فكر

القيم الإنسانية بين الثَّقافة والعلم (2-2)

د. الحسان شهيد

القيم والإعلام، أو القيم بين الهوية والصورة.

عرفَ التطور الإعلامي محطات علمية كبرى منذ بداية نشأةِ الإنسان، فبعدما كان الكلام والسماع وأحيانًا الخيال مصادر للمعرفة، وتلقي المعلومة والخبر انتقل ذلك إلى العين في تضافر مع الوسائل المتطورة مشخصًا في الصوت والصورة والتفاصيل، بل إنَّ الوقت المعاصر لم تتجاوز الصناعة الإعلامية فيه مرحلة الانضباط إلى الصورة فحسب، بل إلى صناعة الصورة نفسها أو الحكاية ومنحها أبعادًا جديدة رمزية ومستوعبة لشروط التأثير، وقضية تشكيل الأذواق إلى خلق قيم والعمل على خرمِ أخرى.

إنَّ هذه الثورة العلمية في صناعة الإعلام ستتقلب معها خصوصيات النظر القيمي عند الانسان عند المتلقي أو المستقبل بناءً على درجات إدراكه ووعيه بالفكرة المقصودة حتى أصبحت للإعلام سلطة جامحة في صناعةِ قرارات قوية وتهيئة لأجواء بناء منظومة قيمية جديدة. وهذه بعض الأمثلة لبيان ذلك:

أولًا: قضايا الحروب: لقد ابتكر الإنسان الآلة الإعلامية بتقنياتها المعقدة لخدمةِ الإنسان ووجوده القيمي المغاير لباقي المخلوقات، لكنَّ التحولات العميقة تحولت معها البعد الوظيفي النَّبيل للإعلام إلى بعدٍ غائي واستثماري خطير على القيم الإنسانية، ومن ذلك: 

تأجيج الصراع: تبدأ خطورة المؤسسات الإعلامية في تغطيتها لقضايا الحروب والصراعات من تأجيج تلك الاختلافات وتشديدها، وقد بلغ السَّيل زباه لما أصبحت تلك المؤسسات الإعلامية ناطقة باسم طوائف معينة وقبائل خاصة بل بأفراد مفردة، وفي الوقت الذي ينبغي تسخير تلك الوسائل في لمِّ شمل الأمة وتوحيد قضايا الإنسان وخدمة قيمه، طالت تلك الآلة تهدده في وجوده وفي قيمه وأخلاقياته بزرع فتائل النيران وتغدية روحها. وهذا الأمر لا يستعدي أمثلة فالواقع فصيح في المسألة.

الضحية والجلاد: طالما كانت المؤسسات الإعلامية المتعددة وسائل ناجعة في التسوية بين الضحية والجلاد أحيانًا في نظر الشعوب وخاصة المغلوبة على أمرها، كما قلبت مشهد الخصومة من جعل الضحية جلادًا إرهابيًا والجلاد ضحية وديعًا، قلبت بها موازين القيم من العدل إلى الظلمِ ومن الظُّلم إلى العدل، حتى أضحى المتابع الجاهل بحقائق الأمور واثقًا من الصورة المقلوبة. ولا أدلَّ على ذلك من مثال الاحتلالات المتكررة للشعوب الإسلامية، وآخرها الإرهاب الصهيوني المحتل لأرض فلسطين.

حرمة الإنسان: لقد خرم الإعلام بسلطته المادية والأدبية حرمة الإنسان الحي باغتيال حقوقه بعدما حولته من مظلوم إلى ظالم، بعد حشد كل قواها لإقناع العالم بذلك، ولم تتوقف عند ذلك الحد, بل خرمت حرمته وهو في مرحلة الانتقال من الحياةِ إلى الموت، بقدرتها على نقلٍ مباشر أمام أعين أخيه الإنسان وهو يذبح أو يقتل أو يرمى بالرصاص ملوحة بكل القيم الإنسانية نثر الهواء، لخدمة مقاصد مادية اقتصادية أو سياسية، ولا شك أنَّ لذلك انعكاسات سلبية على قيم الإنسان الذي أصبح القتل والإعدام لديه مسألة هينة. 

ثانيًا: الرسوم المتحركة: إنَّ الرسوم المتحركة أو ما يسمى بالأفلام الكرتونية من أشد الأشكال الإعلامية خطورة في ترسيخ بعض القيم أو على الأقل في تغيير بعض المفردات القيمية وخاصة على ذاكرة الطفولة التي عادة ما تكون مهيئة لاستقبال الثقافة الرمزية والصور القيمية المراد توجيهها أو تشكيلها في مرآة النفس عند الطفل، وهنا يجدر التنبيه على بعض الأمثلة:

صورة القط: في كثيرٍ من الأحيان تخلق الرسوم المتحركة عداوة… مع الحيوان الأليف القط، وذلك بتصويره رمزًا للعداء أحيانًا، وللغباء تارة والغدر تارة أخرى، كأفلام “توم وتجيري” المشهورة، في حين يتم تصوير الفأر رمزًا للظرافة والذكاء والألفة، وفي ذلك قلب لبعض القيم التي ينبغي تلقينها للطفل، فالقط في الثقافة الإسلامية له اعتباره الخاص لحديث النبي صلى الله عليه وسلم (إنها ليست بنجس، إنما هي من  الطوافين عليكم أو الطوافات)[1]، وحتى سؤرها طاهر ولا ينجس ماء الوضوء الذي شربت منه[2]، وأما الفأر فصنفه العلماء ضمن الحيوانات النجسة السؤر و المأمور بقتلها في الحرم[3].

اللحْية: عادة ما يتم بيان الشخصية العدائية وغير المرغوب فيها مرسومة بلحيةٍ كثيفة إشارة إلى القبح وسوء الأخلاق، وتلك صورة لا ينبغي تقديمها للطفل حتى لا يربط بين القيم المذكورة والصورة المراد إبلاغها، لأنَّ اللحْية دلالة على قيم الالتزام والوقار في ثقافتنا.

التبرج: عادة ما تصور الأفلام الكرتونية الفتيات الذكيات والنبيهات المتحررات من كل قبح وسوء بلباس متبرج سافر، أما الكاسيات منهنَّ في أحسن الأحوال يقدمن على أحوال يمثلن بها دور الخادمات أو الشريرات أو ما شابه ذلك فتتركز في ذاكرة الطفولة تلك الصور النفسية لتترجم إلى تمثلاتٍ واقعية.

ثالثًا: قضايا الأسرة: كثيرة هي القضايا الأسرية التي تعمل الآلة الإعلامية على معالجتها، ونظرًا لارتباطاتها الدقيقة بمجموعة من القِيم الثقافية، باتت الأسرة موقع تهديد خطير, ومن أمثلة ذلك:

برامج أسرية: يتم فيها عرض مشاكل زوجة وزوجها مع إجراء محاورة ومجادلة شديدتي اللهجة وبشكلٍ فاضح، كل يدافع عن نفسه أمام الكاميرا مباشرة, هاتكة لقيم السِّتر والأدب في الكلام، والإحسان للوالدين، وفي دراسة علمية خلص الباحث مساعد بن عبد الله المحيا إلى أنَّ بعض الأشكال الإعلامية في الوطن العربي “تعلن فيها الحرب على أوضاع المرأة المسلمة في المجتمعات العربية المسلمة بحيث سعت بعض هذه المسلسلات إلى أن توحي إلى جميع المشاهدات بأنَّ جميع قرارات المرأة ينبغي أن تتخذها هي دون الرجوع إلى ولي أمرها أو الذي ولاه الله مسؤولية القيام عليها زوجة أو بنتا”[4].

برامج الدفاع عن الواقعات في الرذيلة: ذلك بعرض تقارير ووثائقيات مع الحديث عن معاناتهن وسوء معاملتهن كأنهنَّ مظلومات، محاولين بيان الظلم الذي يسلط عليهن في المجتمع بما اقترفته أيديهن وهذا من شأنه أن يشيع الرذيلة والزنا في المجتمع.

تلك فقط عينة من الأشكال الإعلامية الخاصة بقضايا الأسرة، وإلا فهي كثيرة قد لا تغيب عن المرء المتتبع للمعروضات الإعلامية.

الجمال و المرأة: لم تعد لقيمة الجمال سحرها في ظل الثورة الإعلامية والتقنية المعاصرة، حيث أصبحت مبتذلة بإضفاء المساحيق الإعلامية عليها، فاستغلت قيم الأنوثة والطبيعة الإنسانية في تجميل القيم السالبة للبعد الإنساني وخصوصًا المادية منها.

رابعًا: قضايا العلوم: استطاعت القوة الإعلامية الموجهة من خرقِ عدد من القِيم النَّبيلة متجاوزة بذلك روح الأمانة العلمية أحيانًا وقيمة العدل في أحيان أخرى، مستعملة في ذلك سلطتها وغفلة المتلقي وضعف الآخر، ويمكن التدليل على ذلك بنسبة الملكية الأدبية أو ببراءة الاختراع التاريخية إلى علماء لهم أوصاف واستثناءات خاصة، مع إغفال و تهميش صاحبها الأول وإقصائه إما لأسباب ثقافية أو حضارية، كنسبة علم الاجتماع لإميل دوركايم الفرنسي بدل ابن خلدون. و إلحاق اكتشاف الدورة الدموية بهارفي الإنجليزي أو سيرفيتوس الإسباني بدل ابن النفيس، وكذا نسبة اكتشاف قوانين الضوء بالألماني يوهانز كيل دبل ابن الهيثم محمَّد بن الحسن، وقد استكملت الآلة الإعلامية هذا الدور بشكلٍ لافت.

إضافة إلى ما ذكر فإنَّ سلطة الإعلام استطاعت في عصرنا تشكيل أذواق جديدة وآراء مغايرة وأنماط خاصة في التفكير، “هي تقدم – للمتلقي-كمية هائلة من برامج التسلية، رياضة وعنف وجنس ورومانسية وكوميديا..، وتحوله إلى متفرج سلبي يشاهد نشرة الأخبار، وقضايا الشَّأن العام بنفس الطريقة التي يشاهد بها الأشرطة السينمائية..”[5].

القيم والمال: أو القيم بين المجتمع والخصخصة

معتمد الهيمنة العولمية المعاصرة الأساس المالي، المحرك القوي لمبادئ المنافسة الشرسة بين الشركات والمؤسسات الكبرى العابرة للقارات، “ولم تعد السياسة هي السُّلطة التي تحدد عملية توزيع الخيرات المنتجة، بل أصبح الفصل بشأنها بيد السوق، السياسة أمست إذن خادمًا مطيعًا، يمتثل بأمر السوق، بهذا النحو فقدت السياسة أولويتها، أي سلطانها على الاقتصاد”[6]، ولم تقتصر هذه الهيمنة على القطاعات المادية والجوانب الاستهلاكية في حياة الإنسان، بل مست كثيرًا من الجوانب القيمية للفرد والمجتمع والعالم، ومن أهم تجليات ذلك ما يعرف بالخصخصة أو الخوصصة، المشروع الذي اقترب أكثر من تلكَ المناطق القِيمية في وجدانِ الحياة الإنسانية المعاصرة حيث يهدف إلى “تسليع العلاقات الإنسانية وإشاعة قيم السوق المبنية على النفعية والمادية والتنافس، والتسليع والعمل على تثبيتها، وهو ما يسميه غارودي، “بوحدانية السوق” monotheisme du marche” أو التسليع المطلق والكلي حسب لا توش “omni-marchondisation” وهي مفردات مستوحاة من القاموس الديني وتعكس هذا النزوع التأليهي المطلق لقيم السوق”[7]، فأصبح فيها المال ينافس قيما عظمى ويغري بإقصائها من علاقات الإنسان، وهذه بعض الأمثلة:

أ-الشهوة والحاجة: إنَّ من خصوصيات القيم و ميزاتها في الوجود الإنساني هو خلق لمساحة تفصل بين شهواته الواسعة اللامتناهية وحاجاته المحدودة المتناهية، “أكلما اشتهيتَ اشتريت”، إنما الهيمنة الاقتصادية التسلطية ومنطق التسليع المعاصر تغلب على الإنسان بفسح مجالات شهواته على حساب حاجاته الضرورية، وقد نلحظ ذلك بجلاء في المحلات التجارية الواسعة ك”سوبير ماركت” و الميادين والمهرجانات التجارية التي تقرب للإنسان شهواتها بكل ما أوتيت من قوة تأثير مستعينة في ذلك بترسانة من الدراسات النفسية والاجتماعية والإنسانية التي تبحثُ عن مناطات التأثير عليه، مخترقة بذلك القيم الجميلة في الإنسان من عفة وتوسط في الاقتصاد، وما شابه ذلك من القيم المحفظة على القيم الاجتماعية والبيئية. 

ب- دور الحضانة: تقوم مؤسسات دور الحضانة في الوقتِ المعاصر بوظائف الأب والأم في حالات لا تستدعي الضرورة ذلك، لتعطي مساحة إنسانية في حياةِ الطفل القيمية، فقيم الأبوة والأمومة وما يتعلق بهما من حنان وعطف وتربية ورعاية وعناية خاصة، مقابل مبلغ من المال يؤدى لهذه المؤسسات، وفي ذلك خطورة على بناء أسري متماسك وعلى قيم تربوية يحتاجها الفرد في طفولته يستحيل تعويضها فيما بعد، وهذا التوجه لا يبعد عن تفويت قيم نبيلة إلى مؤسسات خاصة وهو ما يمكن نعته بالخصخصة القيمية.

ج- دور العجزة: ما قيل عن مؤسسات الحضانة الأولى يقال عن مؤسسات رعاية كبار السن الخاصة بالعجزة، وقد ظهر هذا الشكل من المؤسسات خصوصًا مع سرعة وتيرة الحياة المعاصرة وتزاحمها، وكثرة انشغالاتها ومفاتنها، إلى درجة أصبح المرء يلتمس فيها مسلكًا للتخلص من القيم النبيلة؛ كالإحسان إلى الوالدين مقابل أداء راتب شهري يقدمه لتلك المؤسسات.

وارتباطا بهذين المثالين فقد بدأ التَّأصيل القيمي لبعض المفردات الأخلاقية المتعلقة بالطفولة والعجز وغيرهما من المسؤوليات الأسرية، فتمَّ تطوير ما يسمى بأخلاق العناية “التي تشدد على القوة الأخلاقية لمسؤولية الاستجابة لاحتياجات من يعتمدون علينا كثير من الناس سوف يمرض ويصبح معتمدًا على الآخرين لبعض الوقت في سنوات حياتهم المتقدمة، بمن فيهم ذوو الشيخوخة الهشة، وبعض المقعدين بصورة دائمة، سوف يحتاجون إلى العناية طول حياتهم”[8].

د- التجنيس: من القضايا الملفتة للنظر في الآونة الأخيرة مسألة التجنيس التي شاعت بدوافع رياضية أو علمية أحيانًا، فنجد اللاعب مثلًا يبذل جهده الرياضي لأجل وطن آخر، يتقمص جنسيته، فأصبحت قيمة الوطنية مبتذلة من جانبِ البلد واللاعب، فاللاعب يتخلى عن تلك القيمة مقابل مغريات مادية والبلد الآخر قام بخصخصة الوطنية إلى أفراد أو مؤسسات رياضية، والخطير أنَّ بلداننا قد ابتليت هي الأخرى بهذه البلوى وهي تدرك قيمة ذلك.

هذه الأمثلة وغيرها كثير يبين مدى تغلغل الحس المادي في الثقافة القيمية للإنسان، بل إنَّ حضارة النقود المعاصرة “اعتبرت كل شيء سلعة مثل الأرض والماء والهواء والحياة والعواطف، والمعتقدات وحقوق الإنسان، والحرية والحب والثقافة”[9].

القيم والسلطة: أو القيم بين السلطة والحرية

يحمل مصطلح العولمة إشارات قوية في اشتقاقه اللغوي لدلالات القوة والسلطة، كلها تشي بالإكراه في تغيير العالم قهرًا وقسرًا وفق نمط متعين ومحفوظ، ويظهر ذلك الاتجاه إلى جانبِ السلط المذكورة، في اعتماد سلط قانونية وسياسية تروم فرض واقع جديد قد يصطدم مع الخصوصيات الثقافية للشعوب المختلفة وتدوس على مجموعة من القيم الأساسية الممانعة الدلالات المبشر بها.

قيمة الحرية: لقد أصبح الغرب يسخِّر كل الآليات القانونية بمؤسساتها المختلفة والترسانة العسكرية لاحتلال أراضي الغير والإيغال فيها دمارًا وخرابًا باسم الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، والعدالة وغيرها من القيم, بالإضافة إلى هذا الاستغلال البشع لتلك القيم، فقد تمَّ استعارة التدخل الأجنبي من قبل منظمات أهلية مدنية للتخلص من الحكم السائد طلبًا للحريات والديموقراطية مقابل امتيازات موعودة لتلك الدول كما حدث في العراق مثلًا وأفغانستان وما يحدث ابتزازًا اليوم في السودان.

قيمة العدل: سبقت الإشارة ضمن قوة الإعلام وسلطته في القدرة على تحويل الضحية جلادًا اعتمادًا على الكذب والتدليس وسلب الحقوق من الناس، وتغيير موقع الجلاد إلى صورة الضحية المعتدى عليها لتبرير كل أفعالها غير المشروعة ضدَّ خصومها، إنَّ هذا التدليل في التقويم مساس بقيمةِ العدل وامتهان لكرامة العدل، وكيل بمكاييل مختلفة وفق أهواء النَّاس، كما أن في ذلك استغلال بشع لقيم نبيلة إما للتدخل في شؤون الدول أو لاحتلالها بحجة ظلم الناس، أو لتبرير الاحتلالات الدولية كما هو الشأن في فلسطين. أو لاعتقال الناس ومحاكمتهم دون وجه حق كما حدث بمعتقلات العار بجوانتانامو وغيرها بحجةِ العدالة الدولية.

قيم الحقوق الإنسانية: يوظف الغرب في بسط مشروعه كل المؤسسات الدولية القانونية كصندوق النقد الدولي, ومجلس الأمن, والأمم المتحدة, وباقي المنظمات الدولية الأخرى، وذلك بالتواضع على رزنامة من القوانين كالالتزامات الخاصة بحقوق الطفل وحقوق المرأة وغير ذلك، وفي هذا الشأن يقول محمد عمارة: “وإذا نحن شئنا أن نضرب الأمثال في إشارات موجزة، على نماذج لعولمة منظومة القيم الغربية، والثقافة العربية، ونمط الحياة الأمريكي، من خلال صياغة هذه المنظومة في مواثيق يتم عولمتها باسم الأمم المتحدة وعبر مؤتمرات دولية تعقد تحت علم المنظمة الدولية.. فإن وثيقة -برنامج عمل مؤتمر السكان والتنمية- الذي عقد بالقاهرة في 5-15-سبتمبر سنة 1994، تكفي هذه الوثيقة وزيادة، لتجسيد معنى عولمة القيم وفرضها على مختلف الأمم و الشعوب والدول والحضارات والمعتقدات والثقافات”[10]،  وقد أحدثت هذه المواثيق شرخًا كبيرًا في النسيج الاجتماعي لبعض الدول مثل ما وقع في المغرب بسبب الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية التي كادت أن تؤدي إلى حرب أهلية، لتعارضها الصريح مع مجموعة من القيم الثقافية والدينية بالمغرب.

خاتمة:

اجتهدت هذه المقالة قدر الإمكان في دق ناقوس الخطر الذي بات يهدد القِيم الإنسانية في علاقتها مع الإنسان المعاصر دون شعور منه ودون إعارة اهتمام، من خلال تدافعه مع التقنيات العلمية والمنتجات التي خلفها البحث العلمي، فكانت أولى مطالبها تحقيق النظر في القيم باعتبارها مناطات للتثاقف الحضاري ومحوره، وثانيها البحث في القيم الإنسانية بين الثقافة والعولمة، وثالثها حصرتها في  وثاقة القيم والعلم بتحليل تلك الوثاقة من حيث القيم بين الخصوصية الإنسانية والتقنية العلمية، ورابعها حول القيم والإعلام، أي تأرجح القيم الإنسانية بين الهوية والصورة، وخامسها حددته في الكلام عن القيم والمال، أي صورة القيم بين المجتمع والخصخصة، وآخر تلك المطالب عالج علاقة القيم بالسلطة بمعنى موقع القيم بين السلطة والحرية.

هوامش:

  1. أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء، الحديث رقم11.
  2. انظر ابن رشد، أبو الوليد محمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط3، 1428/2007، 1/34.
  3. انظر ابن رشد، أبو الوليد محمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط3، 1428/2007، 2/427
  4. المحيا، مساعد بن عبد الله، القيم في المسلسلات التلفازية، دار العاصمة، الرياض، السعودية، ط1، 1413، ص302/303.
  5. غيلان، أحمد ، وسائل الإعلام، الواقع والتحديات، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، مكتبة الطالب، ط1، 1424/2003، ص35
  6. هورست، أفهيلد، اقتصاد يغدق فقرا، ترجمة عدنان عباس علي، سلسلة علم المعرفة، عدد 335، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، يناير 2007،ص285
  7. المرابط، مصطفى، ويسألونك عن التنمية، مجلة المنعطف، وجدة، المغرب، عدد مزدوج 23،24، 1425/2004، ص13.
  8. هيلد، فيرجينيا، أخلاق العناية، ترجمة ميشال حنا متياس، سلسلة علم المعرفة، عدد 356، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، أكتوبر 2008،ص15
  9. بوفرة، عبد الكريم، حرب القيم، قراءة في الخطاب الإعلامي الغربي، منشورات المجلس العلمي بوجدة، المغرب، العمدة في الطبع، ط1، ص117.
  10. عمارة، محمد، مستقبلنا بين العالمية والإسلامية والعولمة الغربية، مجلة المسلم المعاصر، القاهرة مصر، ع104، س26، محرم-صفر-ربيع الأول،1423/أبريل مايو يونيو2002، ص18.

د. الحسان شهيد

أستاذ التعليم العالي، كلية أصول الدين، تطوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى