آثار

صفحات من ذاكرة الإرهاب الإمامي: الصوفية والرهينة أنموذجيْن

على امتدادِ التَّاريخ الإسلامي يهيمنُ العداء بين المدرستين، الزَّيدية، والصوفية، وسبب الخلاف يدور حول عروة الإيمان الأولى “السُّلطة”, فالزيدية تراها في آلِ البيت، وعلى النَّاس اتباعهم, ليس لأنهم وُلاة الأمر، بل معلمين وهداة مهديين ومرشدين وزعماء دينيين.

السُّلطة أصل من أصول الدِّين الإسلامي، وهي الرَّكن الثَّالث لدى أدبيات الفكر الزيدي، وعند الشيعة الاثني عشرية الركن الرَّابع[1].

أمَّا زعماء الحركة الصوفية فليس في أدبياتهم شيء عن السُّلطة، باستثناءِ الطاعة الشخصية من الحواري والمريدين والمقربين لِقُطْب الطَّريقة الصوفية، وما يخص عامة النَّاس هناك دعوة واضحة للزهد والعزوف عن الدنيا، ومساحه واسعة من التَّسامح، والتي لا تتوفر لدى أغلب الجماعات الدينية . أي أنَّ العمل السِّياسي هو من الشِّيطان لديهم.

فابن العربي مؤلف كتاب ”تدبير المملكة الإلهية” كان لديه مشروع عن السُّلطة الدينية التي تتجاوز حدود السلطة السِّياسية، لكن هذه المدرسة تلاشت، وعادت المدرسة الصوفية إلى حياةِ الزُّهد. 

نلاحظ غياب أثر الصوفية في اليمنِ الشَّمالي، من مدينةِ ذمار حتى صعدة, مرورًا بصنعاء وعمران،  حيث لا يوجد أي أثر للمدارس الصوفية ، وهي ظاهرة بحثتُ عنها كثيرًا وما زال البحث جارٍ، إذ لم نجد في أدبيات المذهب الزيدي ما يشير إلى الصوفية؛ ذلك لأنَّ الهداة المهديين قاموا بطرد رموز الصوفية من مناطقهم إلى المناطق الوسطى أو الغرب كتهامة وحضرموت, حيث تنتشر مدارس الصوفية هناك وتسيطر على حياة الناس أيضًا. 

الزيدية يستنكرون الطقوس الروحية ، أو أي شكل من أشكال التواصل الباطني مع عالم الغيب، وتستفزهم الشعائر الصوفية، ويحرّمونها بشدة، بمعنى أنَّ المدرسة الزيدية فلسفية عقلانية وهي جزء من مدرسة الاعتزال، وكلا المدرستين الزيدية والمعتزلة ترى عدم احتمال حدوث معجزات للأنبياء، فضلًا أن تكون لبعض البشر كالصوفية[2].

الشاهد الأول:

ابن المرتضى[3] في كتابه ”القمر النوار في الرد على المرخصين في الملاهي والمزمار” حرم فيه التسلية واللهو، حيث سرد فيها أحاديث مطولة تُدين الآلات الموسيقية، وشراء الجواري، وانتقد بعض علماء الصوفية الذين يجيزون الطمبور والمزمار في الأسواق، ووصفهم بأنهم أعداء الدين، وأشار بأنَّ هذه الفرقة التي تدعي الصوفية لا أساس لها من الدين[4]. عنوان الكتاب مثير، وهو هجوم على المدرسة, وأنَّ تسوية هذا الخصام يكون بالدَّم.

الشاهد الثاني:

محمد بن إسماعيل الأمير(1769م) أحد علماء الزيدية في كتابه ”نصرة المعبود في الرد على أهل وحدة الوجود” وكتاب آخر بـ ”تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد”.

محمَّد بن اسماعيل الأمير ينحدر من المدرسة الأكثر اعتدالًا، لكنه غير متسامح مع الصوفية ورموزها، وهو ما عبر عنه كتابه “تطهير الاعتقاد عن أدرانِ الالحاد”.

حدث وشاهد عيان

في عام (1532م) استدعى الإمام شرف الدين عدد من رموز الصوفية، بينهم القاضي محمد بن عطف الله العبسي، لمناظرة حول معتقداته الدينية، ثمَّ هدده بعد المناظرة بأن يُعامل القاضي والرموز الصوفية معاملة الخوارج، وأن يجبرهم على طلاق زوجاتهم، وبعد المناظرة تعرضوا للضرب المبرح، مما جعل القاضي محمد يتراجع عن الصوفية، وكتب تصريحًا أوضح فيه إنكاره للصوفية.

قام الإمام النَّاصر بغارة عسكرية على الصوفية وقتل أحد رموز الصوفية مع ابنه الأكبر وجميع أصحابه[5]، ولم تصدر من القطب الصوفي أي مقاومة مسلحة من جانبهم.

هذه الحادثة أدانها الشاعر إسماعيل أبو بكر المقري بقصيدة مطولة، أدان فيها تصرف الإمام على عدوانه[6].

المتوكل على الله يحيى حميد الدين

بعد خروج العثمانيين من اليمن عام (1918م)، قام الإمام بإجراءات قاسية ضد الشاذلية إحدى الطرق الصوفية، واحتجزهم رهائن، كما قام الإمام أحمد بقتل عدد من علماء الصوفية، ويذكر الحبشي أنَّ النَّاصر بالله أحمد بن يحيى حميد الدين الذي حكم من (1948- 1962م) أمر بهدم مسجد الشيخ الصوفي أحمد بن علوان في تعز، وقبور أخرى بجواره، حتى مدرسة الأشاعرة في زبيد، كما قام الإمام أحمد بإغلاق مركز إشعاع الفقه الشافعي، واستولى على جميع أوقاف هذه المدرسة في زبيد. وبهذا أصبحت مدرسة زبيد مشلولة الأثر بعد الإجراءات القاسية بحقها من قبل الإمام أحمد.

صفوة القول:

هناك اختفاء تام للمدراس الصوفية في الشمال اليمني, يقابله حضور مزدهر للمدرسة نفسها في تهامة, وتعز, وعدن وحضرموت، فالبناء الاجتماعي يرتكز على قطب الطريقة الصوفية بينما في الشمال اليمني هرم السلطة هو شيخ القبيلة.

تمدَّد الصراع في الشمال وانحسر أثره جنوبًا، ذلك لأنَّ المدرسة الصوفية أحدثت هذا التغيير من خلال الدعوة إلى التسامح والعفو، والرضى بالفقر أحيانًا، والدعوة إلى عيشة الفقر، ووضعت حدًا لطموح النخبة ورموزها, على عكس الشمال اليمني إذ أصبح القتال مصدر دخل, بل يجب الذهاب إلى الحرب ليس لإقامة شرع الله كما يقال، بل للثراء، وأخذ أموال الناس، وما أوجب الله، أكان بالضريبة، أو القتل، وهو ما أشار اليه أمين الريحاني في زيارته لليمن بقوله ”وفي إحدى الاستراحات بمحافظة إب، طلبت من إحدى اليمنيين لبنًا؛ فأجاب: لا غنم لي ولا بقر، ولا ماعز، ولو كان لي فمن يرعاها؛ شبابنا في معسكر الإمام، والعمال أخذوا أغنامنا كلها زكاة، وضرائب لبيت المال“[7]. ثمَّ يعلق أمين الريحاني حول رحلته السياحية في اليمن ”وكأنك بتلك البلاد السعيدة تعود فجأة إلى القرن التَّاسع الميلادي، لا يوجد مدارس ولا صحف، ولا مطابع ولا أدوية ولا مستشفيات، الإمام هو كل شيء في هذه البلاد ، هو الطبيب والمحامي والعالم والكاهن[8].

النموذج الثاني:

نظام الرهينة:

 استخدمَ الإمام نظام الرَّهائن[9] على نطاقٍ واسع، ويبدو أنَّ دافعه إلى نظام الرَّهينة ليس السيطرة السِّياسية فحسب، وإنما – أيضًا –  فرض الزَّعامة الدينية, وفرض الولاء قسرًا.

هنا إشارة أكثر خطورة في الاستبداد, والتَّلذُّذ به، لم يكتفِ الأئمة بالطَّاعة وحسب, بل فرض الحب طوعًا أو كرهًا؛ ولهذا شرَّع رموز السلطة الزيدية نظام الرهينة الأكثر إرهابًا في تاريخ التشريعات الإنسانية منذ النَّشأة الأولى لآدم عليه السَّلام.

إنَّ نظام الرَّهائن واحدًا من أبرزِ مظاهر الإرهاب في اليمن, وأصبحَ منهجًا أشد وضوحًا منذ تسلَّم الإمام يحيى (ت1367هـ-1948م) مقاليد السُّلطة والحكم في صنعاء عام 1918م .

لقد طُبِّقَ نظامُ الرَّهينة على أبناءِ زعماء القبائل اليمنية، الذين اعتقلهم الإمام؛ لضمان ولاء ذويهم، حيث خصَّص لهم الإمام مدرسين لتعليمهم، كما حرصَ على إعادة تنشئتهم على أسس ثقافية تدين بالولاء لشخص الإمام، ليتم إلحاقهم في مرحلةِ الشباب بالجهاز الإداري والجيش.

علَّقَ أمين الريحاني على نظامِ الرَّهينة بقوله: ”ولا عجب وتلك طريقة الاستيلاء على الإمامة إذ كانت الرهائن أساس الملك، إنَّ الرَّهائن دمّل في حكم حضرة الإمام، بل دمّل في نفسية أهل اليمن؛ لأنَّ الأمة التي ترضى في أيام السلم أن يؤخذ أبناؤها رهينة للوفاء والأمانة وإن كانت سليمة العقيدة، فليست سليمة في وطنيتها. 

لسنا نلوم الإمام وهو يحكم مثل هذه الأمة، وأعداؤه يحيطونَ به من الدَّاخل ومن الخارج، فهي بلاد في احترابٍ ظاهرٍ مع الإدريسي، وفي احتراب خفي مع الشَّوافع، وفي احتراب سياسي مع الانجليز, وفي احتراب متقطع مع قبيلتا حاشد وبكيل، هؤلاء أعداء الإمام فضلًا عن السَّادة أقرانه. 

لا أمل في تلك البلاد بالسلم الدائم في اليمن والنجاح, إلا في نزع حق الإمامة من السيف ووضعه في الشورى الحقيقية“[10]. انتهى

هوامش:

  1. مرتضى المطهري، مرجع سابق ، صـ ٣٧ .
  2. زيد بن علي الوزير، الصوفية والزيدية، مجلة المسار مركز التراث والبحوث اليمني ، لندن ، العدد ٢٣: ٢٤ . صـ ٣ .
  3. هو أحمد بن يحيى المرتضى، ويلقب بالمهدي لدين الله ٧٦٤- ٨٤٠ وهو أحد علماء الزيدية وأحد الأئمة أيضًا، دخل في صراع مع الأئمة في عهده ودخل السجن، أهم مؤلفاته كتاب البحر الزخار الذي يُعد أحد تراث الفكر الزيدي.
  4. زيد بن علي الوزير ، مجلة المسار، مركز التراث والبحوث اليمني، لندن، العدد الثالث والعشرين والرابع والعشرين، صـ ١٣٧ .
  5. زبارة ، أئمة اليمن بالقرن الرابع عشر للهجرة، مرجع سابق،  ٢٧٧ .
  6. صحيفة المسار ، الصوفية والزيدية، مرجع سابق صـ ١٣٤ .
  7. أمين الريحاني، مرجع سابق ، جـ ١ – صـ ١١١ .
  8. المرجع نفسه ، جـ ١ – صـ ١٦٤. 
  9. نظام الرهينة هو  أخذ أحد أبناء شيخ القبيلة ليكون تحت رعاية الإمام ،  كما يتبنى الإمام تربيته وتعليمه ، ثم يصبح موظفًا في جهاز الدولة، حيث كانت عادة القبيلة تقديم أحد أبنائها قربانًا لطاعة الإمام. فقد كان الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر أحد الرهائن الذي عاشوا في بيت الإمام بعد أن سيطر الإمام على قبيلة حاشد وقتل والده وأخوه الأكبر.
  10. أمين الريحاني، ملوك العرب رحلة في البلاد العربية ، دار الجيل، بيروت، ط٨ ، ١٩٨٧م . جـ١ ، ص ١٣٤ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى