بقي من نقاط فإنَّ من هم فيها كانوا يسألون السائق عن نوع الحمولة في الخارج (كانت السيارة هيلوكس غمارتين وتقل حمولة في الخارج ملابس وأدوات خياطة)، ولم يطلبوا منا إبراز وثائقنا إلا في النقاط الأخيرة التي تقع بعدها نقاط تتبع الحكومة الشرعية، وبعد التفحص فيها ومطابقة الصور، يسألوننا من أين جئنا وأين سنذهب ولماذا؟ وكان كل واحد منا لديه إجابة مختلفة، واستثنوا من الأسئلة من لديهم عوائل ومن هم من أبناء المحافظة التي نحن ذاهبون إليها، وفي بعض النِّقاط كانوا يطلبون من السَّائق ألف ريال فيعطيهم 500 ريال فقط، وبعضهم يصرُّ على مبلغ ألف ريال وبشرط من الطبعة القديمة، وفي إحدى النقاط كان الشخص الذي فيها يريد مبلغًا من السائق لكنه يلمح تلميحًا، ويبدو أنه قدم للتو من قريته وكان يشعر بالخجل، عرف السَّائق ذلك ولم يعطه، وذهب بعد أن صاح عليه ومضى، وبقي هو  صامتًا يجلله الخجل, يتأمل السيارة وهي تبتعد عنه.

كنتُ في اللحظات الأخيرة متوترًا، وما إن وصلنا إلى أول نقطة (حاجز تفتيش) للحكومة الشرعية، ورؤية العَلَم الوطني يرفرف في المكان حتى شعرت بالفرح وانزياح كابوس كان جاثمًا عليّ، كما شعرت وكأنني خلقت من جديد، هنا بدت الأرض مختلفة، وبدا الجو مختلفًا، وبدا الناس مختلفين، حتى من كانوا معنا في السيارة شعرتُ أنهم اختلفوا، وقبلها كنتُ أتشكك في بعضهم أن يكون مخبرًا! وفي هذه اللحظات أحسستُ بحزنٍ عميق، وأنا أتساءل في نفسي: متى ستنتهي الحرب؟ متى سنشعر بالأمن والطمأنينة ونتنقل في بلادنا بحرية وبدون أسئلة عنصرية وأسئلة تعد انتهاكًا للخصوصيات؟

انتهت رحلتنا إلى الحرية لتبدأ بعد ذلك رحلة جديدة وشاقة، وهي البحث عن شقة أو بيت للإيجار.. وللقصة بقية.

Hekmah Yemanya

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوز للعصبياتِ والهُويات الضَّيقة, منفتح على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهري ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى