المدونة

سيرة مدينة: الدريهمي من التَّهميش إلى واجهةِ الأحداث

سالم المهيم

أديب وناقد

تتفتحُ رؤاكَ على عوالم طقسية دينية وفطرية، تأخذ تشكلاتٍ مختلفة من العبادات، إلى أشكال شبه فلكلورية، مثل الفعاليات الاحتفالية بالمناسبات الدِّينية، كالموالد المختلفة، أو الفعاليات المصاحبة لحصاد النَّخيل كمهرجاناتِ الخُمُس، (جمع خميس)؛ لأنها تقامُ في أيامِ الخميس فقط.

كل ذلك تتفتح رؤاكَ عليه، في بلدةٍ صغيرة تتوسط السَّهل التهامي، يعمل أهلها في حرفتيْن رئيسيتين: الحياكة، وزراعة النَّخيل بشكلٍ خاص ثمَّ غيرهما، وتعتمد هذه البلدة في رؤاها وأفكارها حول الوجود والحياة، على مصادر دينية قارة، وتصورات بدائية، وتستخدم الشَّفاهية في الأغلب؛ لنقلها إلى الأجيال الجديدة، وعبر الخبرة العملية، وتصل هذه التصورات والتمثلات عمليًّا محاكاةً أو تقليدًا طوعيًّا قائمًا على التَّفاعل والانسجام، ولم يكن يوجد بهذه البلدة سوى مدرسة واحدة صغيرة من بقايا العهد العثماني الأخير في اليمن، ولم يكن يدخلها ويتم الدراسة فيها إلا قلة من أبناءِ الموسرين وهم في الغالب من أبناءِ الأشراف، بل إنَّ كثيرًا من الآباء كانوا يبذلون الأموال من أجل إخراج أبنائهم منها، لاحتياجهم إليهم لمساعدتهم في أعمال الحياكة أو غرس النخيل.

لم تبدأ بلدتنا في الانفتاح على الحياة بشكل أوسع إلا في عهد الرئيس الرَّاحل إبراهيم الحمدي, فتمَّ افتتاح أول مدرسةٍ ابتدائية في 76 وكذلك أول مشروع للمياه ووضع حجر الأساس لمشروع الكهرباء الذي لم يرَ النور أبدًا إلَّا في بداية الألفية الثَّالثة. 

بلدتنا هذه لم تكن منطويةً على نفسها بصفة دائمة بل إنها أخرجت للوجود أحد أكبر محدثي اليمن ومسند زبيد في عصره يحيى بن عمر مقبول الأهدل الذي تحدَّثَ عنه الإمام الشَّوكاني في البدر الطَّالع وترجم له ترجمة ضافية.

هذه البلدة التي استغلت عمل أهلها في الحياكة أجمل استغلال فتحولت معامل الحياكة التي نسميها بصيغة الجمع (معارين) جمع (عرين) وهو معملٌ صغير لشخصين لصناعةِ الألحفة جمع (لحاف)، وإنتاج المعاوز والوسائد وسواها، قلت أصبحت هذه المعامل إضافة لدورها الأساسي خلايا نحل لتعليم القرآن واللغة والأدب، فما من عالمٍ إلا وله مريدون وطلبة يذهبون إلى عرينه لأخذ العلم الشَّرعي والأدب منه والتتلمذ، خاصَّة في حارة الضحاوية التي كان لها أزيز كأزيز النَّحل بأصوات عذبة ترتِّل وتتعلم كتاب الله وحديث رسوله وعلوم اللغة والأدب.

ومن هذه المعامل تخرَّجَ العلماء والفضلاء وصُنَّاع الأنسجة والألحفة والمعاوز وكذلك زُرَّاع النخل، هذه الشجرة المباركة التي كانوا يقتطعون بعضًا من أوقاتهم للعناية بها وغرسها وسقيها وتنظيفها وإزالة الأشواك عنها وتهيئتها للنضج والإثمار مستقبلًا، هذه بلدتنا التهامية الواقعة جنوب الحديدة بكيلو مترات معدودة، وكل الأراضي الممتدة من الحديدة إليها داخلة في المخططات الحضرية والمجمعات السكنية التَّابعة للحديدة، ولكنها عاشت على الهامش، ولا تنال نصيبًا من أي مشاريع خِدْمية ولم تَرَ بوادر الأمل إلا بعد ثورة 11 فبراير، فجاء الخط الدولي السَّاحلي الذاهب إلى عدن من غربها، وبُنِيَ المستشفى الريفي، ودخلت شبكة الاتصالات الهاتفية، والشبكات الخاصة، وبدأت تتفتح على منجزات العالم المعاصر رغم أنها ما تزال محصورة في الداخل بعيدًا عن الخطِّ الدولي بخمسة كيلومترات عجزت الدولة عن ربطها به لتظل حبيسة العزلة.

رغم ذلك فبلدتنا هذه أول بلدة تهامية عُيِّنَ منها محافظ في تهامة وهو حسن مقبول الأهدل الذي عُيِّن محافظًا للمهرة، وهي التي أنجبت الشيخ محمد علي عقيلي، كان مديرًا لبلدية الحديدة في زمنٍ سابق، وكذلك إحدى نسائها هي التي أنجبت يوسف محمد الشَّحاري الشاعر والمناضل والنيابي المعروف، وكذلك حسن السَّقاف أول مدير لبلدية الحديدة وصاحب فكرة أول خط لربطها بالحديدة رغم فشل المشروع، وهي التي أنجبت العالم الفقيه النَّائب/ عبدالله إبراهيم الضحوي صاحب ديواني “خلجات قلب”، و”تراتيل الجداول”.

ورجل السِّياسة والشعر الشيخ هبة الله علي شريم رئيس فرع اتحاد الأدباء والكتَّاب اليمنيين بالحديدة لدورات عديدة، والنَّائب البرلماني لدورات عديدة كذلك، وهناك أدباء وعلماء وشعراء لا يحصَوْن قدمتهم إلى ساحةِ العلم والإبداع والأدب.

رغم كل ما ذُكِرَ فقد كانت تعاني من التهميش وقلة الخدمات وتهميش إنسانها والفقر المدقع بعد التحولات الاقتصادية وتهاوي حرفة الحياكة وسقوطها أمام المستورد الخارجي وكذلك ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وحلول كارثة الجفاف بوادي النخيل المصدر الرئيسي للدخل وهجرة الأيدي العاملة إلى المدن والسعودية، وجاءت كارثة الحرب الفاجرة فأهلكت الحرث والنَّسل وأصبحت الدريهمي والنخيل ميدانًا للموت والخراب والدمار وهُجِّرَ كل سكان الدريهمي إلى كل بقعة في اليمن وسقطت مئات الأنفس قتلى وجرحى إن لم تكن آلافًا، وأصبحت الدريهمي الوادعة السَّاكنة في وسط تهامة عنوانًا لأخبار العالم بعد النِّسيان والتَّهميش دون حلول أو بوادر أمل على المدى المنظور للسُّكان المشردين الذين يعانون الفقر والتشرد والشتات والظلم والجوع.

فما من بقعةٍ في أرض اليمن إلَّا دخل بها مشردو الدريهمي على المدارس والأماكن العامة وحتى الشوارع، فكيف لك أن تتحدث عن سيرةٍ إنسانية ومحاولات للإفلات من واقع التهميش، أنتَ ورفاق دربك من هواة المعرفة وشداة الأدب والثقافة بتأثير الدراسة والخروج إلى المدينة ومواصلة التعليم والانفتاح على عوالم معرفية وثقافية وأدبية كانت مجهولة بالنسبة لكم.

فالثقافة التي نشأتم عليها إمَّا ثقافة تقليدية تراثية، وإذا تجاوزت ذلك فإلى شوقي والعقاد وحافظ ورشيد رضا، أو فلكورية شعبية تتمثل في الشعر الشعبي الساخر وقصص الصالحين التي تشبه الأساطير في مضمونها وأحداثها، ولكن بعد الدراسة الجامعية والانفتاح على عوالم ثقافية وأدبية بدأ ثلة يمارسون الكتابة الأدبية بمعناها الحديث، وكانت تقام فعاليات يُدعَى إليها بعض وجوه الساحة الثقافية في الحديدة وتهامة مما أتاح للكثيرين الاطلاع على تجارب جديدة ومغايرة للمألوف..

وفي أواخر التسعينات قمنا ثلة من الشَّباب بتأسيس منتدى ثقافي أدبي, وأصدرنا نشرة ثقافية تركت صدى جميلاً لدى المثقفين من أبناءِ المديرية وغيرها, ونظَّمنا فعاليات ثقافية بمشاركة اتحاد الأدباء والكتاب-فرع الحديدة، وشارك أدباؤنا في فعاليات الاتحاد، وبدأنا نتلمس طريق الانفتاح والتَّعارف والخروج إلى الحياة العامة… ولكن أمراض المجتمع اليمني قريب العهد بالتجربة الحزبية والتعدد بدأت تلقي ظلالها، وبدأت تدخلات الأحزاب تعيق هذه الخطوات وكل جهة تحاول تجيير هذا النشاط لصالحها وصالح أفكارها وتوجهاتها ووصل الأمر إلى السلطة فبدأ النشاط يذوي، والنشرة يتعثر صدورها، والتعصب يدمر كل شيء أمامه، وتهاوت الأحلام والطموحات.

كنا قد اكتشفنا جميعًا مواهب عديدة في جوانب إبداعية في القصة والشعر والمسرح كتابة وتمثيلًا وإخراجًا، وفنون الرَّقص الشعبي وأعدنا اكتشاف علماءنا في اللغة والدِّين السمح, وخبرات زراعية، وحياتية، ورغبات في التطور والانفتاح والنَّفع وجلب المصالح العامة وتحسين مستوى الحياة، وامتلاك زمام المبادرة، والخروج من قوالب الانطواء والتهميش، والبحث عن مصالح المجتمع، وعرفنا مكامن الضَّعف وقلة الحيلة، وأسباب الجوْر الذي يلقي ظلاله على الإنسان التهامي، كجزء من غياب العدالة في بلادنا

ولكن تيارات السياسة العمياء والسلطة التي لا ترى في أبنائها سوى أدوات شطرنج وقطيع يُقاد بالصلف والقوة جعلنا نتراجع وننكفئ.

وحين أطلت الألفية الجديدة وبمرور بعض السنوات وعودة زخم الاهتمام بالثقافة والأدب والتراث والفنون والفكر خاصة في عهد وزير الثقافة خالد الرويشان عاد الاهتمام بإنشاء المنتديات الثقافية والأدبية في كل أنحاء البلاد ومنها بلدتنا، فتمَّ تأسيس منتدى ثقافي أدبي برعاية وإشراف وزارة الثقافة وشغلت فيه موقع الأمين العام، 

وعدنا مرة أخرى للمشاركة في الفعاليات وتوفَّر لنا مقر، وأصدرنا نشرة ثقافية أدبية أكثر تطورًا وغنى بالمواد والأفكار والمضامين الجمالية وزرنا مديريات عديدة بالتنسيق مع فرع اتحاد الأدباء و المنتديات الأخرى في مديريات المحافظة و برعاية من الأديب الراحل جابر الشراخ رئيس فرع اتحاد الأدباء ودعونا خبراء مختصين وأدباء كبار للمشاركة وزيارتنا في المديرية يمنيين وعرب، من جامعة الحديدة وأدباء شباب. وشاركنا في المهرجانات والأسابيع الثقافية، وبدأ المتلقون يكتشفون ما تُخزِّنه هذه المدينة من أصوات إبداعية مختلفة، في الشعر والقصة والمسرح أصوات جديدة شابة وأخرى كبيرة عاد لها النشاط والحيوية، 

وككل انفراجة بدأت الأحلام تنمو وتكبر ونتطلع إلى طباعة أعمال إبداعية، والخروج من مأزق التخلف والجور إلى رحاب الإبداع والحرية والعدالة والغد الأجمل، لن أدون أسماء مبدعينا وأذكرهم فليس هنا مقام ذلك، وإنما هي سرد تجربة انعتاق لمدينة وأناسها من حبائل التهميش والجمود…….

وتحسنت طريقة الحياة نوعًا ما ودخلت جزئيًا خدمات الاتصال والكهرباء المحلية. ومثل كل الأحلام والآمال في بلادنا سرعان ما تتكالب هجمات الانغلاق والتسلط، فالثقافة بعد الرويشان عادت إلى الانكفاء، وتقطعت بنا السُّبل وتفرقنا شذر مذر، وغادر من غادر وبقي من بقي، وساد الإحباط.

وكنتُ ممن انتقل إلى الحديدة في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة. وبدأت مشوارًا جديدًا فيها ,تعرفت بصورة أقرب على المشهد الثقافي والأدبي والفكري، وحضرت كل فعاليات اتحاد الأدباء والمنتديات التي أصبحت أهلية يمولها الموسرون وعشاق الأدب وأصبحت مسؤولًا ثقافيًا في أحدها، واقترحوا طباعة عمل أدبي لي فسررتُ ووافقت فجهزته وسلمته إليهم ولكن تمَّ تأجيل طباعته من أجل طباعة عمل لقامة نقدية وأدبية لعبت دورًا في إثراء المشهد التهامي علميًا وإبداعيًا من دولة شقيقة فمرَّ بمرضٍ عضال فقدموا عمله للطباعة تكريمًا وعرفانًا.

وكنا سعداء بذلك وكانت خطوة رائعة لبدء مشوار منتدانا الوليد، الغني بدوراته الثقافية التي خصصت وكرست لرواد المشهد في تهامة واليمن ككل، وحضرها نقاد ومبدعون على مستوى عال، ومفكرون وقادة رأي، ونوقشت قضايا فكرية وثقافية و إبداعية كثيرة واشادت الصحف والمجلات الوطنية بعملنا.

وفي غمرة هذا النشاط المكثف الإبداعي والفكري قامت ثورة فبراير 2011، وبدأت الخلافات تلقي بظلالها والنشاط يقل والعصبية الفكرية الحادة تطل برأسها، فخفت كل شيء وانطفأ كل وهج وفي هذه الأثناء مرضت رفيقة حياتي بمرض عضال أدى إلى وفاتها فتركت في نفسي جرحًا لا يندمل

وفي المنتدى الذي كنتُ أعمل فيه ضاع عملي الشِّعري الأول ولم أعثر عليه حتى اليوم. وفي الألفية الجديدة بدأتُ النشر في الصُّحف والمجلات الوطنية ومحاولة الكتابة عن قامات تهامة الفكرية والإبداعية في الصحف والمجلات، ونشر محاولاتي الشعرية الجديدة التي خطوت فيها كما أظن نحو النُّضج.

وأصبح عندي يقينٌ في أنَّ قيم العدالة والحرية والاحترام والقبول بالآخر ينبغي أن تسود حياتنا بعيدًا عن التعصب واحتكار الحقيقة والظلم والجور، وكنتُ أطمع أن يؤول مسار الأحداث وخاصة بعد مؤتمر الحوار الوطني إلى مرحلةٍ جديدة في حياة الشَّعب اليمني، وقيام دولة العدالة والمساواة واقتسام السلطة والثروة بين كل أبناء اليمن مع التمسك بقيمنا ومثلنا الروحية والإنسانية، ولكن المآلات التي أفضينا إليها ونشوب الحرب الهمجية، وتدمير كل شي جعلني واحدًا من أفراد شعبي المكلوم المظلوم.

لقد كانت مدينتي الدريهمي من أكبر ضحايا الحرب. ولم يعد من حلم سوى الخروج من هذا الكابوس، وأصبحت صورة الفاجعة والتشرد الذي حاق بأهلي وبكثيرين من أبناء وطني تُلِحُّ عَلَيَّ كثيرًا، لم أعد مشغولًا بفكرة المغايرة والتجاوز أو امتلاك خصوصية ما في القول أو الأسلوب، فأصبحت أنتقل من نمطٍ شعري، إلى نمط، دون حساسية، أو شعور بالتَّناقض، فلم يعد ذلك مهمًا، أصبحت المأساة، والواقع، أقوى حضورًا، من فذلكات المغايرة والتجاوز، الآن أصبحنا نحلم بتجاوز المأساة، والواقع المتردي، والحروب وأمرائها وسدنتها، أصبح السَّلام حلمنا وأملنا الوحيد، ثم ستنفتح الأبواب المغلقة، وتبدأ رحلة الأحلام الجديدة.

Hekmah Yemanya

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوز للعصبياتِ والهُويات الضَّيقة, منفتح على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهري ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى