فكر

نتائج دعوات التجديد والإصلاح الحديثة

التَّجديد والإصلاح الدِّيني في الإسلام (5-7)

1- أعادت الحيوية لأصول الإسلام وعقيدة التوحيد الصافية من البدع والخرافات بعد أن ضعفت أو تشوهت آثارها في المجتمعات الإسلامية بسبب عصر التخلف والجهل والجمود، وجددت الثقة بمبادئه وتشريعاته وقدرتها على استيعاب المتغيرات الحديثة في إطار المرجعية الإسلامية، ودون التفريط بالثوابت الإسلامية.

2- أعادت العقل الإسلامي إلى دراسة تراث العلوم الإسلامية الأصيلة في عصور الازدهار والثراء الحضاري، ونشرت مصادر العلوم الإسلامية، وعملت على تحقيقها وتنقيتها من الأخطاء والتشويهات التي لحقتها وخاصة وقائع التاريخ الإسلامي، وتقديمها للأجيال الجديدة بصور متميزة في الطباعة والإخراج.

3- رفعت للإسلام راية واضحة بين الرايات العلمانية المرفوعة بعد سقوط الدولة العثمانية وضياع الكيان السياسي الكبير للمسلمين، وتكالب الدول الاستعمارية المسيحية لالتهام العالم الإسلامي.

4- أعادت روح الانتماء إلى الإسلام والاعتزاز به كمنهج للحياة بعد أن نجح الغزو الفكري الاستعماري في غزو عقول النخبة المسلمة، وأحيت في نفوس المسلمين الاعتزاز بهويتهم الإسلامية، وخاصة الشباب الإسلامي الذي أصبح عمود التجديد والإصلاح الإسلامي بعد أن كان البيئة التي ينشر فيها الإلحاد والتغريب أفكاره الخبيثة.

5- أحيت فكرة العمل الجماعي المنظم لنصرة الإسلام والدفاع عنه، والدعوة إلى مبادئه وصلاحية تعاليمه وتشريعاته لروح العصر وكل عصر، وقدرتها على تقديم حلول لمشاكل الإنسان والمجتمعات البشرية.

6- حفظت حركات التجديد والإصلاح كثيرا من مقومات الهوية والثقافة الإسلامية في معظم المجتمعات الإسلامية، وجنبتهم مصير السكان الأصليين في الأمريكيتين وأستراليا وبعض من بلدان أفريقيا وآسيا الذين تعرضوا للفناء والذوبان في دين الاستعمار الحديث ولغته وثقافته.

7- أسهمت حركات الإصلاح والتجديد الإسلامي في إنقاذ كثير من الشعوب الإسلامية الفقيرة من غوائل التنصير والإلحاد والانسلاخ عن الانتماء للدين الإسلامي، والجهل بالثقافة الإسلامية. ونشطت منظمات الدعوة الإسلامية الخيرية وتقديم العون الأخوي في جميع المجالات الاجتماعية، والتعليمية، والصحية، والخدمات الضرورية.

8 – نشر دعوة الإسلام في كل أرجاء المجتمعات التي لم تكن تعرف الإسلام من قبل، وخاصة في قارات أوربا وأستراليا والأمريكيتين، وكوريا واليابان، ودخول الملايين من المهتدين الجدد من مختلف الجنسيات والأديان في دين الله. كما نجحت في توفير الآليات والوسائل العصرية في رعاية المهاجرين المسلمين، وحفظ هويتهم الإسلامية، وربطهم بالعالم الإسلامي وقضاياه المصيرية.

9 – نجاح حركات التجديد الإسلامي في استخدام أحدث المنجزات العلمية الإنسانية كوسائل لنشر دعوة الإسلام وبكل اللغات المتاحة مثل الصحافة، والتلفاز، ووسائل الاتصال الاجتماعي.

10 – نجاح التجديد الإسلامي في تقديم البديل الإسلامي لكثير من وسائل الحياة العصرية وفي مختلف المجالات مثل الاقتصاد الإسلامي، والفنون الإسلامية، والتعليم الإسلامي، والإعلام الإسلامي.

11- نجاح حركات المقاومة الإسلامية في مواجهة العدوان وخاصة الغزو الروسي لأفغانستان، والاغتصاب الصهيوني لفلسطين.

12- نجاح التجديد الإسلامي في بلورة المشروع الحضاري المتكامل: فكريا، وسياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، ودعويا، وتربويا، وإعلاميا، وتبليغا لدعوة الإسلام في كل مكان.

13- انتصار الفكر الإسلامي في مواجهته للغزو الفكري الذي استهدف طمس دين الإسلام وحقيقته الشاملة لكل جوانب الحياة البشرية. وصارت عدد من أبرز مباديء التجديد الإسلامي – مثل صلاحية الشريعة الإسلامية، والوحدة الإسلامية- قواسم مشتركة لدى تيارات فكرية طالما ناصبت الفكرة الإسلامية العداء.

14- نجحت في إزالة الحواجز القومية واللغوية بين الشعوب الإسلامية من خلال ترجمة الانتاج الفكري للمجددين والمصلحين الإسلاميين إلى جميع لغات الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية.

تقييم عام لحركة التجديد والإصلاح الإسلامي

لم تنجح حركات التجديد والإصلاح الإسلامي الحديثة في تحقيق الانتصار الكامل لأهدافها التي ذكرناها، وتراوح النجاح بين نجاحات جزئية، وإخفاق كامل ولكن مع بقاء روح المقاومة والدعوة تعتمل بانتظار فرصة جدية للنهوض. وبصورة عامة تكاد تكون أسباب الإخفاق متشابهة ومتكررة، وهذه نظرة على أبرز الأسباب ومظاهر الإخفاق:

1- لم تنجح حركات التجديد والإصلاح في استعادة شوروية الحكم على نهج الخلافة الراشدة، وكانت أول تلك المحاولات – وربما آخر محاولة- وأكثرها أهمية وحظا في النجاح هي المحاولة الإصلاحية للخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز الذي نجح خلال عامين من حكمه في استعداد ألق الحكم الإسلامي الراشدي، لكنه لم يستطع استكمال مشروعه، وتأسيسه على قواعد صلبة لأسباب عديدة منها؛ قصر عهده في الحكم، ومنها قوة العائلة الأموية الحاكمة التي لم تكن تسمح له بتنفيذ الانقلاب الشوروي كاملا.

2- غلب على كل محاولات التجديد والإصلاح الإسلامي – إلى الثلث الأول من القرن العشرين- المبادرات الفردية، وافتقدت إلى العمل الجماعي المنظم الذي يحفظ لها الاستمرار في غياب المؤسس والقيادات، وفي حالة الهزيمة المؤقتة.

3- اهتمت معظمها بجانب واحدة وشعبة واحدة أو شعبتين من مجالات التجديد، فلم تمتلك مشروعا متكاملا للتجديد والإصلاح مما أسهم في إضعاف حركتها وانطفاء جذوتها سريعا.

4- تأثر عدد مهم من حركات التجديد بالطرق الصوفية التي سرعان ما تغلّبت بطبيعتها السلبية على روح التجديد والإصلاح، وحولتها إلى نسخة مكررة منها.

5- أثرت سلبا معاداة مؤسسة الحكم في العالم الإسلامي للتجديد والإصلاح بسبب التعصب المذهبي أو خوفا من منافستها على الحكم إلى درجة محاربتها ومحاولة استئصالها، والتآمر ضدها مع أعداء الأمة.

6- تأثر التجديد الإسلامي سلبا بقوة تأثيرات الغزو الفكري في العصر الحديث، واعتماد الاستعمار الحديث على وسائل قوية وعصرية في السيطرة على العالم الإسلامي واستنبات نخب حاكمة وفكرية وسياسية مرتبطة به عن اقتناع بالتغريب.

7- تأثر التجديد الإسلامي سلبا بحالة التخلف والجمود الحضاري المؤلمة التي رانت على العالم الإسلامي في العصر الحديث، وانقطاعها عن العلوم الحديثة والتطورات العلمية الكبيرة التي عرفها العالم في مختلف جوانب الحياة المادية.

8- واجه التجديد الإسلامي حالة مؤسفة عميقة من الجهل بالدين التي أشاعت البدع والخرافات وجعلتها هي الدين الحقيقي في عيون العامة الجهلاء، وحتى صارت مباديء الإسلام وأصوله ودعوات التجديد والإصلاح لإعادة الروح إليها غريبة ومستهجنة عندهم تستحق العداء والمحاربة.

9- عرقلت يقظة العدو التاريخي للأمة الإسلامية نجاح كثير من حركات التجديد والإصلاح من خلال تصديها الفوري لأي محاولات إصلاحية وتجديدية جذرية وشاملة تضع المجتمعات الإسلامية على الطريق للنهضة والإصلاح الحقيقي؛ بدءا من تحقيق الإصلاح السياسي وإعادة شوروية الحكم إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي عن التبعية له سياسيا واقتصاديا.

10-  رغم المقاومة الإسلامية التي واجهت الغزو الاستعماري ومخططاته الإصلاحية المشبوهة إلا أنها فشلت في معظم الحالات في صد موجات الغزو الفكري الغربي؛ كما فشلت في مواجهتها العسكرية بسبب التفوق المادي الاستعماري وبسبب ما كان يعانيه المسلمون من حالة التدهور المادي والتخلف الفكري عن روح الإسلام ذاته ومبادئه وأصوله ورسالته الحضارية، وأدى ذلك الفشل إلى نتيجة مؤلمة ذات أثر سيء وسلبي على المجتمعات الإسلامية.

موازنة بين دواعي الإصلاح الإسلامي والإصلاحين المسيحي واليهودي

هناك ضجيج كبير وإعجاب منذهل إلى درجة الانسحاق النفسي بالإصلاحات الدينية المسيحية واليهودية، ودعوات ومطالب متحمسة إلى درجة الريبة بضرورة حدوث إصلاح إسلامي كما حدث في المسيحية واليهودية؛ بزعم تخليصه مما اعتراه من غبار القرون والأخطاء المتراكمة، والتي يزعم بعض المتطرفين أنها قد تعود إلى 1400سنة؛ أي أن الإسلام هو الخطأ بذات نفسه ابتداء ونهاية!

ومما يحز في النفس أن نجد هناك من أبناء المسلمين من يخلط الأمور متعمدا أثناء حديثه عن دواعي الإصلاح الديني بين الإسلام من جهة والمسيحية واليهودية من جهة أخرى؛ مع كل ما يفرق بين الطرفين سواء من جهة الأصول المقدسة أو في التجربة التاريخية، ويروج بخفة إلى مساواة الطرفين في كل شيء من الانحرافات، وإلى حاجة الإسلام لإصلاحات على الطريقة المسيحية واليهودية؛ بل وإلى إصلاحات في أصوله وليس فقط في الفروع وبعض الممارسات البشرية!

ولو تأملنا الحيثيات – التي سردناها سابقا – التي دفعت دعاة الإصلاح المسيحي لقيادة ثوراتهم الإصلاحية، واستحداث دين/ مذهب مسيحي ثالث، ومثلها حيثيات حركة الإصلاح اليهودية؛ فسوف يكون من المكابرة القول إن المجتمع الإسلامي والإسلام بحاجة إلى ثورة على النمط البروتستانتي؛ سواء في طريقة تعليق المطالب الإصلاحية على باب كنيسة، أو في نتائجها التي أدت إلى ظهور دين/ مذهب مسيحي جديد وليس فقط مجرد طائفة دينية، أو بحاجة إلى حركة إصلاح هسكالاه يهودية تصل في غلوائها إلى إنكار أساسيات الدين.  (راجع الحديث عن العوامل التي أدت إلى ديمومة التجديد الإسلامي).

وهذه أبرز تمايزات دواعي الإصلاح بين الحالة الإسلامية والحالتين المسيحية واليهودية:

1- الموقف من الكتب المقدسة الثلاثة

على العكس من رفض الإصلاح اليهودي القبول بصحة التوراة والتشكيك بنسبتها – وخاصة الروايات التاريخية فيها- للمصدر الإلهي أو للنبي موسى عليه السلام وغيره من الانبياء.. وعلى العكس من إهمال كنيسة روما الكاثوليكية للكتاب المقدس كمصدر للعقيدة ولطقوس العبادات، وجهل الأمم المسيحية به، وتقديم كلام رجال الدين الكاثوليكي عليه وجعله بديلا للكتاب المقدس مما كان أبرز أسباب الإصلاح المسيحي.

على العكس من كل ذلك ظل القرآن الكريم الكتاب المقدس للإسلام ولكل المسلمين، والمرجعية الأولى لكل شؤونهم الدينية، محفوظا من تهم التناقض مع العقل والوقائع التاريخية، ونقيا من التحريف والتبديل والتزييف، سليما كما أوحى به الله الخالق لنبيه الكريم، وكما بلغه الرسول الكريم وعلمه لأصحابه، وهي عقيدة من أصول الإسلام يؤمن بها جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم، ويكّفرون من يعارضها، أو يتقول على صحة الكتاب المقدس للإسلام.(1)

ولم يجرؤ حتى أصحاب مقولة تحريف القرآن من غلاة الشيعة على المجاهرة بآرائهم تلك، وما يزال عامة الشيعة حتى الآن ينكرون ذلك على الأقل علانية، ويتهمون غلاة منهم بتبني هذه الفكرة الكفرية. وفي كل الأحوال فحتى غلاة الشيعة ممن يقولون بحدوث تحريف في القرآن الكريم يقصرون التهمة على حذف مزعوم لآيات لأنها بزعمها مجدت فضائل الإمام علي وأبنائه وزوجته، وفرضت لهم حقوقا من الولاء والمحبة والنصرة ما يتجاوز ما فرض لعامة المسلمين.. بالإضافة إلى المسألة المهمة في مذهبهم وهي حقهم الإلهي الحصري في تولي الحكم والإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من الله تعالى ووصية من نبيه.. وبمعنى آخر فإن دعوى غلاة الروافض عن حدوث تحريف في القرآن لم تشمل نصوص القرآن الموجود بين أيدينا، ولا عموميات العقائد الإسلامية الثابتة في الإيمان بوحدانية الله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والجنة والنار، والحساب والعقاب.. كما لم تشمل عموميات قوانين الشريعة الإسلامية في العبادات والمعاملات والأخلاق والأحوال الشخصية.. ولا الأخبار التي وردت في القرآن عن الأمم السابقة وخلق الإنسان. كما أن مثل هذه المسائل ظلت محصورة وسرية غالبا في أقليات هامشية ولم تشكل عقيدة مهيمنة على مجتمعات المسلمين بخرافاتها وانحرافاتها؛ بل لاقت مقاومة فكرية دون تلكؤ من مبدأ التاريخ الإسلامي.

ووفق المعايير العلمية والمنهجية التاريخية التي وضعها المنتقدون والرافضون لروايات التوراة الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين واللازمة لإثبات صحته؛ فإن من السهولة بمكان الاطمئنان إلى توفرها في القرآن الكريم الذي يؤمن المسلمون بصحته قطعيا، وخلوه من التحريف والتبديل، في مقابل عدم توفر تلك المعايير في رواية غلاة الروافض المروجين لفرية حدوث حذف فيه.(2)

وكذلك ظل القرآن الكريم المرجعية الأولى للجميع التي يستمدون منها عقائدهم وتعاليم الإسلام وشعائره وتشريعاته ومفاهيمه؛ رغم الاختلافات الكبيرة – مستندين في ذلك إلى فهوم وعقائد خاصة بكل مذهب- في تفسير معانيه والتي وصلت في أحيان إلى ما لا يقبله العقل ولا قواعد اللغة العربية كما هو ملاحظ في تفاسير الفرق البدعية كالفلاسفة والباطنيين!

وحتى في حالة التقليد للمشايخ وأئمة المذاهب لدى العامة والمتمذهبين؛ فإن ذلك لم يكن يعني أن أولئك المقلدين ينكرون مرجعية القرآن الأولى وعلوه على كلام البشر والمشائخ، ولكنهم يؤمنون جهلا أو تقليدا أن كلام المشايخ تفسير له لا يقدرون هم عليه. وفي كل الأحوال فإن ذلك لم يكن يلزم المسلم بشيء في حالة رفضه اتباع كلام فقهاء الدين إن لم يقتنع به!

وفي الحالتين فلم يكن مقبولا أن يقال إن الإسلام بحاجة لإصلاح جذري على الطريقة المسيحية للعودة إلى الكتاب المقدس كمرجعية أولى وتقديمه على كلام رجال الدين لأن الواقع الديني لم يخالف ذلك خلافا فاحشا ولا يمنعه حتى يحتاج إلى ثورة وحروب دينية دموية، ولا كان هناك من يشكك بصحة النص القرآني على طريقة الإصلاح اليهودي، ولا كان القرآن مغيبا عن الأمة تجهله ولا تعرف كيف تقرأه فضلا عن أن تفهمه وتعمل به!

وفي ظل هذه الحقيقة يمكن فهم طبيعة بعض الاختلافات بين المذاهب ذات الصلة بالقرآن؛ وعلى سبيل المثال فلم تكن الخلافات الأشهر بين الفرق الإسلامية حول صفات الله تعالى الواردة في القرآن، وحول القضاء والقدر، وخلق القرآن أو عدم خلقه.. لم تكن إلا من باب الحرص على تنزيه الخالق مما قد يفهم خطأ أنه مشابهة للبشر (كما قال المشبهة وأشباههم)، أو من باب الحرص على نبذ التأويلات الخاطئة التي لا تتفق مع عظمة الخالق، ولا مع ما نسبه لنفسه، ولا مع قدسية القرآن الموصوف بأنه كلام الله (كما قال القدرية والمعتزلة ومن شايعهم).

2- فساد المؤسسة الدينية المتحكمة

كان من أبرز أسباب ثورة الإصلاح البروتستانتي المسيحية مفاسد مؤسسة الكنيسة ورجال الدين المسيحيين ماليا وأخلاقيا.  ولسنا ننكر وجود فساد لدى فقهاء مسلمين ورموز دينية؛ لكنها لم تكن في خطورة مفاسد الكنيسة على الدين والمجتمع والأفراد، والمسلمون كان لديهم من الوعي وكان لديهم من النصوص المقدسة الثابتة ما يمكنهم بسهولة من كشف الانحرافات ومخالفتها للدين.. والأكثر أهمية أنها لم تكن مفاسد مؤسسة حاكمة دينيا ودنيويا إن جاز التعبير؛ بل كانت ممارسات شخصية..  ولم تكن المفاسد تبرر بتعاليم الدين مثل بيع صكوك الغفران، ولم تكن معارضتها رفضا للدين وكفرا به، كما أنها لم تكن مرتبطة بسلطة دنيوية تحمي نفسها من النقد، وتضر بالمجتمع والدين، وتفتن الناس في دينهم وعقيدتهم!

3- لا وجود لفكرة منح صكوك الغفران مقابل مادي أو معنوي.

وكما لم يعرف الإسلام ولا المجتمع الإسلامي الغالب مصيبة عصمة الفقهاء وأئمة المذاهب فلم يعرف أيضا ممارسة مؤسسات رسمية لمنح صكوك الغفران من جهة بشرية للمسلم مقابل أي عمل أو ثمن نقدي! فالتعاليم الإسلامية واضحة في هذا الأمر في أن باب التوبة مفتوح أمام التائبين دون حاجة إلى وسيط إلا دعوة أخوية أن يتوب الله على العبد وأن يتقبل توبته، وفي أن الله تعالى هو وحده الذي يقبل التوبة من عباده، وهو وحده الذي يجازي الإنسان على أعماله الحسنة والسيئة التي استفاض القرآن والسنة النبوية في بيانها وتعديدها، وبيان ثوابها أو عقابها.

4- عدم انعزال المسلمين عن غيرهم في الحياة العامة:

على عكس ما حدث مع اليهود؛ فلم يحدث في التاريخ الإسلامي أن عاش المسلمون أقلية في مجتمعات غير إسلامية، إلا في عصر متأخر، ومن ثم فلم يحدث أن انعزلوا فيها عن غيرهم بدينهم وثقافتهم ومعاشهم،  وقد ساعد على ذلك حقيقية أن الإسلام دين تبشيري عالمي يستهدف الوصول بالفكرة الإسلامية إلى كل الناس وكل الأقوام مما يستوجب الانفتاح على الآخر، والاتصال به، والتواصل معه، والأخذ والعطاء معه؛ وخاصة أهل الأديان السماوية ذات الأصل السماوي الذين أمر الإسلام أتباعه أن يبروهم والإحسان إليهم، وضمان العدل لهم، وتحليل أكل طعامهم، والزواج من نسائهم طالما لم يعادوا المسلمين ولم يحاربوهم.

5- لا احتكار لتفسير القرآن وتعلمه وتعليم أحكامه.

على عكس الحالتين اليهودية والمسيحية؛ فلم يعرف تاريخ المجتمعات الإسلامية احتكارا على فرد أو طائفة أو نخبة في التعاطي مع القرآن الكريم: تعلما وتدريسا وتفسيرا مقابل جهل سائر المسلمين بكتابهم المقدس وبما فيه من تعاليم ومباديء لا سبيل لمعرفتها إلا عبر رجال الدين؛ وقد ظل الكتاب المقدس للمسلمين ميسرا لمن يريد قراءته وتعلمه منذ صغره في مئات الآلاف من المساجد والمدارس الأولية والمدارس الكبرى، وفي البيوت وفي الأماكن الخاصة.. والأكثر أهمية أنه كان محفوظا في الصدور، ولا يمنع صغير ولا كبير من تعلمه بل كانت قراءته وتعلمه وسيلة الفوز والترقي في الحياة الخاصة والعامة، وقامت قوانين الدول الإسلامية كلها على القرآن فلم يكن بحال محصورا في فئة ولا طبقة؛ بل كان تعليمه للصغار والكبار إحدى أبرز الوظائف والأعمال في المجتمعات الإسلامية.. وكل العلوم الإسلامية التي عرفها المجتمع المسلم كان الغرض منها هو خدمة القرآن الكريم وحفظه من التحريف والخطأ، وضمان فهمه بطريقة صحيحة.

وكان تفسير القرآن أحد أشهر الإبداعات العلمية الإسلامية، وظهرت آلاف الكتب في تفسير القرآن تنتمي لمختلف المدارس العقائدية والفقهية والفلسفية. وكلها كانت تعكس وضع حرية الاجتهاد في المجتمع المسلم، وحق المسلم وحريته في التعلم والتفقه والتأليف في الكتاب المقدس، وعلى العكس من ذلك ظل الكتاب المقدس لليهود والنصارى مكتوبا بلغة ميتة لا يعرفها إلا القليل منهم ولا يتيسر للناس تعلمها أصلا.. وليس إلا بعد 14 قرنا من رسالة المسيح عيسى علي السلام حين بدأت ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية ثم إلى اللغات الوطنية لتتاح للعامة فرصة الاطلاع عليه دون وسيط أو ترجمان.

ومما له دلالة في هذا السياق ما يرويه د. موريس بوكاي الطبيب الفرنسي (الذي أسلم بسبب اطلاعه على بعض مواضع الإعجاز العلمي في القرآن) في مقدمة كتابه الشهير: التوراة والإنجيل والقرآن في ضوء العلم الحديث؛ إنه رغم دراسته بداية القرن العشرين الميلادي في مدرسة ثانوية دينية كاثوليكية إلا أن الطلبة كانوا ممنوعين من قراءة الكتاب المقدس، ولم يكن متاحا لهم إلا بعض المقاطع المختارة لهم بعناية!

الهوامش:

1- يمكن القول إن مشكلة المصلحين اليهود والمسيحيين المتمردين – بمن فيهم أولئك الذين رفضوا الدين كليا وآثروا الإلحاد أو قدموا العقل عليه- كانت تكمن في التناقضات والخرافات وتهافت الروايات التاريخية الموجودة في الكتاب المقدس فضلا عن عدم اقتناعهم بصحة وروده عن الله وعدم صحة نسبة أسفاره للأنبياء!

2 – انظر كتاب/ في اللاهوت والسياسة للفيلسوف باروخ سبينوزا، الفصل السابع، مصدر سابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى