حفريات معرفية

الصحابة والسُّنة النبوية

د. كمال القطوي

رسولٌ من عند الله، أم ساعي بريد؟! (5)

البرهان الثالث: إقرار الله للصَّحابة تمسكهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته.

أليق الناس بفهم مقاصد الإسلام وروح الشريعة بعد النبي : الصحابة؛ لأنهم عايشوا تنزّل الوحي لحظة بلحظة، ونزل بلسانهم الذي عهدوه، ولقربهم الشديد من صاحب الشريعة وسؤالهم له، ولصفاء نفوسهم وإقبال أرواحهم على الله، وخلو بيئتهم من ضغط النموذج الحضاري المنافس و المنغصات الفلسفية والشبهات الوثنية المعقدة، فما ثم إلا وثنية حجرية ساذجة لا تسندها خلفية فلسفية ولا منطق شركي متماسك، فتخلّصوا منها عند أول تنبيه، فكانوا أنقى القلوب وأزكى العقول التي تلقت الوحي؛ (ومن المعلوم (أيضًا): أنهم كانوا أقدر منا على الاجتهاد، واستنباط الأحكام من الكتاب. ومع ذلك: فقد كانوا لا يستقلون بالفهم منه، فيما ينزل بهم: من الحوادث. بل كانوا يرجعون إليه وفيما يطرأ عليهم)[1].

وكان أحدهم إذا نزلت به النَّازلة سأل النبي إن كان حاضرًا لديه، فإن نزلت به وهو بعيد في سرية أو سفر، بحث عنها في كتاب الله، فإن لم يجدها فيه، بحث عنها في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد اجتهد وعرض اجتهاده على النبي فيقره أو يصوبه. ولو كان عمل الصحابة بسنة النبي خطأً لبين الله لهم أنهم تجازوا نص الرسالة الوحيد “القرآن” إلى كلام بشر مثلهم، ولكن القرآن كان يحثهم على ذلك[2].

ومن شواهد هذا الاتباع:

  1. ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمر قال: اتَّخَذَ النبيُّ ﷺ خاتَمًا مِن ذَهَبٍ، فاتَّخَذَ النّاسُ خَواتِيمَ مِن ذَهَبٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ: إنِّي اتَّخَذْتُ خاتَمًا مِن ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ، وقالَ: إنِّي لَنْ ألْبَسَهُ أبَدًا، فَنبَذَ النّاسُ خَواتِيمَهُم[3].  فلم يسألوه أين نجد ذلك في كتاب الله، لعلمهم أنه مُشرّع لا يعمل إلا بوحي، ولم ينكر عليهم القرآن هذا التقليد التام للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان اتباعهم لخطى النبي صلى الله عليه وسلم مقتضى تنصيب القرآن للنبي مشرعًا وقدوة.
  2. وعن يعلى بنِ أُمَيَّةَ، قالَ: قُلتُ لِعُمَرَ بنِ الخَطّابِ: {ليسَ علَيْكُم جُناحٌ أَنْ تقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، إنْ خِفْتُمْ أَنْ يفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء:١٠١] فقَدْ أَمِنَ النّاسُ، فَقالَ: عَجِبْتُ ممّا عَجِبْتُ منه، فَسَأَلْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن ذلكَ، فَقالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بها علَيْكُم، فاقْبلُوا صَدَقتَهُ)[4]. فهذه صلاة القصر التي يعمل بها المسلمون بينتها السنة، وأبقت عليها في الخوف والأمن.
  3. عن عبدالله بن عمر قال: قالَ النبيُّ ﷺ يَومَ الأحْزابِ: لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قرَيْظَةَ فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ، فَقالَ بعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتّى نَأْتِيَها، وقالَ بعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ)[5]. فانظر كيف خالف فريق منهم القرآن –كما يبدو- وصلوا الصلاة في غير وقتها، لأن الأمر خرج لهم من مصدر التشريع، فلا تناقض ولا مخالفة، فالذي أمرهم بالصلاة على وقتها أمرهم بطاعة المشرع محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يشعروا بالتناقض، وقد أقرهم على أصل المسألة وهو الاتباع الحرفي لأمره.
  4. وعن محمد بن مسلمة قال: (جَاءَتْ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئاً فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَاهَا السُّدُسَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ)[6].
  5. عن عبدالله بن عباس قال: ( قام عُمَرُ على المِنبَرِ، فقال: أُذكِّرُ اللهَ امرَأً سمِع رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَضى في الجَنينِ، فقام حَمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابِغَةِ الهُذَليُّ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، كُنتُ بين جارِيَتينِ -يعني ضَرَّتينِ- فجَرَحَتْ أو ضَرَبَتْ إحداهما الأخرى بالمِسطَحِ، بعَمودِ ظُلَّتِها، فقتَلَتْها، وقتَلَتْ ما في بَطنِها، فقَضى النَّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ بغُرَّةِ عبدٍ أو أَمَةٍ، فقال عُمَرُ: اللهُ أكبرُ، لو لم نَسمَعْ بهذا ما قَضَينا بغيرِه)[7].
  6. عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: (اختَلعتُ مِن زوجي، ثمَّ جئتُ عثمانَ، فسألتُه: ماذا عليَّ منَ العدَّةِ؟ فقالَ: لا عِدَّةَ علَيكِ، إلّا أن تكوني حديثةَ عَهْدٍ بِهِ، فَتمكثي حتّى تَحيضي حَيضةً، قالَ: وأَنا متَّبِعٌ في ذلِكَ قضاءَ رسولِ اللَّهِ في مَريمَ المغاليَّةِ، كانت تحتَ ثابِتِ بنِ قيسٍ بنِ شمّاسٍ، فاختَلعَت منهُ)[8].
  7. عن عبدالله بن عباس: (أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عنْه، حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: لو كُنْتُ أنا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: لا تُعَذِّبُوا بعَذابِ اللَّهِ، ولَقَتَلْتُهُمْ كما قالَ النبيُّ ﷺ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ. فقال علي : صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ)[9].

فهذه الأخبار وغيرها عشرات، تفيد معنى متواترًا جزمت به الأمة، وهو أنَّ الصحابة كانوا يصدرون عن أوامر النبي ويخضعون لفتواه.

وقد يقول قائل: وكيف لكم أن تستدلوا على حجية السُّنة بهذه الأحاديث ونحن ننكر السنة أصلًا، أليست هذه مصادرة على المطلوب “كما يقول المناطقة”؟

فنقول: نحن لا نثبت بالأحاديث حجية السنة، وإنما وضعنا سؤالًا منهجيًا صارمًا، وهو: كيف تعامل الصَّحابة مع النَّبي في فترة الوحي؟ هل عاملوه كساعي بريد يوصل لهم الرسالة ولهم حرية فهمها بسليقتهم العربية، وفهمه لا يعدو أن يكون مثل أحدهم لا حجة فيه؟ أم أنهم عاملوه كرسول يبلغهم ما جاء به الوحي سواء كان قرآنًا أو سنة؟

فكانت إجابتنا من خلال استقراء عشرات الشواهد أنهم كانوا يعاملوه كرسول مشرّع بمقتضى وحي الله له، فقلتم : ومن أين لكم ذلك ، فسردنا لكم هذه الأخبار التاريخية التي جاءت عبر أصح الأسانيد، وهي وإن جاءت آحادًا، إلا أن معناها الكلي تطابقت عليه جميع الروايات، فارتفعت إلى درجة التواتر المعنوي، و كشفت لنا بما لا يدع مجالا للشك أن الصحابة تعاملوا مع السنة كوحي ومصدر ثان للتشريع، وأن القرآن لم يعترض على ذلك، فكان إقرارًا لصنيعهم الذي مضوا عليه.

وذلك الصنيع من الصحابة كان في فترة نزول الوحي وإقراره لهم، واستمر معهم عند ارتفاع الوحي وغياب شخص النبي بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، لأن حديث النبي عند الصحابة وحي واجب الاتباع.

وقد قلت لأحد الذين يشغبون على حجية السنة: لتفترض أن محمداً صلى الله عليه وسلم، كبير فقهاء الأمة – صلى عليه ربي وغفر لنا تجاوزنا –  أفلا يكون لقوله الفقهي وزرن كبير، باعتبار أن القرآن نزل على قلبه، وهو أفصح من نطق بالعربية، وروحه الأزكى، أفلا تكون كل هذه المؤهلات تجعل لقوله الفقهي وزناً لا يعدله قول أحد؟!

فإن قلت نعم، فقد أقررت على نفسك بخصوصية الأمر النبوي، وإن قلت لا، فقد نزعت عن النبي أبهى خصائصه في كمال العقل الإنساني والفهم عن الله. وإن قلت كلامه مقدم غير ملزم، لزمتك الحجة كذلك، لأن النزول عن كلامه، إلى من دونه طيش، فأنظر أي مقام تجعلونه لنبيكم!

وأنظر كيف تعامل الصحابة مع عاداته العادية التي ليست محل تشريع، في حركته العادية كما كان يعمل ابن عمر حيث يستظل تحت الشجرة التي استظل فيها النبي .

فأي الفريقين أحق بمحمد، وأولى بالفهم عنه، زمرة الصحابة الذين اقتفوا أثره، أم الخلوف التي تقدمه للأجيال كساعي بريد، لا يفقه رسالته!

إن خطورة إنكار السُّنة النبوية، سواء كان الإنكار في صورته المتطرفة: (إنكار كل السنة)، أو في صيغته المتذاكية: ( إنكار المرويات والقبول بالسنة العملية)، هدر للقرآن أولاً، وطعن في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، ولمز بالصحابة الذين كانوا يرجعون إلى السنة بعد القرآن فوراً، وإزراء لكل علماء الأمة من شتى المدارس الذين جعلوا السنة نصب أعينهم في الفتيا والتربية، وتفريغ للتشريع الإسلامي من محتواه.

وبحسب عاقل أن يتأمل هذه الحروف اليسيرة، وأن يلاحظ مآلات القول بإنكار السنة، فإن إنكارها هدم لضروري من ضرورات الإسلام.

ولنا حديث لاحق عن أبرز شبهات أصحاب نظرية “ساعي البريد”، والله المعين.

هوامش:

  1. عبد الخالق، مرجع سابق(ص:284).
  2. ينظر: عبد الخالق (ص:284).
  3. صحيح البخاري ٧٢٩٨، صحيح مسلم: ٢٠٩١.
  4. صحيح مسلم ٦٨٦.
  5. صحيح البخاري ٤١١٩.
  6. أخرجه أبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠١)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، وأحمد (١٨٠٠٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦٣٤٠).
  7. أخرجه عبدالرزاق (١٨٣٤٣)، والطبراني (٤/٨) (٣٤٨٢)، والدارقطني (٣/١١٧). وأخرجه ابن ماجه (٢٦٤١)، وإسناده صحيح.
  8. أخرجه النسائي (٣٤٩٨) واللفظ له، وابن ماجه (٢٠٥٨)، وصححه الألباني.
  9. صحيح البخاري ٣٠١٧.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى