فكر

القيم الإنسانية بين الثَّقافة والعلم (1-2)

د. الحسان شهيد

أستاذ التعليم العالي، كلية أصول الدين، تطوان

مدخل:

إذا جاز لنا توصيف التحدي الذي يواجه الإنسانية اليوم فلا نجانب الصَّواب إذا اعتبرنا التَّحدي القيَمِي أخطره وأشده إلحاحًا في الإنذار،  لأنَّ إطلاق العنان للعقل بكل مكوناته وأساليبه ومناهجه في خدمة مصالح الإنسان على مستوى الفرد دون مراعاة لمصالحه الجماعية بحسب مآلات تصرفاته في المستقبل, نتجَ عن ذلك تفريط واضح في الجوانبِ الثَّقافية بما فيها القيمية والأخلاقية التي تؤسس للعيشِ المشترك والوجود المستمر للإنسان.

تحاول هذه المقالة بيان الاكتساح المادي للإنسانية على حسابِ الجوانب القيمية بحججِ خدمة الإنسان، رغم الأخطار المحدقة بالبنى الثقافية وذاكرة الإنسان وقيمه النَّبيلة. وكيف استطاعت الآلة العلمية والتقنية من خلق تصدعات كثيرة في البنى الاجتماعية والثقافية للشعوبِ الإنسانية؟ 

أولًا: القيم مناطات التثاقف الحضاري

إنَّ الأصل في مناطاتِ التثاقف الحضاري عبر التاريخ البشري هو رعاية القيم الإنسانية؛ باعتبارها روح ثقافة المجتمعات، التي تقصد بها كليات الوجود من توحيد إلهي، واستخلاف أرضي، وشهود إنساني، ومهما اختلفَ هذا التثاقف وتعدَّدت أشكاله ومظاهره؛ سلمية كانت أو حربية، فإنَّ معادها ينتهي عند الأبعاد القيمية، لأنَّ الإنسان يبقى في الأخير أحد القائمين على تلك القيم خلال الدورات الحضارية المتوالية.

لذلك، فإنَّ مفاهيم الصِّراع والتَّدافع والتثاقف، أو غير ذلك من مفردات التواصل والاحتكاك بين الثقافات أو الحضارات، يمكن اختزالها في تدافع حضاري يتحقق مناطه في تدافع قيمي تنتهي إبعاده عند إثبات أو إلغاء القيم الإنسانية بين النَّاس.

وقد يلبس ذلك التَّدافع لبوسًا سياسيًا أحيانًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا تارة أخرى، إلا أنه في خاصية جوهره؛ وخلفية مظهره؛ له امتدادات قيمية إما ترسيخًا؛ أو إعادة اعتبار لقيم العدل والحرية والكرامة، وذلك ما تلخصه المقولة الشَّهيرة للصحابي الجليل ربعي بن عامر ذلك الجندي البسيط في جيش الخليفة عمر ابن الخطاب خلال معركة القادسية، حينما دخل على رستم ملك فارس و سأله ما الذي جاء بكم، فأجابه بكل عزةٍ و ثقة: “جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها و من جوْر الأديان إلى عدلِ الإسلام”[1].

إنَّ قيم العدل والحرية والكرامة قد أفصح عنها ربعي بشكلٍ مباشر، وهي المقاصد الكلية الكبرى للصراع والحوار والتَّدافع بين الثقافات والحضارات، هذا بغض النظر عن الفهوم المختلفة التي قد تمنحها الثقافات والحضارات لهذه القيم، إلا أنَّ هذه المفردات القيمية لا تنفكُّ عن المفاهيم الإنسانية اللصيقة بالتفسير الروحي والعقلي والجمالي للإنسان.

وحتى الغرب في صراعه اليوم مع ما يسمى بـ”الإرهاب” يخوضه باسم الحريَّة والعدل والكرامة، و إن اختلفت الآليات والتفسيرات والمفاهيم.

إن تمظهرات التدافع القيمي بين الثقافات لم يخرج عن أشكال تقليدية وصور بدائية تبدو في الحروب والغارات على وجه الخصوص، لكن الوقت المعاصر تعقدت فيه أوجه الصراع والتدافع بتعقد المستجدات الحضارية وآليات التواصل من إعلام وتقنية وعلم، وغير ذلك. وفي هذا الاتجاه يقول سيرج لاتوش:”والواقع أنَّ عمليات إدخال القيم الغربية، قيم العلم والتقنية والاقتصاد والتنمية والسيطرة على الطبيعة هي دعائم محو الثقافة، إنَّ الأمر يتعلق بتحويل عقيدي حقيقي، والحقيقة أنَّ العنف يدمِّر أكثر مما يؤدي إلى تحول عقيدي حقًا، ويعني الغزو الروحي أنه يمكن إقامة اتصال بين الغرب التوسعي والعوالم الأخرى، ويفترض الاتصال شيئًا ما كحاجات مشتركة كقاعدة لتبادل ممكن، ولا ينبغي أن تخدعنا هذه المفردات الاقتصادية، فالمسألة هي قبل كل شيء مسألة قيم لا ترتدي شكل سلع إلا بصفة عارضة”[2].

ثانيًا: القيم الإنسانية بين الثقافة والعولمة

إنَّ مشروع العولمة باعتباره أحد أشكال التَّعارف الثقافي والتدافع الحضاري بمثابة أجلى الصور التاريخية الخطيرة في تهديد الأسس الإنسانية للمنظومة القيمية لدى الثقافات المتعددة، سواء طال ذلك الخطر المستوى الفردي أو الأسري أو المجتمع أو العالم ككل، “إنَّ العولمة تعني  مركزة السلط،  كل أشكال السلط، وليس فقط السلطة السياسية،  هكذا فإن شركتين أمريكيتين،  وهما General motors وExxon، تحققان لوحدهما رقم معاملات يفوق مداخيل الهند ذات المليار نسمة”[3]، ومن أهمّ المداخل الكبرى للعولمة في هذا التهديد أربعة مداخل:

المدخل الأول: جانب العلم ويتشخص ذلك في ما أسداه البحث العلمي اللامحدود من خدماتٍ للإنسان في اتجاه الاستخلاف والشهود بقطع النَّظر عن أبعادهما الثقافية، قد يتجاوز ذلك إلى المساس بالجوانب الروحية وما يتعلَّق بها من قيم إنسانية نبيلة خصوصية أو عالمية.

المدخل الثاني: جانب المال ومن أدقِّ تجلياته ما أضحى يعرف بالخوصصة أو الخصخصة، وهي من أشد الخصوم المفترضين لمنظومة القيم، لكونها لم تعد مبدأ تهديد للمخيال الجمعي للخدمات المادية المشتركة، بل أصبحت مخاطرها تطول الأبعاد القيمية في الإنسان بما في ذلك الجوانب الروحية. حتى أصبحت مجموعة من قيمنا الإنسانية تنقض عروة عروة بتأثير من التشييئ المادي لمضامينها.

المدخل الثالث: جانب الإعلام، وهو من  المداخل الأكثر خطورة على القيم الإنسانية، لما يحمله من رموز متعينة وسميائيات فكرية عابرة للثقافات وخارقة للحضارات، إن على المستوى القيم النفسية أو الأسرية أو الاجتماعية أو حتى العالمية.

المدخل الرابع: جانب القوة: إنَّ دلالات السُّلطة المتضمنة في أوجه العولمة بصياغتها القسرية “الفوعلة” بما تحمله من فهومات الإكراه في التغيير، من تحويل ثقافي وتغيير حضاري ستطول لا محالة المفردات القيمية لدى الإنسان، وأولها مفهوم الحرية أو اللاإكراه في المعتقد، أو في الفكر، وهذا مؤشر على أنَّ الدفع في هذا الاتجاه يمنح الأولوية للمظاهر على الجواهر وذاك من أسرار فشل هذا المشروع.

وسأحاول النَّظر في كل جانب على انفراد مُبْديًا الأخطار التي تحدق بالمفاهيم القيمية في ظلِّ الاكتساح القهري لأسلوب العولمة لما تبقى من قيم إنسانية مشتركة في خضم التَّدافع الحضاري المعاصر.

إنَّ مما تتميز به العولمة في هذا التدافع الحضاري المعاصر هو انطواؤها على خلفية اختراقات ناعمة للقيم الإنسانية ويبدو ذلك في أمرين:

الأول: أن العولمة المعاصرة بمظاهرها وتجلياتها تتسلل إلى المناطق الحساسة في القيم الروحية، إلى أن يستأنس الإنسان مع أشكال تطبيعية إلى درجة العادة والأمر الواقع.

الثاني: أن مبلغ التطبيع والتعاقد النفسي مع الأشكال العولمية التي تمسُّ الجوانب القيمية في الإنسان، يصعب معها التخلص من تلك الأشكال وإعادة الاعتبار لتلك القيم خلال مرحلة معينة من مراحل ذلك التطبيع. مما يتطلب جهدًا ضافيًا ومدروسًا في تغيير الوضع القائم.

ثالثُا: القيم والعلم، أو القيم بين الخصوصية والتقنية:

يمثل البحث العلمي رأس سنام الحضارة الغربية المعاصرة، إذ لم يعد أي مجال إنساني اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي في منأى عن التدخل السَّافر للنزعة العلمية، وذلك من بواكير المشاريع المرافقة لخط العولمة القاهرة لكل ما هو في غنى عن استعارةِ العلوم، إلا أنَّ خطورة الأمر المشار إليه هو ذلك الانتقال البطيء والمستتر لآليات العلم وتقنياته المادية إلى ما هو روحي ووجداني وقيمي في حياة الإنسان، قد يفقده خصوصياته الثقافية أحيانًا، ويفرغه من مضمونه الوجداني أحيانًا أخرى، ولبيان ذلك هذه بعض الأمثلة توضح المقصود:

أ- الاستنساخ: يبدو أنَّ التجارب العلمية المتناسلة خلال العقود الأخيرة قد أدخلت الإنسانية في أتون متاهات علمية وقيمية، لها خطورتها المنعكسة على الإنسانية، سواء على المستوى النَّفس أو مستوى النَّسل، هذا إذا افترضنا عدم طول تلك الخطورة مستويات أخرى كالعقل والعرض وما شابه ذلك، فعلى المستوى الأول؛ فإنَّ اغتيال القيم في ولوج عالم الاستنساخ الحيواني الذي أثار ضجة عالمية حول الشاة “دولي” سيشكل خطورة غذائية كما تقول التقارير العلمية على النفس الإنسانية بظهور أمراض خطيرة لا قبل للإنسان بها، وأما على المستوى الثاني؛ فإنَّ غياب القيم والأخلاق في طرق باب الاستنساخ الإنساني ستكون أشد خطورة على الوجود الإنساني برمته.  

ب- تجارة طب الأعضاء: من مظاهر الردة القيمية التي عرفها عالمنا المعاصر، ما أضحى يُعرفُ ببيعِ الأعضاء البشرية وهي تنعم بالحياة والتجارة في عملياتها الوظيفية، عبر تخلي أشخاصها عنها وإلحاقها بغيرهم مقابل ربح مادي, وفي ذلك اعتداء صارخ على قيمة الحياة الإنسانية, و إلحاق الأذى بها سواء في الحال أو المآل. وهذا إن توافق عليه البعض في ثقافات معينة بداعي الحرص المادي لا يليق في بعض الخصوصيات الثقافية ولا مساغ له. 

ج- ترقيع البكرة: إنَّ قيمتي الشرف والكرامة عند البكر تتجسد على الخصوص في بكرتها، وأيما خدش لحقها أو فظ تعرضت له فقدت ما تملكه من قيم الأنوثة الشريفة، وقد تمكن العلم الحديث من محاولة ترقيع البكرة كلما تعرضت للدمار، فلم يعد للتي افتظت فكرتها سواء سفاحًا أو زنًا أو اغتصابًا أو غير ذلك من الطرق غير المشروعة حرج, أو مشكل نقصان من كرامتها، فالعلم قد أمَّن لها استعادة قيمتي الشرف والكرامة، وفي ذلك تشجيع عظيم على الفساد والسفاح في المجتمعات الإنسانية التواقة إلى القيم النبيلة التي تنشد العفاف والطهر، كما سيكون لذلك انعكاسات سلبية وخطيرة على تماسك المجتمعات.

د- الهاتف النقال: لا أحد يشك فيما قدمه اختراع الهاتف النقال من خدمات إنسانية جليلة في مجالات شتى، لكن ذلك لا ينبغي أن يعمينا عن بعض المفاسد والآثام التي ترتبت عن ذلك في الحال، وما يحدث في المآل، خاصة في علاقته مع بعض القيم المطلوب رعايتها وحفظها ويمكن الاقتصار على ذكر بعض من ذلك، ألم يحل الهاتف النقال في كثير من الأحيان محل القيام بصلة الأرحام والإقبال على تقديم التعازي وزيارة المريض وتلبية دعوة الأفراح والمناسبات، فيكتفي المرء بمكالمة هاتفية لا تكلفه غير ثمن بخس دراهم معدودة رغم أن عددًا من تلك القيم لا تعوضها تلك البدائل المتوهمة، فصلة الرَّحِم تدعو لواصلها وتدعو على قاطعها، وزيارة المريض من واجبات المسلم على المسلم، وإجابة الدعوة من حقوق المرء على المرء.

هـ –كراء الأرحام: دخل البحث العلمي في المرحلة الأخيرة خاصة في المجتمعات الغربية طفرة نوعية من حيث اقترابه أكثر من الحياة البشرية، فظهرت تقنيات الهندسة الوراثية وما يستتبعها من تغيير وتهييء للخلق البشري، وعلى رأس ذلك كراء الأرحام بالنسبةِ للزَّوجات الرَّاغبات في التَّخلص من أتعاب الحمل وأعباء الأمومة، واستخدمت في ذلك تقنيات علمية دقيقة لأجل صياغة أمومة مفترضَة, الأمر الذي لا ينسجم مع قيم إنسانية تنضج في الكينونة البشرية منذ نشأتها، فهل يمكن لذك تعويض قيمة الأمومة الحقيقية، وهل تستطيع الأم الحاملة التخلص من قيمة الأمومة بعد حمل ووضع المولود و تسليمه إلى المكترية؟ وكيف ينعكسُ ذلك على مستقبل البشرية، وخاصة على القِيَم الإنسانية بالأسر والمجتمعات الأكثر ارتباطًا بتلك القيم؟. لذلك فإنه من الأهمية بمكان بالنسبة إلى العلم والمجتمع على السواء أن يتبع العلماء معايير ملائمة للسلوك، وأن يتعلم العلماء كيف يدركون الحيثيات الأخلاقية في العلم، و أن يفكروا فيها وأن ينظر العلماء إلى العلم على أنه جزء من سياق اجتماعي، واسع ويثمر نتائج مهمة للجنس البشري”[4].

وأضف إلى ذلك موضوعات أخرى كشراء الأعضاء وغيرها كثير لا يتسع المجال لذكرها بالتفصيل. وفي هذا السياق يقول مصطفى المرابط: “إنَّ العلم الذي تستند إليه العدمية لا يعترف إلا بحيوانية الانسان، البعد المادي، ومن هنا إصراره على تدمير أعز ما يملك الإنسان، البعد المتسامي، قد لا نجد أوضح من القاموس القرآني في وصف أبعاد الإنسان الشَّاملة، وباستعارتنا له يمكن أن نلخص فعل العدمية الذي يتجلى في فصلها نفخة الروح عن قبضة الطين، وفي كونها ألغت الأولى وتصدرت الثانية مسرح الحياة”[5].

ستناول في المقال القادم – القيم والإعلام, أو القيم بين  الهوية والصورة.

هوامش:

  1. أنظر المقولة مع القصة كاملة لغزوة القادسية في الدمشقي، إسماعيل ابن كثير، البداية والنهاية، خرج أحاديثه محمد بيومي، عبد الله المنشاوي، محمد رضوان مهنا، الدار الذهبية، القاهرة، مصر، 7/38.
  2. لاتوش، سيرج، تغريب العالم، ترجمة خليل كلفت، النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1999، ص64.
  3. المنجرة، المهدي، قيمة القيم، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ط2، 2002، ص77،78.
  4. رزنيك،ديفيد ب، أخلاقيات العلم، سلسلة علم المعرفة، عدد 316، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، يونيو 2005، ص249.
  5. المرابط، مصطفى، هزيمة الانسان أو الولادة الثقافية للإنسان المعاصر، العلم والثقافة أية علاقة؟، ملتقى فكري لمجموعة بحث في العلم والثقافة، دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1998، ص37.

د. الحسان شهيد

أستاذ التعليم العالي، كلية أصول الدين، تطوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى