أشتات

عندما عضّ مراد هوفمان بنواجذه على تعاليم الإسلام!

في عالمنا الذي يعجُّ بالشَّهوات المحسوسة، وتطغى المادة على سائر القيم ذات التجريد المعنوي والمنزع الأخروي؛ فإننا بحاجة للتذكير ببعض الأفكار التي تساعد العقول المرهقة على العبور من عالم الشهادة إلى عالم الغيب.

 ومن صور هذا الأمر أنَّ الله تعالى الذي يطلع على قلوب عباده يتولى هداية من يعلم فيها خيرًا ويمنح أصحابها ما هو أفضل في المعاش والمعاد، مهما بدا للنَّاظرين أنَّ الحوادث والأحداث تنأى بهم عن الخير، ومهما تاهوا في فيافي الحياة أو أصابتهم رياح المعاصي بنومِ الغفلة!

ومن عجيب ما رواه المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان في قصَّة إسلامه، كما في كتابه (يوميات ألماني مسلم) أنه سكر مع صديق له سنة ١٩٥١ في أمريكا، وأدى السكر إلى  اصطدام سيارتهم المسرعة بسيارة لا تقل عنها سرعة، وذكر أنَّ حادث الاصطدام العنيف ولّد طاقة توازي الطاقة الناتجة عن السقوط من الدور الخامس، مما أدى به إلى الإصابة بعدة كسور وتشوه وجهه وفقدان أكثر من نصف أسنانه!

ولقوة الحادث فقد استغرب الطَّبيب بقاءه حيا، وذكر له بأنَّ هذا الأمر غير طبيعي وأنَّ الله تعالى لا بدَّ أنه قد أنجاه من الموت ليدّخر له شيئًا أو يعده لأمرٍ ما!

وذكر أنه تذكَّر كلمات هذا الطبيب، حينما أقدم على اعتناق الإسلام سنة ١٩٨٠، بمعنى أن هذه الكلمات ظلت تسكن عقله الباطن بعد ثلاثة عقود من سماعها عن طبيبه الذي عالجه من جروحه المادية الغائرة، وهيأه من حيث لا يدري للتداوي من سقام عقيدة التثليث التي كان يأوي إليها مثل قرابة ثلاثة مليار من البشر، رغم أن فطرته كانت أقرب إلى التوحيد حتى أنه عندما تزوج بشريكة حياته تزوج على يد قسيس ممن يؤمنون بواحدية الله تعالى.

لقد ولد مراد هوفمان في ألمانيا ذلك المجتمع المتأصل في مسيحيته والمعتز بثقافته، ودرس في جامعة هارفارد الأمريكية والتي تصنف في عصرنا بأنها الجامعة الأولى في العالم، وترحل بين عشرات الدول في قارات العالم قاطبة، وتنقل بينَ الوظائف والمناصب، حتى صار سفيرًا لألمانيا في المملكة المغربية ثم مديرًا عامًا لإدارة الإعلام بحلف شمال الأطلسي.

 ولقد كان هوفمان ذا مدارك عقلية أصيلة، ودفعته للسَّيْر في طريقِ الاستقلال ولم تسمح له بالوقوع في فخّ الصورة النمطية الشوهاء للمسلم، والتي رسمتها الثقافة الغربية منذ الصراع مع المسلمين في بلاد الأندلس والحروب الصليبية، ونأت به هذه العقلية عن الوقوع في أسْر اللحظة العابرة في ميزان المداولة التاريخية والتي جعلت كثيرين يصمون الإسلام بالتخلف لأن أتباعه متخلفون في عصرنا!
ولهذا فقد ظلَّ من الذين يقومونَ لله مثنى وفرادى، متأملين في حقائق الوجود ومتفكرين في حقائق الأشياء، بعيدًا عن الانسياق مع ثقافة القطيع أو الانفعال ببهارج المظاهر، مما أوصله إلى اعتناقِ الإسلام بقناعةٍ كاملة ويقين تام بأنه الدِّين الحق والذي يمتلك المنهج المتكامل لإسعاد البشر في الأرض واستعادة الفردوس المفقود في السَّماء، ولم يأبه بردود الأفعال الاجتماعية التي يمكن أن تحصل أو بالمصالح التي يمكن أن يفقدها بعد أن أصبح سفيرا لامعا وكاتبا مشهورا.

وكما فعل قدوته في هذا الطريق، وهو المفكر النَّمساوي المسلم د. محمد أسد، فقد مضى هوفمان في هذا الطريق إلى النهاية، حيث رفع هويته الإسلامية بشجاعة حتى وهو يحضر مؤتمرات وندوات باسم حلف شمال الأطلسي، وأعلن دومًا اعتزازه بدينه الجديد، ولم يتوقف عن تأليف الكتب وكتابة المقالات وإلقاء المحاضرات والدروس في كافة المحافل والمنتديات التي تبرز مكارم الإسلام وتوضح خصائصه وتشرح تعاليمه بكل وضوح، بل وحمل الراية التي تدعو المجتمعات الغربية لاعتناق الإسلام كمخرج لمآزقها وعلاج لمعضلاتها، مع احتفاظها بما وصلت إليه من تقدم علمي وتفوق مادي، وما أنجزته في مضمار الحريات العامة وحقوق الإنسان!

وإذا كانت السيارة التي صدمته قبل إسلامه قد نجحت في اقتلاع نصف أسنانه، فقد نجح بأسنان الإيمان اليقيني القائم على المعرفة العلمية العميقة والخبرة الحياتية المتجردة من الأهواء والعصبيات، نجح في العض على هذا الدين بعد إسلامه، ولم تنجح عواصف الحملات التي شنها خصوم الإسلام في خلخلة أي سنّ من أسنان الثوابت الإسلامية في شخصيته، رغم قوة الحملات وتنوع أصحابها!

ولقد فعل ذلك بصورة جعلته قدوة حسنة لمجاميع من المسلمين التقليديين الذين ولدوا في مجتمعات إسلامية غلبت عليها التقاليد الموروثة وتلقنت بعض القيم من دون ترسيخها بالعلم الذي ينقلها إلى الإيمان البرهاني، ذلك الإيمان الذي لا يمكن لكل فتن الأرض أن تزعزعه!

ومع مطلع الألفية الجديدة وبعد ارتدادات المؤامرة على الربيع العربي، اندلعت موجة إحباط واسعة وسط مجاميع من الشباب العربي أسلمت بعضهم إلى السقوط في دوامات الشبهات التي تشكك في كل شيء جميل في هذه الأمة العظيمة، بما في ذلك دينها وثقافتها وتاريخها وتراثها، ولو عدنا إلى جذور هذه الآفة لوجدنا أن الجهل هو السبب الأساس، فمعظم هؤلاء يعانون من فتوق عقلية وفجوات معرفية مكنت رياح الشبهات والشهوات من رميهم في خنادق الإحباط، ودفعهم نحو ردود الأفعال المتطرفة التي وصلت بالبعض إلى حد تبني الإلحاد والتسليم بأن المخرج الوحيد لتخلف المسلمين هو الانخلاع من ربقة الإسلام وتبني العلمانية الغربية بصورتها المتطرفة التي ظهرت في مبتدأ الثورة على الكهنوت الديني في أوروبا والتي كان شعارها: “اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس”!

وبجانب التربية العلمية الواعية التي تنمي المدارك وتعمق الوعي، والتي ترشّد الخطاب وتهذب السلوك، يحتاج شبابنا إلى إبراز قصص العظماء الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام بقناعة وفهموه بوعي وطبقوه برشد، والذين كتبوا عنه ببصيرة، ودعوا إليه بحكمة.

ولا شك بأن د. مراد هوفمان ممن يقفون في طليعةِ هؤلاء الأفذاذ بجدارة، فقد كان عملاقًا في أفكاره وأفعاله، وقدّم نموذجًا رائعًا في اعتناقه الواعي للإسلام ودعوته المستنيرة إليه، وظل مثالًا في ثباته على ثوابته وفي عضّه بالنواجذ على قيمه العظيمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى