فكر

صراع الجماعات (الدِّينية) هل يبرّر المناداة بالعلمانية؟

أ.د. أحمد الدغشي

يُسألُ بعضهم عن سببِ رغبته في العلمانية, فيجيبُ بأنه يريد لمجتمعاتنا التي أثخنتها صراعات الجماعات الطَّائفية والمذهبية والإثنية: العلمانية التي لا تتعارض مع جوهر الدِّين،  حيثُ تدع لأهل الاختصاص أن يمضوا في تخصصاتهم، وأن يديروا الدولة بعيدًا عن سلطةِ (رجال الدِّين).

 وهذا المقال سيجيبُ عن هذا التَّصور من جانبين, على النَّحو الآتي:

الأول: إنَّ جوهر الإشكال لدى بعضنا يكمن في استيرادنا (المعلَّب) لتناقضات المجتمع الغربي في إشكاله مع الكنيسة إبان عصور الظلام(Dark Ages) الأوروبية تلك التي امتدت منذ نهاية القرن الخامس الميلادي حتى الحادي عشر، حيث تُعرف لديهم بالعصور الوسطى(Middle Ages)

ولاحظ كيف أنَّ بداية هذا العصر هو (476م)، أي تلك الفترة التي تمخضت فيها عوامل التهيئة والبشارات التي أرهصت بقدوم  الرسول محمد -صلى الله عليه وسلّم- عام(571م)، وتشمل مرحلة العهد النَّبوي والرَّاشدي وكل فترات الازدهار الإسلامي قبل الانحدار، الذي غشى العقل الإسلامي، منذ ما عُرف بعصور الانحطاط التي كان أبرز معلم لها ظاهرة إغلاق باب الاجتهاد، أو تراجعه العملي على نحو بيّن، منذ نهاية القرن الرَّابع الهجري ومطلع الخامس، بما يعني إلغاء ذاتية الأمة الإسلامية وخصوصيتها وكينونتها الحضارية، وهو ما غدا اليوم أشبه بمخرجات مرّة، نتجرعها كدواء لمعضلاتنا، على حين أنه الداء ذاته، نظرًا إلى أنَّ توصيف الحالة العربية الإسلامية ليس كتوصيف الحالة الغربية المسيحية، وحينها سيغدو الأمر أشبه بطبيبٍ يقدِّم دواء لحالة أخرى غير التي جاءته، بناءً على توصيف خاطئ للحالة، والنتيجة ستظهر في الآثار السَّلبية السريعة على صحة المريض بدل معافاته. 

ولا تفوتني الإشارة هنا إلى مدى الإفراط في تناول ذلك الدَّواء من قِبل البعض، حتى غدا أبرز مصطلح مسيحي يعني القسس والبابوات والمشتغلين بشؤونِ الكنيسة يتناول علماء الشريعة وفقهاءها ومفكري الإسلام بوصفهم (رجال دِين)، وذلك مؤشر على مدى تأثير المنهجية الغربية في تناول بعضنا لقضايا الدّين – أيَّ دين- محكومة بذلك المنهج، على حين أنَّ كل مكلّف في الإسلام ذكرًا كان أم أنثى  معني بدور (رجل الدِّين)! أي أنه مكلّف بتكاليف الإسلام، وينبغي أن يلتزم توجيهاته، في اعتقاده وعبادته وسلوكه العبادي العام والخاص، بوصفه مسلمًا، حتى لو لم تكن له علاقة بتلك العلوم والمعارف، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز:

{قل إن صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين، لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الآية:162-163). وهي آية واضحة صريحة في أنَّ شؤون المسلم محكومة بالجملة بمعايير الشَّرع الحنيف، في غير مغالاة ولا مجافاة، هو أمر يصعب تصوّره  – بطبيعة الحال- على من دَرَجَ في بحثه ومناقشاته على مسلك التجزئة والثنائيات، وجعل النَّموذج الغربي حاكمًا على فكره ومسلكه.

بناءً على كل ذلك فلا وجود لدينا مطلقًا على المستوى النَّظري صراع بين العلم والعقل والدِّين من جانب، أو بين الدّين والسياسة (Politics)– وليس التسييس (Politicization)– من جانب آخر – وذلك أمرٌ مركزيٌ في الحوار، وجدير بالتأكيد عليه بين الفيْنة والأخرى، إذ هو الإطار المرجعي أو البراديم ( Paradigm) لأي نزاع عملي قد يبدو مشكلًا في ثنايا تطبيق الفكر الإسلامي، وذلك على خلاف الوضع في المسيحية والغرب.

  وفق ذلك الإطار المرجعي تؤكد كل المعطيات القرآنية والنَّبوية، مؤيّدة بالعطاء العلمي والحضاري للأمة الإسلامية في عصور ازدهارها خاصة، تعانق العلم مع الدين، وتآزر التوحيد مع العقل والمعرفة البرهانية. 

وقد كتب في هذا مفكرون وعلماء وكُتَّاب غير مسلمين من مختلف التخصصات – ناهيك عن المسلمين- ولعل من أبرزهم كريس موريسون صاحب كتاب (العلم يدعو للإيمان)، أو موريس بوكاي في كتابه ( التوراة والإنجيل والقرآن في ضوء المعارف الحديثة)، أو ما ورد في كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) لأكثر من 30 عالمًا أمريكيًا، وغيرهم كثير، حيث تلك عناوين قديمة نسبيًا، هذا عدا ما كتبه أو قدّمه مبرّزون عرب ومسلمون في هذا الباب أمثال  موريس بوكاي، أو عبد الرزاق نوفل، أو نديم الجسر، أو وحيد الدّين خان، أو مصطفى محمود، أو صبري الدمرداش. 

كما أن الدِّين يحتوي على نصوص في القرآن الكريم والسُّنة النَّبوية  الصحيحة، والتَّطبيقات الفعلية في عهد الرَّاشدين وسواهم، تقدّم النِّظرية السياسية بوجه أخص، أما استغلال الدين لأغراض سياسية وهو التسييس (Politicization)   فهذا يحدث مع الدّين وغير الدين من المثل والمبادئ الإنسانية السامية، دون أن يدفعنا ذلك للتخلي عنها بدعوى أنها استغلت الدّين، كما أسلفت ذلك قبلًا .وهنا لن أنفك عن دعوتكم لمراجعةِ الفكرة على نحو من البسط في كتابي (قراءة حضارية في إشكالات فكرية معاصرة: من يمثّل الإسلام؟).

الثاني: إذا أدركنا الحقيقة الأولى السَّابقة في اختلاف جذور الفكر الإسلامي وحضارته عن مسار الفكر الغربي وإفرازاته؛ فلستُ أجد منطقًا علميًا، أو مسوِّغًا موضوعيًا للإصرار على أن تبقى العلمانية تحت أي عنوان (مؤمنة) أو (معتدلة) أو (جزئية) أو (ثالثة) أو (تمييزية) هي النَّموذج القياسي الحاكم (Paradigm) على كل علاقة بين الدّين والدولة، مادام أن الإسلام يمتلك نظاماً متفرّداً، في أصوله وكليّاته وفي تشريعاته ونظمه، بحيث لا يحتاج إلى نظامٍ آخر، على نحو استيراد أو تلفيق، مع بقاء مساحة في إطاره لما يسمّى بالمصالح المرسلة،  أو ما يمكن تسميته  اليوم بالمتغيرات والمستجدات أو (النَّوازل) -وفق التعبير الفقهي- أو هي تلك المسائل الجديدة لتي يمكن الإفادة في معالجتها من كل التَّجارب الإنسانية النَّاجحة، خاصة في الجوانب الإدارية والتقنية ونحوهما، ولكن في إطار  المرجعية الإسلامية الكليّة أيضاً. وحينها  ليس ثمّة ما يسوّغ الاستعارة الحرفية، أو الاستنساخ الأعمى  للنماذج الغربية أو سواها، أو حتى تقديم (خلطة) هجينة تقتحم أسوار مجتمعاتنا في سياق الغزوة الثقافية والهجمة الحضارية لقوى الاستعمار الحديث، سواء قام بها بعضهم بقصد أم بغير قصد، حين تقدّم بعناوين تلفيقية بديلة، خاصة إذا ما تذكّرنا  علاقة الودّ تلك بين العلم والدّين، وتوافر نظرية سياسية إسلامية متكاملة في البناءِ النَّظري، اشتغل عليها علماء ومفكرون في القديم والحديث، بعضهم من المحققين وأساطين الفكر السِّياسي الإسلامي، وبعضها أطاريح علمية من كبريات المؤسسات الأكاديمية بما فيها بعض الجامعات الغربية ذاتها. ومن العيب الأخلاقي والمنهجي، أن يشطّب على تلك الحقيقة وعلى كل تلك الجهود ، وترمى جميعها في سلّة المهملات، لمجرّد جهلنا بذواتنا، وتصديق ما يردّده خصوم الإسلام أو الجاهلون بحقيقته من أبنائه، والافتتان بما أصفه (معبود) أو (مقدَّس) العلمانية، وذلك بعد أن يلاحظ ذلك الإصرار على الجهل بالذات، والمسارعة إلى تصديق وهم الحتمية في استيراد أو تلفيق نموذج علماني أو علماني بهذه الصيغة أو بتلك، ولا خيار لك إلا العلمانية بأيّ من صيغها، بوصفها غدت النَّموذج القياسي الحاكم الحتمي، ولا موقع لسواها، وإذا وجد فبتكييفه معها، بحيث لا يخرج عن أيّ من صيغها! هذا رغم أن ثمّة اعترافات ينوء بإيرادها المقام في الاعتراف بهكذا حقيقة، أعني حقيقة أنَّ الإسلام يمتلك نظرية شاملة توائم بين جوانبه المختلفة بما فيها النَّظام السِّياسي. وإذا كان من المعلوم لدى البعض أنَّ ثمة مؤلّفين وباحثين وعلماء وكتابًا ومفكّرين غير مسلمين اعترفوا بتلك الحقيقة عن الإسلام فأنصفوه؛ فإنَّ من النَّادر – في ظني – الاعتراف بالحقيقة ذاتها من قبل كتّاب الموسوعات والقواميس والمعاجم ودوائر المعارف ونحوها، على ذلك النَّحو بدون إضافة ما يعني براءة  الكاتب أو فريق العمل  من الاقتناع بذلك، وغاية ما في الأمر أنَّ الإسلام يقدّم على ذلك النَّحو من قبل أتباعه، بيد أنه لفتَ نظري عمل غراهام ايفاتز وجيفري نوينهام في قاموسيْهما عن العلاقات الدولية عند تعريفهما للإسلام، حيث ميّزا بينه وبين اليهودية والنَّصرانية – وهما من الدِّيانات السَّماوية الأصلية-  بكون الإسلام هو الدِّين الوحيد الذي يتميّز بامتلاكه نظامًا شاملًا، حيث يعدّ “هذا الصهر للجوانب الأساسية والقانونية والروحية في نظام معقّد واحد هو الإنجاز الفذّ العظيم للتعليم الإسلامي. فالثنائية المسيحية بين ما هو مقدّس وما هو دنيوي، وبين الكنيسة والدولة، وإعطاء قيصر ما هو لقيصر، ولله ما هو لله، هذه الثنائية لا يُعترف بها بهذا المعنى في الإسلام…” (1) .

إننا – أيها القارئ العزيز-  حين نميّز بين توافر النَّظرية وسلامتها من جانب، والتَّطبيق وما قد يعتريه من أخطاء محتملة عند التَّطبيق شأن أي عمل إنساني من جانبٍ آخر؛ فإننا نهدفُ كذلك إلى إبراز الفرق بين هذه الحالة وحالة فقدان الفكر الكنسي تلك الميزة الإيجابية، وهذا محدّد أساس للحوار.

لا يخرج تطبيق النَّظرية السياسية الإسلامية عن أي تطبيق إنساني، أي أنه عرضة للخطأ كأي عمل يقوم به فرد أو جماعة، وهنا تبرز المساحة الواسعة للمرونة وإعمال العقل والاجتهاد، والاستفادة من تجارب الآخرين، في ضوء المحدّدات الكلية للنَّظرية.

أؤكِّد – عزيزي القارئ – أنه في  حالةٍ واحدة فقط يحقُّ لنا أن نبحث عن صيغةٍ توفيقية تحت أيِّ عنوان من تلك العناوين أو سواها،  إذا ما تمَّ البحث العلمي والسَّبْر المنهجي الدقيق للنِّظام السِّياسي الإسلامي، وتوصلنا إلى أنَّ الإسلام نظام عاجز عن تقديمِ الحل في مجال التربية أو السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، أو سواه؟ أمَّا الإصرار على تقديم بدائل علمانية أو علمانية، بسبب استعارة نماذج، على خلفية فكرية معيّنة، وظروف مختلفة اختلافًا بعيدًا، فهو اعتباطٌ منهجي، وخلل في التفكير وإشكال أساس في نظرية المعرفة، وحاشاك أن تنزلق إلى ذلك.

هوامش:

(1) غراهام ايفاتز وجيفري نوينهام، قاموس العلاقات الدولية، ص 383، مادة الإسلام ( Islam)، 2004م، ط الأولى، مركز الخليج للأبحاث (ترجمة المركز).دبي-  الإمارات العربية المتحدة.

أ.د أحمد الدغشي

أ.د أحمد محمد الدغشي أستاذ الفكر التربوي الإسلامي بجامعتي صنعاء - اليمن وإغدر (الحكومية) التركية لديه ٢٤ كتابًا منشورًا، وكتب أخرى تنتظر النشر. -حاصل على جائزة رئيس الجمهورية التشجيعية للبحث العلمي في ٢٠٠٩م. -شارك في عدة فعاليات وأنشطة فكرية وتربوية في العالم العربي وفي أوروبا وأمريكا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى