مقابسات

اليمن القديمة: بين الأسطورة والتَّاريخ

محمَّد محمود الزبيري

هل الأحباش من أصلٍ يمني .. من سبأ؟

ماذا جرى لقرار الجامعة العربية الخاص بالآثارِ اليمنية؟

توجد في جوانحِ الأرض العربية، في اليمن، حضارة عريقة دفينة تحت أكداس من ترابِ القرون، تكافح أطلالها المطمورة من أجل الظهور في مسرحِ التَّاريخ، كما يكافح الفريق جرفة التيار، فبرزت أنامله من تحتِ الماء تستجير وتستغيث.

وتكمن أنباء هذه الحضارة في ذاكرةِ الأجيال اليمنية، دفينة كذلك تحت ظلمات المصور الجاهلية الذاهلة، مختنقة بالأساطير والخرافات، خليط حقها بباطلها، وصدقها بكذبها، وواقعها بترهاتها، تمامًا كما تختنق كنوز القصور الباذخة، وأعمدتها العاتية الشَّامخة، ونقوشها النَّاطقة الصَّارخة، تحت طبقات ثقيلة عمياء من الأتربة والرِّمال والصخور والصَّمت.

غباء وجهالة .. وعجز وانحراف!

وإنك لترى بعض المؤرخين اليمنيين الذين تخلف في دمائهم إرث المأساة، وكمنت في أعراقهم أحاسيس المجد، وهم يؤرخون لحضارة أسلافهم، فلا يصنعون إلا صنيع النَّائم الحالم، تكدست في تلافيف مخه أخلاط الحياة الذاهبة، وانبجست في دنيا أحلامه كرموز وإشارات صاغتها الطاقات اللاشعورية، في أسلوب شاعري يشبه الأكاذيب، وما هو إلا الصدق المقنع المستكين، طورد من وعي شعبه فلا يستطيع أن يعود إليه إلا متنكرًا في أغربِ الأزياء.

وإنك لتحسُّ، وأنت تقرأ نماذج من ذلك التَّاريخ القديم، بأنَّ ومضات الحياة المتحضرة النابهة تلتمع بين الحين والحين في ثنايا السطور، كأنها رموز نابضة قادمة من عالمٍ آخر، شاعرة بالغربة والكربة، وسط خضم من الغباء والجهالات والانحراف والعجز والعقوق.

اشعاعات خافتة .. ومجد عريق

إنَّ النظرة إلى ما كتبه المؤرخون العرب القدامى عن تاريخِ العرب في اليمن قبل الإسلام، تؤكد أنه تاريخ لا يستطاع وزنه في موازين التاريخ الدقيقة، لكثرة ما اختنق فيه من غموض واضطراب وتناقض، ولقلة ما يستند إليه من أصول ووثائق، ولكن ذلك كان الشَّأن تقريبًا في تاريخ الأقدمين بصورة عامة، حينما لم تكن كتابة التاريخ خاضعة للنقد والتمحيص. بيد أنَّ المستشرقين الأوروبيين من عشَّاق التاريخ القديم كانت قد ألهبت عزائمهم الاشعاعات الخافتة التي تشير إلى كد يمني عريق، والتي وقعت عليها أعينهم في أسفار التاريخ اليوناني والروماني، وفي مؤلفات العرب، وفي الكتب المقدسة، وفي الأساطير الاسرائيلية، وفي بعض النقوش التي عثروا عليها خارج اليمن.

وتنبه هؤلاء الأفذاذ إلى أنَّ هناك شيئًا جليلًا كبيرًا وسط خرائب اليمن يستحق المغامرة والتضحية، فغامروا وثابروا، وأطلقوا بعيونهم الثاقبة من خلال الصخور الصلدة، إلى عالم عربي رائع بديه، تدرب وتترعرع فيه أمجاد العروبة الأولى في دنيا العالم القديم. ومن يومئذٍ تبينَ أنَّ فيما كتبه العرب القدامى عن تاريخ اليمن، بل وفيما رووه عن أساطير إسرائيل، شيئًا جليلًا من الحق والواقع، فهو وإن افتقر إلى الدقة في التفاصيل وإلى المنطق في سرد وقائع وحوادث معينة، فإنه على أقل تقدير كان إشارة مجملة إلى حقائق تاريخية ذات شأن كبير.

لكلِّ أسطورة أصلٌ وتاريخ

وقد تبين أنه على سبيل الحيطة لا ينبغي للباحثين أن يستهينوا بالعلاقة الوثيقة بين الأسطورة والتاريخ، فمخترعو الأساطير عادة لا يخترعونها من العدم، وإنما قد يصطنعون أقاصيص وتفاصيل ومبالغات، حول أصول الحقائق التي تتوارثها ذاكرة الأجيال، وتبليها الألسن، وتعبثُ بها لكثرة التداول.

حتى ولو شاء القصاصون أن يختلقوا ويبالغوا في بدع أو نكر، فإنهم غير قادرين على أن يخلقوا شيئًا من لا شيء، على أنهم خلقوه خلقًا بكرًا لتركوا لنا في ثنايا مخلوقاتهم الأسطورية، أضواء جمة إلى أسرار أنفسهم، وأسرار عصرهم، ونصيب من تراث العصور حتى وهو يخترعون الأكاذيب بل وقد يكون عطاء الأساطير أكثر من عطاء الحقائق وأجدى على التاريخ والمؤرخين.

إنَّ ملحمة كالإلياذة وهي تختلقُ ألوانًا من الآلهة وتزجُّ بهم في المعركة وتأخذ معهم وسط الحوادث التاريخية وتعطى، أجدى علينا من مجلدات تاريخية ضخمة، إذ هي تستطيع كما لا يستطيع أي مؤرخ متزمت أن تضع بين أيدينا صورة أصيلة، لنفسية الشعب ومتعقداته وتقاليده، وطريقته في ممارسة الحياة والموت، وأسلوبه في الخيال والتصور والتفكير، وخصائصه عند تحركاته العاطفية خلال الأمن والخوف والحب والكره والكر والفر والأفراح والأحزان. وأسطورة سميراميس تلك السيدة التي قد لا يكون لها وجود حقيقي في التاريخ، وهي مع ذلك أثبت بقاء وأعظم خلودًا من أي بطلٍ من أبطال عصرها، بل وقد تكون أكثر فائدة لتاريخ ذلك العصر السحيق من بطل حقيقي يرويه مؤرخ ما، إذ كانت هي وحدها رمزًا كاملًا لعصور طويلة عاشتها امبراطوريات بابل وآشور، كأنما كنت رؤيا رمزية تحلم بها أعراق الأجيال الهاجعة النائمة الساهية اللاهية، وتومئ بإشاراتها إلى ما تكنه تحت أقدامهم رمال الصحراء في جوانحها من حضارة مجيدة دفينة، تبين فيما بعد التنقيب عنها أنها كانت من المراحل الحاسمة في تطور البشرية.

ملوك حمير وأقيال اليمن

وبين أيدينا فيما يتعلقُ بتاريخِ اليمن القديم صور شتى من الأساطير، وألوان من المؤلفات التاريخية القديمة عن هذه البلاد المغمورة المطمورة، ولكننا نختار منها لبحثنا هذا تاريخًا أسطوريًا في كتاب قديم شرح فيه مؤلفه قصيدة لنشوان بن سعيد الحميري بعنوان “ملوك حمير وأقيال اليمن” وأخرجه إلى الطبع وحققه وعلق عليه باحثان وهما السيدان (علي بن اسماعيل المؤيد) و (اسماعيل بن أحمد الجرافي),

والصبغة العامة في هذا الكتاب هي المبالغة في إبراز الأمجاد اليمنية في العصور التي سبقت البعث الإسلامي. هذه الصيغة العامة وحدها تعطينا صورة دقيقة حية للنفسية اليمنية التي كان يعتلج بها جو ذلك العصر، بأسلوب وجداني متحمس صارخ، لا يغني عنه أي بحث دقيق – لو وجدناه – يعني بهذا الموضوع الحساس بطريقة مباشرة.

لقد أراد المؤلفون القدامى لأمثال هذه الأقاصيص أن يحملونا على التصديق والاعجاب بمعجزات مفتعلة للأبطال اليمنيين الأولين، ولكنهم حملونا على الاقتناع بحقائق جليلة أخرى لم يهدفوا إليها، بل لعلهم كانوا يميلون إلى كتمان بعضها والتستر بها. على أنَّ هذه الحقائق لا تقل أهمية في نظرنا عن التي أرادوها وقصدوا اليها.

ولن يتسع لنا مقال واحد لاستنباط الحقائق الكثيرة الدفينة في ثنايا هذه الأقاصيص، ولذلك سنشير إلى بعض منها إشارات متفاوتة.

الفتن تتلاحق

1-  تدل الصور النفسية التي تسود تلك الأساطير على خطورة الفتنة التي حدثت بين المهاجرين والأنصار على إثر وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها قد انتشرت بين اليمنين وتجاوزت الأوس والخزرج إلى اليمن، وطال عمرها حتى عصر نشوان الحميري في القرن السَّادس للهجرة. وهذه الفتنة لا يوجد لها ذكر صريح في الكتاب، ولكن الروح العامة فيه تدلنا عليها دلالة غير مباشرة، فإن الاعتزاز بالقحطانية، والتبشير بعودة الحكم إلى القحطانيين في المستقبل كما روته بعض الأساطير عن تبع. كان رد فعل طبيعيًا لشعور اليمنيين بالحرمان والضيم.

2- الحالة النفسية عند اليمنيين في ذلك الحين حالة منبثقة من طبيعةِ ظروفهم، ولها أسباب تاريخية معروفة، ولكن ربما وقع المؤلفون والأدباء والرواة اليمنيون في مزيد من الاندفاع متأثرين بتحريض عناصر أمم وأديان معادية للعرب والإسلام، فأكثروا من رواية الأخبار المثيرة للتنافس بينَ العرب، كما حدث بالنسبةِ إلى فتنة خلق التشيُّع واستغلال الخلافات التي حدثت في صدرِ الإسلام، ولكن مما لا شكَّ فيه أنَّ اليمنيين أنفسهم كانوا أقطاب هذه النزاعات، وليس “عبيدالله بن شربه” الذي عاش الجاهلية والإسلام، والذي يروى عنه “نشوان” أكثر أخباره عن ملوك حمير، إلا جرهميًا من أصلٍ يمني، وكان معروفًا بأنه أعلم من بقي من عرب الجاهلية بأخبار العرب قبل الإسلام، وكذلك العالمان العبقريان الحسن الهمداني من رجال القرن الرابع الهجري، ونشوان الحميري من رجال القرن السَّادس.

مجد العرب ومجد الإسلام :

3- والحق أنَّ العامل الأكبر في مبالغات التَّاريخ اليمني القديم ليس مجرد ظاهرة من ظواهر الفتنة بين قحطانيين وعدنانيين، وإنما هو ميراث الاحساس بالمجد الحضاري الضائع في هذه البقعة الجنوبية من بلادِ العرب، قد يكون المثير للمبالغات فيه مواجهة أمجاد الفرس الحضارية القديمة بأمجاد عربية قديمة مماثلة. وكان ينبغي أن يكون ذلك تراثًا يفخر به العرب جميعًا ويعتزُّ به المسلمون، لولا الروح المتزمتة التي كانت تميل إلى إسقاط كل ما كان للعرب من مجد قبل مجدِ الإسلام، ولم يكن الإسلام في حاجةٍ إلى مثل هذا التزمت الذي كان يقع فيه بعض المتهوسين من ذوي النَّظرة السطحية.

ولعل أجدى منهم لخدمة الاسلام رواة تلك الأساطير التي كانت تخلق الوشائج بين مجد العرب الحميري والإسلامي، والتي تزعم أنَّ بعض ملوك حمير كانوا مسلمين قبل الإسلام، وكانوا يبشرون بالرسول عليه الصلاة والسلام قبل بعثته، ويوصون أعقابهم من اليمنيين بالإسراع إلى نصرته.

خطاب عبدالمطلب في تهنئة ابن ذي يزن

4- ولعل من أروع الصور في هذا الكتاب، ذلك الخبر المعروف في كتب السيرة، والذي يروى وفود عبد المطلب إلى اليمن في وجوه قريش ووجوه قبائل العرب، يهنئون سيف بن ذي يزن على تحرير اليمن من الأحباش. وفي هذا الخبر يتجلى الاحساس العربي المشترك بالاعتزاز بحضارة اليمن وأمجادها القديمة على أنها أمجاد للعرب جميعًا. كما أنَّ فيه اعترافًا بمكانة اليمن في سائر بلادِ العرب، وهو يدلُّ دلالة واضحة على أنه لم يكن في ذلك العصر أي أثر لأي نوعٍ من التنافس بين ما يسمى بالقحطانيين والعدنانيين، وإنما وجد هذا التنافس كما أسلفنا بعد الخلاف بين المهاجرين والأنصار.

قال عبدالمطلب زعيم قريش يخاطب بن ذي يزن عاهل اليمن:

(إنَّ الله تعالى قد أحلكَ محلًا رفيعًا منيعًا، صعبًا شامخًا، باذخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن. وأنت – أبيت اللعن – رأس العرب الذي به تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، وربيعها الذي تخصب فيه البلاد، سلفك خير سلف، وأنت منهم خير خلف، ولم يخمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه. ونحن أيها الملك أهل حرم الله، وسدنة البيت الحرام، أشخصنا إليك أيها الملك الذي أبهجنا من ذكر ما سرنا، من كشفك الكرب الذي فدحنا، والغم الذي أقلقنا، والهم الذي أكربنا، فنحن وفد التهنئة …. الخ).

وقد لا توجد في وثائق التاريخ العربي قبل الإسلام ما هو أعظم قيمة من هذه الوثيقة في هذا الخبر المشهور، الذي تناولته كتب التاريخ والسير خارج بلاد اليمن، وفي مؤلفات غير يمنية، ولو كان هناك أية رائحة لأية عصبية بين شمال بلاد العرب وجنوبها، ما كان لهذه الوثيقة التاريخية أن تنتشر ذلك الانتشار الواسع.

القومية العربية قديمة أصيلة

وقد يفهم من الحروب بين القبائل العربية المتجاورة، أنَّ العرب في ذلك الحين لم يكونوا قد تجاوزوا الطوْر القبلي الضيق إلى شعور قومي شامل، ولكن خطاب زعيم قريش لزعيم حمير، جديرٌ بأن يغير معنى النظرة إلى التطاحن الجاهلي بين القبائل، ويجعله مجرد نزوع إلى الثأر والاستعلاء، فقد يحدث بين عائلة واحدة، دون أن ينفي وجود الترابط العائلي فضلًا عن الترابط القومي.

وإلا فما هو هذا التَّسامي في الشعور القومي عند عبد المطلب حتى يثبت له حقيقة المصير المشترك والشعور المشترك، بطريقة تلقائية طبيعية لا تكلف فيها ولا اصطناع، وذلك في قوله: (أنتَ رأس العرب الذي به تنقاد الخ ) ، وفي قوله :

(أشخصنا إليك أيها الملك الذي أبهجنا من ذكر ما سرنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، والغم الذي أقلقنا، والهم الذي أكربنا).

وإذا أردنا التركيز على موضوع العنوان لهذا المقال، فسنضيف إلى ما سبق بأنَّ مثل هذا الخبر المروي عن عبدالمطلب في شكلٍ منمَّق ولا سيما في تفاصيله التي لم نذكرها، وبما فيه من آثار السَّجع والصنعة المستحدثة، فإنه يستوي فيه أن يكون حقيقيًا أو أسطوريًا من حيث دلالته على رسوخ الفكرة القومية الشَّاملة بين العرب قبل الإسلام وبعد الإسلام، وبالذات بين عرب الشمال وعرب الجنوب، وهي التي قد يشكك فيها المشككون لوجود الخلاف بين اللغة السبئية ولغة قريش، فإن مجرد ورود هذا الخبر ولو كان مستحدثًا بعد الإسلام، قد يؤدي نفس الدلالة ونفس الغرض إذ يثبت بأن مصطنعي هذا القصص بعد الإسلام – لو اصطنعوه – فإنهم لم يفعلوا ذلك من أجل سيف بن ذي يزن ولا من أجل الدعوة لقومية عربية في ذلك الحين، وإنما يفعلون ذلك – لو فعلوه – تدعيمًا لإرهاصات النبوءة المحمدية، وتأتي تبعًا لذلك روايتهم لكلام عبدالمطلب إثباتًا لمكانةِ اليمن وللروح القومية، بطريقة تلقائية غير مقصودة تدلل بصدق على وجود هذه الفكرة. ويكاد يستوى عندنا في هذا العصر أن يكون هذا الكلام بنصه الرائع الجليل هو عبدالمطلب، أو أن يكون راوية الخبر من أصحاب التاريخ والسير، فإنَّ النتيجة لا تختلف اختلافًا كثيرًا.

خيط روحي بين الآباء والأجداد

وننتقل بعد ذلك إلى ظاهرةٍ أخرى في كتاب ملوك حمير – الذي نحن بصدده، وهي المبالغة في ذكر الفتوحات الحميرية والغزوات، والذهاب في ذلك إلى حدٍّ غير معقول.. على أنَّ المبالغات والصبغة الغالبة عليها، وتلك هي الملامح التي نحسُّ بها وراء كل مبالغة، وبالأخص في أنحاء الأمة العربية، كأنهم لا يستطيعون التصديق بأنهم هذا الشعب الصغير القاطن بتلك الرقعة الضيقة.

ولعل هذا الشعور من خصائص اليمنيين، ومن إلهام الذاكرة الوراثية التي تشبه أن تكون خيطًا روحيًا غامضًا يربطُ الأحفاد بالآباء والأجداد، ويصلُ بين الحياة الفردية الفانية وحياة الأمة ككيان كلي أولي.

أبوة اليمن للشعب العربي!

بل يشبه أن يكون إحساسًا مبهمًا بالأبوة اليمنية للشَّعب العربي في سائر أقطاره، إذ بينما تجد اليمنيين يشعرون بأنهم هم القبائل التي هاجرت هنا أو هناك أو تفرقت أيدي سبأ، تجد الشعور عند سواهم في بعض الأقطار العربية عكس ذلك إذ يحسون بأنهم هاجروا من الجزيرة العربية واستوطنوا البلاد التي هم فيها، وهذا الإحساس لا يكاد يخلو من أي قطر من الأقطار العربية الشمالية، ابتداءً من العراق حتى المغرب الأقصى.

وقد كان يمكن أن نعتبر هذه الظَّاهرة النَّفسية عند عرب اليمن بما خلفته من تاريخ أسطوري مجرد شطحات وهمية ضالة لا دلالة وراءها لولا قيام اعتبارين اثنين:

الأول: هذه النقوش السبيئة والمعينية التي عثر عليها علماء الآثار في أقطار عربية وغير عربية بعيدة كل البعد عن اليمن، وهي لا تحتم أن يكون اليمنيون غزوا هذه الأقطار غزوًا كما تدعي أساطير مؤرخيهم، وإنما تحتم مقدارًا متواضعًا من الحقيقة، وهي أنَّ اليمنيين كان لهم، في عصرٍ ما، وجود حقيقي طويل في هذه المناطق، ولو كمهاجرين وهاربين من قسوة الظروف في بلادهم، استوطنوا المناطق الجديدة وامتد وجودهم العربي اليها.

والثاني: نزعة اليمنيين إلى الهجرة وطبيعة بيئتهم الجغرافية الصعبة ومركزهم التجاري في العالم القديم والذي كان يحملهم على السفر الدائم، فنزعتهم إلى الخروج من بلادهم فطرية أصيلة، ولها أسباب من طبيعة الأرض اليمنية العصية الشموس، التي لا يدر لها در ولا يخضب لها ثمر، إلا بالحيلة والنضال والصبر والجهد الشاق، فترى اليمنيين يمارسون عناء الحضارة، ويصبرون ويصابرون، وقد دفعتهم الحاجة إلى السبق في خلق الحضارة والمدنية، والحاجة كما يقولون أم الاختراع.

وقد أشبعنا هذا الرأي في مقالٍ سابق، وإنما الذي يهمنا الآن هو أن نذكر أنَّ من طبيعة اليمنيين وهم يكابدون عبء الحضارة أنهم يحلون بأرض ألين عريكة من أرضهم، وأسلس قيادًا، فما تكاد تعرض لهم فرصة، أو تحل بهم قارعة، إلا ويندفعون في موجات إلى الخارج، وما تزال هذه سنتهم حتى اليوم.

ورغم قيام حواجز الانتقال بين الأمم الحديثة، فإنه يوجد خارج اليمن مئات الألوف من اليمنيين المهاجرين مشتتين في أنحاء العالم، فكيف بهم يوم كانت حواجز الانتقال بين الأمم لا وجود لها؟.

هذه الظاهرة تؤكد رأي القائلين من علماء الآثار أنَّ مهد السَّاميين الأول هو جزيرة العرب، كما تجعلنا نستبعد أن يكون منبت الساميين في الحبشة، لأنَّ الحبشة أرض رخاء وخصب، وقد كان اليمنيون يسيل لعابهم عندما يجدون في جوارهم هذه الأرض الفنية السخية لا يفصل بينهم وبينها الا حاجز ضيق البحر.

الأحباش يمنيون .. سبئيون!

ومما يدعو للطمأنينة إلى هذا الرأي، أنَّ علماء الآثار سواء منهم من نقب عنها في اليمن ومن نقب عنها في الحبشة، يقررون رأيًا عجيبًا، وهو أنَّ الأحباش يمنيون سبئيون بعنصرهم الغالب وكتابتهم ولغاتهم وأديانهم الوثنية القديمة، وأنَّ قبائل يمنية مجهولة، ربما قبل التاريخ، تسللت إلى الجزء الشمالي من بلاد الحبشة، وتكاثرت وأصبحت العنصر الغالب الحاكم ولا تزال العنصر الحاكم الغالب حتى اليوم. بل وإنَّ اسم الحبشة بالذات اسم قبيلة يمنية (حبشت) كانت تقطن ساحل اليمن، حتى يقول بعض العلماء انسياقًا وراء هذا الرأي، إنَّ سلالة القبائل اليمنية المهاجرة في الحبشة هي التي تولت حملات الغزو الحبشي لليمن، ولو كان لنا متسع أكثر من مقال في مجلة تزدحم فيها الثقافات والعقول، لكان ينبغي أن لا نوجز في ذكر هذه الآراء حتى لا يراها القارئ  أشبه بالدعاوى العريضة التي لا دليل عليها.

وإذا لم نستطع أن نفعل ذلك، فحسبنا أننا نثير انتباه قراء هذه المجلة إلى هذه الآفاق الثقافية التي قل أن يتجه إليها انتباه عربي، في عصر يبدو أنه سئم الانتباه إلى حاضره فضلًا عن ماضيه، واتجه بعيدًا إلى مستقبله في الكواكبِ الأخرى.

إلى الجامعة العربية

غير أنَّ ديْنًا في عنقِ الجامعة العربية لا بدَّ أن تؤديه، فكنوز الآثار العربية في اليمن ينبغي أن تكون موضع الاهتمام عند العرب جميعًا، فهي لا تخصُّ اليمن وحدها، بل إنها حَرية أن تكشف عن أسرار العلاقة بين أمهات الحضارات العربية القديمة، من مصر إلى فينيقية إلى بابل وآشور إلى قلب الجزيرة واليمن والحبشة. وهي جديرة بأن تخدم فكرة القومية العربية خدمة تهون فيها كل التضحيات. وإذا كنا قد علمنا أنَّ الجامعة العربية اعتمدت مبلغًا طيبًا للتنقيب عن الآثار اليمن منذ سنوات، فقد آن لنا أن نهمسَ في أذن هذه المؤسسة العتيدة ونقول لها، ما عدا مما بدا..؟!

* نشرت هذه المقالة في مجلة (العربي), رقم العدد: 24, تاريخ الإصدار:1 نوفمبر 1960 .

Hekmah Yemanya

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوز للعصبياتِ والهُويات الضَّيقة, منفتح على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهري ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى