فكر

دعوات الإصلاح الديني خارج إطار المرجعية الإسلامية (1898- 2000)

التَّجديد والإصلاح الدِّيني في الإسلام (6-7)

خلال المائتي عام الأخيرة (التي واجهت فيها الأمة الإسلامية الغزوة الصليبية الكبرى التي تمثلت بحركة الاستعمار الحديث) ظهرت دعوات وحركات إصلاح إسلامي عديدة لمواجهة الخطر الذي حل بالأمة الإسلامية مع عجز الدولة العثمانية عن مواجهته بطريقة حاسمة.

والثابت أن ظهور حركات الإصلاح الإسلامي لم تكن مرتبطة فقط بمواجهة العدوان الأوربي؛ بل كان إصلاح الفساد العام المستشري دافعا أصيلا وسابقا للهجمة الاستعمارية.. فقد كانت بدايتها مع ظهور حركة الشيخ محمد عبدالوهاب في الجزيرة العربية (منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وما قبل زمن الاستعمار الأوربي)، وتأثرت بها دعوات أخرى ظهرت في مناطق عديدة؛ كان مواجهة الغزو الاستعماري الأوربي هو دافعها الأول للدعوة إلى إصلاح إسلامي يسهم في استنهاض الامة من حالة الضعف والتخلف، ودعم مقاومة الأمة لتلك الغزوات التي لم يكد ينجو منها إلا بلدان قليلة جدا تعد على أصابع اليد الواحدة. وإجمالا كان من أبرز دوافع ظهور تلك الدعوات الإصلاحية: الحالة العامة السيئة في العالم الإسلامي، وحالة الضعف العام للدول الإسلامية، والتمزق السياسي والصراعات الدموية على السلطة، والهزائم العسكرية التي منيت دول الإسلام في مواجهتها مع الدول المتربصة والطامعة، والتدهور الحضاري العام الذي مني به العالم الإسلامي، وبدء الغرب الأوربي حملاته الصليبية في العصر الحديث للسيطرة على العالم الإسلامي.

وبالتوازي مع دعوات الإصلاح الإسلامي الحديثة – وتحديدا منذ وصول أولى حملات الاحتلال الأوربي المسيحي إلى المنطقة العربي باحتلال فرنسا لمصر 1798- ظهرت عديد دعوات بزعم إصلاح الدين الإسلامي وتخليصه مما يعرقل طريق الأمة إلى التقدم والنهوض، وإصلاح أحوال المسلمين والمجتمعات الإسلامية، ونقلها من حالة الضعف والتخلف والركود الحضاري إلى حالة القوة والتقدم والحيوية الحضارية، واللحاق بأوروبا والغرب واقتفاء أثرهم في جميع جوانب الحياة.

واتصفت تلك الدعوات بأنها عملت من خارج إطار المرجعية الإسلامية، أو كانت دعوات متمردة عليها بزعم الإصلاح والتجديد الديني، وتقويم الانحرافات، أو بزعم أنها تتقصد الروح الحقيقية للإسلام البعيدة عن التطرف، وضرورة مجاراة روح العصر، واللحاق بالتطور والتقدم في شتى المجالات على طريقة أوربا والغرب. وقد تفاوتت تلك الدعوات ما بين عداء صارخ للإسلام إلى درجة التمرد على الدين ذاته، وإعلان الحرب العلنية الشاملة عليه.. وبين دعوات تسترت على أهدافها الحقيقية بالغيرة على الإسلام بتخليصه من أثقال عصر التخلف والجمود، وجعله متوافقا مع العصر الحديث ومنجزاته المادية والعقلية، والإبقاء عليه مجرد ستار هش لا دور له حقيقي في حياة الفرد أو شؤون المجتمع أو قضايا الدولة.

ويمكن القول إن الهدف التكتيكي لتلك الدعوات تبلور – في حالة فشل عملية الاجتثاث وإخراج المسلم من ربقة الدين بالنسبة للطرف الخارجي-  في صبغ الحالة الإسلامية الفردية والعامة بدءا من التعليم إلى التشريع والأخلاق بحالة متفلتة نافرة من الدين والتقاليد والعادات الحميدة، وتحويل الإسلام إلى نسخة من المسيحية التي تقصر تأثير الدين داخل جدران الكنيسة، منقطع الصلة بالعالم ومشاكل الإنسان وقضاياه، وانتاج إسلام سلبي غارق في الغيبوبة الحضارية، وتأييد سياسات إقصاء الإسلام أي فصل الدين عن الدولة عن التأثير في شؤون الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والثقافة، وتبرير سياسات الحكام المعادية للإسلام الحضاري بحجة أن الإسلام دين الروح ولا علاقة له بشؤون الحياة وخاصة الحكم والدولة والتشريع.. أو وفق تعبير د. أبو يعرب المرزوقي: [ إن إصلاح الإسلام على الطريقة المسيحية، وتجاهل الاختلاف بينهما؛ يراد به العودة بالإسلام إلى قسمة حياة الإنسان بين الله وقيصر، وتحويله إلى دين سلبي، وإلى فكرة صوفية تهتم بالآخرة فقط، ولا تهتم بمناهضة المظالم والحكام المستبدين، ولا الثورة ضد المستعمر والهيمنة والاستكبار والاحتلال، وإبعاده عن شؤون المجتمع والدولة، والأسرة والاخلاق والتعليم].(1)

وكان الهدف الخطير الموازي هو إيقاف وتدمير أي محاولة للتقدم العلمي، والتطوير الاقتصادي والتعليمي، وتحقيق الوحدة الإسلامية؛ فضلا عن مصادرة الاستقلال السياسي بحجة أن الشعوب الإسلامية متخلفة جاهلة، ولا تعرف كيف تدير أمورها ولا تصلح لحكم نفسها! (2)

لكن ولأنها كانت دعوات مفضوحة في مرحلة الاستعمار الأولى، فقد لاقت مقاومة فكرية شرسة بالنظر إلى أن حفظ الله تعالى للقرآن الكريم وسنة النبي الكريم جعل انكشاف حقيقة تلك الدعوات أمرا ممكنا، كما أن الشخصية الإسلامية لم تكن يومها قد تعرضت لعمليات المسخ الفكري والثقافي والأخلاقي التي عممها الاستعمار بالقوة وبالدهاء.

وعلى الرغم من رحيل جيوش الاستعمار الغربي عن معظم بلدان العالم الإسلامي، وبداية ما وصف بعصر الاستقلال الوطني؛ إلا أن مخططات الغرب الصليبي في السيطرة والهيمنة استمرت تؤدي دورها في تحقيق أهداف المستعمر من خلال المؤسسات والوسائل التي زرعها ووطد فعاليتها؛ وخاصة أنه نجح في أن ينشئ أجيالا تتبنى مفاهيمه الحضارية والفكرية بأشد ما يكون التبني مؤمنة أنها الصواب وأن ما يناقضها ويرفضها هو الخطأ والتخلف!

ويمكن تقسيم دعوات الإصلاح من خارج المرجعية الإسلامية – وفقا للفارق الزمني بينهما- إلى مرحلتين أو موجتين متوافقتين في الهدف؛ وعلى النحو التالي:

أولا/ دعوات ظهرت مع بدء عصر الاستعمار الحديث ومع أول موجة منه تمثلت بالغزو الفرنسي لمصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1898، وهي تمتد حتى نهاية الحرب الباردة أو أقل بعقد من الزمان، وتشمل زمن الاستعمار الأوربي العسكري للعالم الإسلامي.

ثانيا/ دعوات ظهرت مع بدء النظام الدولي الجديد نهاية القرن العشرين الميلادي، وما تزال مستمرة في نشاطها، وستظل تسعى زمنا غير معلوم لتحقيق أهدافها دون كلل.

وقد اتسمت المرحلة الثانية بملمحين بارزين هما:

– الدور الرسمي  الغربي للحكومات الغربية المسيحية/ العلمانية اللا دينية في دعم هذه الدعوات، والتدخل في تسهيل مهامها، والضغط على الأنظمة في العلم الإسلامي لتبني أهدافها، وتركها تعمل علانية، وربط مساعداتها للدول الفقيرة ودعمها للدول الغنية بمقدار تجاوبها مع هذه الدعوات والمطالب، وإتاحة الفرص أمامها لتعمل بحرية حتى داخل المؤسسات الرسمية، وفي أخص جوانب المجتمعات مثل قوانين الأحوال الشخصية وأحوال الأسرة، ومناهج التعليم؛ وخاصة مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية والاجتماع والتاريخ التي هي وسيلة التعليم لتشكيل العقول وتربية النفوس.

– بروز دور مؤسسات المجتمع المدني الأجنبية أو المحلية ذات التمويل الخارجي، وأدائها لدورها المرسوم لها بصورة أكثر فجاجة وأكثر جراءة كما كان عليه الأمر في المرحلة الأولى التي غلب عليها الأدوار الفردية.

– تجاوب الأنظمة في العالم العربي والإسلامي مع تلك الدعوات طمعا في المساعدات أو الحماية الأمنية والعسكرية في مواجهة ثورات وانتفاضات الشعوب ضدها.

أسباب ظهور دعوات الإصلاح الديني خارج إطار المرجعية الإسلامية

بالعودة إلى أسباب ظهور دعوات الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث (المذكورة سابقا)؛ فسوف نعرف أولا ماهية الأوضاع العامة المهترئة في العالم الإسلامي التي مهدت الطريق للقوى الأوربية والصليبية والوثنية الاستعمارية لبسط سيطرتها العسكرية على معظم أنحاء العالم الإسلامي، ومن ثم البدء في عمليات التدمير الحضاري سواء بطريق مباشرة أو عبر دعوات التجديد والإصلاح المشبوهة الفردية أو الجماعية التي انطلقت من خارج المرجعية الإسلامية ومعادية لها.

أما الأسباب المباشرة الدافعة لتوالي ظهور دعوات الإصلاح من خارج المرجعية الإسلامية فهي تتعلق بأغراض الجهات الأجنبية الاستعمارية والقوى المحلية التابعة لها أو المتأثرة بها، ولعل أبرز تلك الأسباب:

1- العداء التاريخي الذي تكنه القوى الغربية الصليبية للإسلام وقيمه ومبادئه، وكدين منافس للمسيحية وقيم ومباديء الدائرة الحضارية التي تمثلها، ومحاولتها الدائمة للقضاء عليه ولكن بطريقة جديدة هذه المرة تختلف عن الحل العسكري الذي حاولته في مرحلة الحروب الصليبية.

2- الأطماع الاستعمارية في العالم الإسلامي والسيطرة على ثرواته الطبيعية، وطرق المواصلات العالمية التي تمر فيه، والتي ما كان لها أن تنجح مع استمرار الإسلام في أداء دوره في المقاومة والرفض للسيطرة الصليبية على العالم الإسلامي.

3 – نشوء أجيال ونخب في العالم لإسلامي متأثرة بقيم الغرب وثقافته وأفكاره، وموالية له ولاء تاما، ولا ترى الخير والمصلحة إلا في اتباعه وتقليده في كل شيء، وقد تولت هذه النخب القيام بالأدوار الخطيرة الذي لم تستطع السلطات الاستعمارية القيام به جهرا (خشية ردود أفعال المسلمين ضدها) في النيل من أصول الدين وتشريعاته، ورموزه وتاريخه، ومنظومة الأخلاق الاجتماعية تحت ستار الدعوة للتجديد وإصلاح أوضاع العرب والمسلمين. ولم يكن في الأمر عجب فإن هذه النخب هي ثمرة نجاح المخططات الاستعمارية في صنع مجاميع من أبناء المسلمين والعرب موالية لها سياسيا وثقافيا وفكريا من خلال السيطرة على مفاتيح بناء الشخصية في أي مجتمع؛ وخاصة مؤسسات التعليم والثقافة والفكر ورموزه المؤثرة في أي مجتمع إنساني، ومسخ الشخصية المسلمة المتميزة وجعلها أكثر قابلية وولاء وطواعية للاستعمار الغربي، وتقبل ثقافته وفكره وأخلاقياته دون تمييز، وتحويل المؤسسات الدينية ورموزها العلمية – إلا القليل منها- إلى مؤسسات وظيفية تعمل لخدمة السلطان وتبرير سياساته وخضوعه للاستعمار الغربي بعد أن كانت رأس حربة في الجهاد ومقاومة المحتل وقيادة المجتمعات.

وفي شهادة يصعب التشكيك فيها؛ يقرر المفكر المسيحي البرت حوراني إن النخب المشبعة بالفكر الفرنسي في الجزائر لم تنشأ إلا بعد إصلاح نظام التربية في أواخر الثمانينيات(من القرن التاسع عشر بعد الاحتلال الفرنسي عام 1830)، ولم تنشأ في تونس إلا بعد عشر سنوات من الاحتلال. (3)

هوامش:

1- مدونة أبو يعرب المرزوقي، الإصلاح الديني.. ماذا يعني بالنسبة للإسلام؟

2- يمكن مراجعة كتاب/ تونس الشهيدة للشيخ المجاهد عبدالعزيز الثعالبي للمقارنة بين وضعها قبل الاستعمار الفرنسي وبعدها. وكذلك معرفة موقف الغرب من إصلاحات محمد علي باشا العسكرية والعلمية فبرغم مساويء الرجل في إضعاف البعد الإسلامي في الدولة والتعليم والقوانين؛ إلا أنهم منعوه من استكمال مشاريعه الإصلاحية، وأرغموه على تفكيك المصانع مقابل السماح بحصر السلطة فيه وأبنائه.

3 – الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939، ألبرت حوراني، ص 432، ط3، 1977، ترجمة كريم عزقول، دار النهار للنشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى