أدب

مقدمات العقاد: وأدب التقديم

هذا كتابٌ نفيسٌ من عنوانه: مقد مات العقاد، جمعها وقدَّمَ لها واعتنى بها د. عبدالرحمن بن حسن قائد، وصدرت الطبعة الأولى منه عن آفاق المعرفة عام (1441=2020م)، ويقع في (715) صفحة أولها فهرس ثمّ مقدمة المقدمات بين صفحتي (13-40)، وبعد ذلك مقدمات العقاد التي كتبها وعددها تسعة وتسعون مقدمة لكتب عربية وأجنبية، فيها الشعر والنثر، والأدب والفكر، والقصص واليوميات، والاجتماع والسياسة، وغير ذلك من الفنون والعلوم. ولو أدرك العقاد هذا العمل لسعد به وعرضه على رواد صالونه، ولربما أفاضوا في الحديث عنه وحوله حتى يقول أنيس منصور: كانت لنا مقدمات في صالون العقاد.

وقد كتبَ الجامع د. عبدالرَّحمن تحت عنوان أدب التَّقديم مقدمة تستحق أن تفرد في كتاب، وهي قابلة للتوسع ومزيد البسط دون تخصيصها بكاتب واحد فقط. وذكر بأنَّ التقديم يشبه التقريظ المنتشر لدى أسلافنا، وربما يتقاطع أحيانًا مع التصدير، وهو شهادة وتزكية كما يحكم أبو الحسن الندوي في تأصيله للتقديم الذي يأخذ أحكام الشهادة وآدابها ومسؤوليتها، ويجب ألّا يتجرد التقديم من الحياة والروح بسوق المديح الفج، وشر منه الثناء مدفوع الثمن، وهو بشهادة الزور والبهتان الأفيك عظيم الشبه.

لذا نعى د.محمَّد رجب البيومي على بعض كتّاب التقديم حديثهم عن المؤلف أكثر من حديثهم عن الموضوع، فمهمة المقدمة التبصير بالإضافات، وإن لم توجد أو لم يسعف الوقت لبيانها فلا أقل من تعداد أهداف الكتاب ومنهجه، ولربما خالف المقدِّم المؤلف في بعض آرائه ووجهات نظره دون حرج مثلما صنع الشيخ مصطفى المراغي بتقديمه كتابًا لأمين الخولي الذي انبهر بموقف الشيخ مثنيًا على حريته الفكرية ونزاهته في النظر.

كما يتفاوت كتّاب التقديم بحسب منازلهم من التحري والتثبت، والعلم والمعرفة، والبصر والعناية بموضوع الكتاب، فمنهم الظالم لنفسه المتكلف ما ليس له به شأن، ومنهم المقتصد القائم بحق التقديم كما ينبغي له، وفيهم السابق بالإحسان الذي ربما كانت مقدمته أهم من الكتاب ذاته بما فيها من غناء ونفع، ومن أولئك السابقين الأستاذ العقاد كما أشار الأديب المتفنن الشيخ عبدالله الهدلق الذي أخبر الشيخ بكر أبو زيد بميزة العقاد فأعجبه ذلك وإن أسف الشيخ بكر على إكثاره من كتابة المقدمات.

وللناس في طلب التقديم لكتبهم مآرب شتى؛ فمنهم المبتدئ المتكئ على شهرة غيره ومقامه، ومنهم من يريد تنويع مائدة كتابه المعروضة للقراء، ومنهم من يتفضل بطلب التقديم من غيره فكتابه متقدِّم بلا تقديم والمؤلف أرفع منزلة علمية من المقدِّم. وإن ظاهرة المغالاة والإلحاح بطلب التقديم قديمة باقية، وضرب د. عبدالرحمن المثال بأديب مشاكس نقم على المؤلفين إلحافهم بطلب التقديم ثم أصابته العلة نفسها مع العقاد نفسه الذي كتب تقديمًا لكتاب أديبنا بعد أن كان الأديب يستنكرها مستكرهًا طلبها. ومما ساقه صاحب أدب التقديم تهالك أديب كبير لأجل التقديم لكتاب أدبي له فحل في بابه؛ ولعمركم لا يلام الجامع في الغصة التي تدركه كلما رأى رسائل الإصرار من أجل تقديم.

من اللطائف أن العقاد على كثرة تقديمه للكتب لم يصدر كتابًا له بتقديم من أحد سوى كتاب واحد كتب أنور السادات تقديمًا له عام (1957م)، ويذهب د. عبدالرحمن إلى أنه تقديم بدون اختيار من العقاد. ومن المحزن أن يتسبب التقديم الفاتر بإماتة الكتاب المهم مثلما فعل الأديب أحمد أمين بتقديمه لكتاب الشيخ الندوي “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” إذ لم يكتبه بحماسة واندفاع حتى علّق الملك عبدالله الأول بن الحسين -ملك الأردن الأول- حين قرأ التقديم والكتاب قائلًا: إن هذه المقدمة قد أساءت إلى هذا الكتاب.

كذلك من لطائف صور التقديم تقديم زوجة لزوجها، وأب لابنه، وشيخ لتلميذه، وأورد د. قائد بعض الأمثلة مشيرًا إلى أن فتنة الأشياخ بتلاميذهم مثل فتنة الآباء بأبنائهم أو أشد! ونقل عن الشاعر عزيز أباظه غبطته للدكتورة نعمات فؤاد حين أسند إليها الزيات كتابة مقدمة لكتابه فذلك الطلب أكبر من أي دكتوراة. ومن هذا الباب فإن د. شكري فيصل هو أول من استفتح هذا الباب الأدبي الجديد في لغتنا حينما جمع تقديمات الدكتور طه حسين، ثمّ تتابع بعده المؤلفون، وسرد الجامع منهم سبعة وعشرين مثالًا بمعلومات كافية ختمها بالتعجب من الغفلة عن تقديمات العقاد.

ولعلاج هذه الغفلة نهد إليها د. عبدالرحمن ونهض بها آخذًا الكتاب بقوة، فجمعها من أشتاتها، وخلصها من دعاوى بعض الذين استلوا مقالات للعقاد وجعلوها تقديمًا لكتبهم في تدليس بغيض. وتحدث عن أنواع تقديمات العقاد ومجالاتها وعلاقاته مع مؤلفي الكتب مثل المازني أو ورثتهم أو الناشرين، وهذه التقديمات كتب العقاد معظمها عقب أن تجاوز الخمسين من عمره بين عامي (1939-1964م)، وسبعة منها فقط كانت قبل الخمسين.

ولم يكتف الجامع بذلك وإنما عرض لنا أبرز معالم المقدمة العقادية باختصار وهي:

إجمال الحديث عن موضوع الكتاب ومباحثه دون تفصيل.

وصف عمل المؤلف أو المترجم ومنهجه.

بيان الإضافة العلمية للكتاب ومدى إثرائه لموضوعه.

الثناء على مواضع الإجادة والتنبيه إلى مواطن الضعف.

مناقشة المؤلف في بعض آرائه.

إمداد فكرة الكتاب وموضوعه بخلاصات معرفية وتأملية.

الإشارة إلى طرف من سيرة المؤلف وذكريات العقاد معه وهو مصدر عزيز وعال للسير.

من نافلة القول أن نفاسة تقديم العقاد جعلت المؤلفين يتسابقون إليه للحظوة بقلمه وفكره واسمه، وقد تتبع المؤلف مشكورًا التقديمات في مظانها وفي غير مظانها حتى جمعها كلها أو جلها بأكثر مما فعل بعض سابقيه بالضعف أو أزيد علمًا أن عملهم فهرسي فقط. وروى المؤلف أوصاف المؤلفين للعقاد بالشيخ والكاتب والزعيم والعبقري، وبيّن الرهق الذي ناله في تطلب بعض المقدمات حتى وجدها في مركز جمعة الماجد أو لدى أحفاد المؤلفين، وشرح منهجه العلمي المتين برشاقة، أو الرشيق بمتانة في التعامل مع تقديمات العقاد البديعة.

وكما يرجو د. عبدالرحمن في الختام فإني مثله أرجو أن يكون العمل هذا نافعًا وماتعًا لمن يقرأ ويرى، والله يجعله من عمل الآخرة والدنيا الصالح والمقبول، وعلى من استغنى عنه بتنسكه أن يفسح لمن ترخص فيه لحاجته إليه؛ فمذاق الأطعمة تختلف تبعًا لشهوات الناس المتباينة دون تثريب مادامت المائدة حلالًا، وكم في تقديمات العقاد ولفتاته والكتب التي غاص فيها من علم وفكر ووعي، وكفى بذلك لمن تدبر وقلّب أوجه النظر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى