فكر

لمحاتٌ من تاريخِ التَّجديد والإصلاح الدِّيني في الإسلام(1-7)

التَّجديد والإصلاح الدِّيني في الإسلام (1-7)

التَّجديد والإصلاح الدِّيني في الإسلام (1-7)

إحسان باحارثة

في المقالات السَّابقة التي تحدثت عن الإصلاحيْن المسيحي واليهودي, كان الاهتمام مركزًا على بيان أفكارهما والملابسات التَّاريخية والدينية التي سبقتهما وصاحبتهما، لسبب خاص وهو أنَّ هناك من يدعو المسلمين إلى الاقتداء بهما دون تبصر، وربما دون علم بحقيقةِ الإصلاحين؛ فكان لا بدَّ من معرفة أسباب ظهورهما، وأبرز الأفكار، والنتائج والمآلات؛ لتقييم صوابية دعوة الاقتداء من عدمها*.

لكن في حديثنا عن الإصلاح والتَّجديد الإسلامي سيكون مدار الاهتمام على بيان لمحات من تاريخ التَّجديد والإصلاح الديني، ومظاهره ومجالاته وآثاره قديمًا وحديثًا؛ ردًا على التهمة الغشوم في أنَّ تاريخ الإسلام والمسلمين لم يعرف إطلاقًا إصلاحًا دينيًا مثل المسيحية واليهودية، ومن ثمَّ فإنَّ الإسلام بحاجةٍ ماسة إليه لإنقاذ البشرية من الحالة المخيفة من التطرف والتوحش التي صار عليها.. أو كما يزعمون!

في مفهوم التَّجديد الإسلامي:

(التَّجديد) لغة: تجدد الشيء بمعنى صار جديدًا، وجددَه أي صيَّره جديدًا، والجديد نقيض البالي.. فيقال) :بلي بيت فلان ثم أجدّ بيتًا من شعر، أي أعاد بناءه، ويقال: (جدَّد الوضوء) أي أعاده، و(جدَّد العهد) أي كرَّره وأكده(1). فإذا جمعنا بين معنى كلمتي: (التَّجديد) هذا و(الإصلاح) كما أثبناها في بداية مقالات الإصلاح المسيحي واليهودي في أنه: (إزالة فساد طرأ على شيء ما)؛ فيمكن أن يقال إنَّ:

– التَّجديد أو الإصلاح في المفهوم الإسلامي هو إحياء معالم الدين العلمية والعملية مما أصابها من بدع، وما طرأ عليها من انحرافات أهل الأهواء والزَّيغ.. ودعوة المسلمين للعودة إلى الأصلين العظيميْن: القرآن الكريم والسُّنة الصحيحة الثابتة، وما كان عليه السَّلف الصَّالح. 

– وفي السُّنة النَّبوية هناك الحديث المشهور عن عملية إسلامية مستمرة لإصلاح الانحرافات الطارئة بواسطة (التجديد).. أو كما قال صلى الله عليه وسلم:(2)      

– [ إنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها دينها]. 

وفي رأي المفكر الإسلامي العلامة أبي الأعلى المودودي أنَّ من معاني التَّجديد: تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاءِ الجاهلية ثمَّ العمل على إحيائه خالصًا محضًا على قدر الإمكان(3).

ويقول الشَّيخ العلامة د. يوسف القرضاوي: (إنَّ التجديد لشيء ما هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر بحيث سيبدو مع قدمه وكأنه جديد، وذلك بتقوية ما وهى منه، وترميم ما بلي، ورتق ما انفتق حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى..)(4).

وتنقل صاحبة كتاب (معالم تجديد المنهج الفقهي: أنموذج الشوكاني) عن الأستاذ/ بسطامي محمد سعيد أنَّ التجديد في معناه اللغوي وفي استعماله النَّبوي يدل على: الإحياء- البعث- الإعادة، وهذه المعاني الثلاثة تستلزم بعضها بعضًا على النَّحو الآتي:

1- إنَّ الشيء المجدد قد كان في أول الأمر موجودًا وقائمًا، وللنَّاس به عهد.

2- إنَّ هذا الشيء أتت عليه الأيام فأصابه البلى، وصار قديمًا.

3- إنَّ ذلك الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة التي كان عليها قبل أن يبلى(5).

وبناءً على هذه المحددات لمعنى التجديد؛ فإنه يمكن القول: بأنه لا يكاد يخلو عصر من عصور الإسلام من دعوة للتجديد والإصلاح، ومن ظهور مجددين في مختلف شؤون الحياة، وبقدر ما تسمح به ظروف زمنهم. والمجدِّد الإسلامي هو كل من أحيا معالم الدِّين بعد طمسها، وجدد حبله بعد انتقاضه. 

وتتعدد مجالات التَّجديد ما بين تجديد شامل لكلِّ جوانب القصور، أو تجديد في شعبة أو عدة شعب من شعب الدين والدنيا، وما بين تجديد ما انطمس من التَّعاليم والعقائد والسُّنن والأخلاق، أو مواجهة ما شاع من مظالم الحكام وانحرافاتهم عن الطريق القويم للدين، أو تجديد روح المقاومة في الأمة عند تعرضها لغزو خارجي يستهدف دينها أو وجودها كأمة متميزة في دينها وهويتها الإسلامية ومعالم وجودها الحضاري(6).

هذه بإيجاز أبرز تعريفات التجديد ومجالاته، وسوف نكتفي بذلك لأنَّ الهدف ليس التوسع في التعريفات، وبيان التفسيرات والمعاني المتعددة لمصطلح التجديد والمقارنة بينه وبين معنى (الإصلاح)؛ إلا أنه من الواضح أن معنى كل منهما لغويًا واصطلاحًا متطابقان، فكلاهما في رأينا يؤديان معنى واحدًا هو تجديد ما بلي وإعادته جديدًا كما كان.

وسائل التَّجديد والإصلاح في التَّاريخ الإسلامي:

الإسلام كغيره من الأديان السَّماوية والأفكار والمعتقدات البشرية تعرضت – وستظل تتعرض- مبادئه وتعاليمه وشعائره لمحاولات جاهلة أو محاولات متعمدة لتحريفها وطمسها، أو تأويلها بتأويلات فاسدة لا تحتملها قواعد اللغة العربية والبلاغة، ولا يتقبلها العقل، واستبدالها أو خلطها مع أفكار أخرى وردت للمجتمع المسلم من حضارات وأديان أخرى، أو كانت من وحي إبليس وأهل الأهواء والنَّظر الخاطئ! 

لكن ولأنَّ الإسلام كان هو الرِّسالة السَّماوية الخاتمة الصَّالحة لكلِّ زمان ومكان؛ فقد امتاز بما يحفظه من غوائل التَّبديل والتشويه والتحريف والضياع، وتجنيبه ما حدث مع كتب الرِّسالات السَّماوية السَّابقة؛ وخاصة التوراة والإنجيل؛ لضمان بقاء رسالة الإسلام محافظة على عقيدتها وشريعتها وشعائرها صحيحة نقية من كل ما يشين التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبودية، وسيادة نظامه التشريعي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي.. وكانت الوسيلة الدائمة لتحقيق ذلك هو مبدأ: التَّجديد.

و(التَّجديد) في أمر الدين كان هو الطريقة الإسلامية لإصلاح الانحرافات الطارئة والدخيلة عليه، والمحافظة على الإسلام الدين الخاتم من أي خلل وتحريف وتشويه، وإيقاظ المجتمع المسلم من غفوات الجمود، والجهل، والاستكانة، وإعادة روح الاعتزاز بالإسلام إلى نفوس أبنائه، والحيوية في تعليم مبادئه ونشر العلم بها، والتمسك بشرائعه وشعائره على الوجه النَّقي الذي كانت عليه في زمن النَّبي والسَّلف الصَّالح، وكما هي محفوظة في كتابِ الله وسنة النَّبي الكريم، وإزالة ما علق عليه وعلى مجتمعاته من غبار الانحرافات والجمود، وانتشار المنكرات والمفاسد، ومواجهة اكتساح أعداء الإسلام لدار الإسلام. 

وتدل أبرز محطات التَّاريخ الإسلامي على أنَّ فعل التَّجديد والإصلاح الإسلامي اتخذ طريقتين رئيستين لتحقيق أهدافه:

أ- مبدأ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

ب- مبدأ الاجتهاد.

كان مبدأ (الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر) – الذي يرقى أحيانًا ووقت الضرورة وبضوابط  دقيقة إلى التغيير باليد أو بالسيف لإزالة المنكر الفردي والجماعي إن لم ينفع التغيير باللسان- هو وسيلة التجديد العملي، ومواجهة الأخطاء والانحرافات العملية والسلوكية في الحياةِ اليومية وفي الحياةِ العامة، وعلى مستوى والفرد والمجتمع والدولة، وكثيرة هي الآيات والأحاديث النَّبوية التي تدعو إلى الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والتَّواصي بالحق والتناصح، ومواجهة الأخطاء والانحرافات، وتجعل من التَّصدي للظلمة عملًا له ثواب عظيم أعلاه مرتبة (سيد الشَّهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنهاه فقتله) كما في القولِ المأثور، وتحذر من أن ترك هذه الفريضة والسكوت على المنكرات والمظالم سيكون نتيجته انتشار الفساد والظلم وخراب الدنيا والآخرة، وتسلط الظلمة على رقاب العباد. 

وانبثق عن مبدأ الأمر بالمعرف والنَّهي عن المنكر نظام الاحتساب والحسبة(7), وظهرت مذاهب عقائدية وفقهية للفرق الإسلامية بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشمل معناه، وأسبابه، وأساليبه، ومجالاته، وحدوده، وشروطه.. ومنها من تجعل من الخروج على الظالم واجبا دينيًا بدون شروط، ومنها من اشترط شروطًا لذلك(8).

وأما مبدأ (الاجتهاد) الذي يمنح من يجتهد في العلم إن أصاب أجرين والمخطئ أجرًا واحدًا؛ فقد كان وسيلة التَّجديد الفكري والعقلي والعلمي، والذي بعث في الحياة الإسلامية روحًا علمية وفكرية عظيمة من الحيوية والتَّجدد؛ وخاصة عندما ساد الحكم العضوض واحتكار السلطة فاتجه كثير من العلماء إلى نشر العلم وتعليمه، فحفظوا للإسلام حيوية مبادئه وقيمه وتعاليمه بعيدًا عن سيف السُّلطان وفساد الحكم والحكام(9).

وعلى وجه العموم كان هذان المبدآن هما وسيلة التَّجديد والإصلاح الدائم في إحياء معالم الدين بعد طمسها، وتغيير المنكرات في المجتمع المسلم، واستمدا من الأساس الإلهي المحفوظ – القرآن الكريم والسُّنة النَّبوية- دوافع مواجهة الخلل والتحريف، ورفض الجمود، ومواجهة الانحرافات من أي نوع كانت في المجتمعات الإسلامية: سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية أو فكرية. وأعظم ما فيهما أنهما لم يكونا مرتبطين بالفعل الرسمي للدول والحكام؛ باستثناء التَّغيير باليد الذي يرجح الجمهور أن يكون مقصورًا على من لديه قوة السُّلطان في المجتمع، وإن كان الحكام واجهوا ثورات لا عدد لها تحت شعار تغيير المنكرات والمظالم.

ولأنَّ مسيرة دعوات التجديد والإصلاح الإسلامي أخذت حيزًا وزمنًا طويلًا عبر قرون طويلة، وفي بيئات متنوعة، وفي مواجهة تحديات مختلفة من بدء عهد الإسلام الأول وحتى اليوم؛ فسوف ينقسم الحديث عنها – من باب تحقيق أقصى قدر ممكن من التمييز- إلى قسمين بحسب اختلاف الظروف العامة في العالم الإسلامي التي ظهرت فيها دعوات التجديد والإصلاح؛ ما بين دعوات ظهرت في ظل دول إسلامية تلتزم بالمرجعية الإسلامية العامة (بغض النَّظر عن مدى تمثلها لتلك المرجعية ومستوى التزامها بها، وهل هي خلافة راشدة أو ملك عضوض)، وبين الدعوات التي ظهرت بعد زوال سلطة الدول الإسلامية، أو كانت في الرَّمق الأخير في زمن الغزوات الاستعمارية في العصر الحديث التي تؤرخ بدايتها بالغزو الاستعماري الفرنسي لمصر عام 1898وتخضع لضغوطات الآخرين الطامعين في السيطرة على العالم الإسلامي. وإن كانت حركات الإصلاح الإسلامي قد بدأت قبل الغزو بظهور حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة العربية، وإصلاحات خير الدين باشا التونسي.

وعلى أساس هذا التفريق فسوف نتناول تاريخ التجديد والإصلاح الإسلامي على النحو الآتي: 

أولًا: دعوات التجديد والإصلاح الإسلامي في العصر الإسلامي الأول.

ثانيًا: دعوات التجديد والإصلاح الإسلامي في العصر الحديث
وهو بدوره ينقسم إلى نوعين من دعوات الإصلاح؛ الأولى ظلت ملتزمة بالمعنى اللغوي والإسلامي لكلمتي التجديد والإصلاح أي كانت دعوتها إلى التجديد والإصلاح في إطار المرجعية الإسلامية المتمثلة في العودة إلى الأصول (الكتاب والسُّنة).. والأخرى تلك التي حاولت التوفيق بين مبادئ الإسلام وتطورات العصر الحديث قناعة من روادها بأن لا خلاف بينهما. 

هوامش:

1- انظر معنى كلمة: جدّ في: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، العلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، تحقيق د. عبد العظيم الشناوي، ص92، 1977، دار المعارف. وايضا في: المعجم الوسيط، ص109، المجلد الأول، مجموعة مؤلفين، ط2، 1973، دار إحياء التراث العربي.

وانظر كذلك معنى الكلمة في: لسان العرب، ابن منظور،3/111+الصحاح، إسماعيل الجوهري،1/451، نقلا عن كتاب/معالم تجديد المنهج الفقهي أنموذج الشوكاني، حليمة بوكروشة، ص52، ط1، سلسلة كتاب الأمة، العددان 90/91، 1423ه-2002م.

2- الحديث موجود في صحيح سنن أبي داود، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، وصحيح الجامع الصغير للمحدث الشيخ/ ناصر الدين الألباني، انظر موقع (حديث).

3 – موجز تجديد الدين وإحيائه، المفكر الإسلامي العلامة أبو الأعلى المودودي، ترجمة محمد كاظم السباق، وهو في الأصل مقال نشر عام 1940 في مجلة الفرقان في ذكرى المجدد العلامة ولي الله الدهلوي، نسخة إلكترونية.

4- نقلا عن كتاب: معالم في تجديد المنهج الفقهي.. أنموذج الشوكاني، ص53.

5- المصدر السابق، ص52-53.

6- المودودي، المصدر السابق+ وانظر فصل/ أولويات أمام الاجتهاد والتجديد لمنير شفيق، ص56، وفصل/ فلسفة التجديد الإسلامي لبرهان غليون، ص69 في كتاب/ الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، مركز دراسات العالم الإسلامي، ط1، 1991.

7- أصول الدعوة، د. عبدالكريم زيدان، ص164، دار الفكر العربي، ط3، 1976.

8 – يوجد عدد كبير من البحوث والكتب التي تتناول كل ما يتعلق بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطه وآدابه إلخ. كذلك تخصص كل المذاهب تقريبا بحوثا خاصة تبين وجهة نظرها في هذا الواجب ومشروعيته وشروطه.

9 – الشيخ محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، ص321، دار الفكر العربي، بدون تاريخ، وعبد الكريم زيدان مصدر سابق ص143. انظر أيضا: فصل/ مناهج الاجتهاد والتجديد، محمد فتحي الدريني، ص9، في كتاب/ الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، مصدر سابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى