المدونة

إضاءات في كتاب نقد القراءة الحداثية: مقالات الغفوري أنموذجًا

لعلَّ بعضهم يتساءل – وهو محقٌّ في ذلك – هل تحتاجُ كتاباتُ كاتبٍ غير متخصِّصٍ ومحقِّق في الفنِّ الذي كتَبَ فيه، أن يُفْرَدَ له كتابٌ للرَّدِّ عليه؟ في ظني أنَّ هذا السؤال قد يصحُّ في كاتبٍ دونَ آخر، وَفْقَ تقديرٍ يراه المشتغلُ بالرَّد. لكنَّ الذي نرمي إليه أنَّ الكتابات التي نُشِرت ما دام أنها لاقت قبولًا وحضورًا لدى بعضِ القرَّاء، ومن ثمَّ ستجمعُ في كتابٍ لتكون وثيقة تاريخيَّة تدينُ أحد رجالاتِ الجيل الأول، كان لزامًا أن يُرْتَقى بهذا الجدلِ من الفضاءِ العابرِ إلى التَّوثيق التَّاريخي المحكَم، إعذارًا للأمانةِ العلميَّة، ووفاء لحقِّ الأجيال، وإخراسًا لمن يزعمُ أنَّ ما كتبه د. الغفوري لم يجد من يدحضه بأسسٍ علميَّةٍ، منهجيَّة، والأخيرة كفيلة بأن يخرجَ الكتاب ويرى النُّور.

لهذا الكتاب – الصادر عن موقعِ حَكمة يمانيَّة للدكتور الباحث عبد المجيد الغيلي – قصَّة، بقدر قرب القصة وسهولة سردها، فإنه يكمن في ذلكَ عمقها وتعقيد سردها… لم يكن د. مروان الغفوري سوى سبب من أسبابِ نمو الكتاب وبزوغه، واستوائه، وظهوره.

ليست قصَّة هذا الكتاب أنه دفاعٌ عن الصَّحابة فحسب، بل هو تصدٍّ لموجةٍ حداثيَّةٍ معاصِرة تتعاملُ باستخفافٍ مع تاريخ الجيلِ الأول بصفةٍ خاصَّة، ومع تاريخ المسلمين بصفةٍ عامة، كما تتعامَلُ باستخفافٍ مع تراثِ الأمَّة، وعلماء المسلمين عبر التَّاريخ.

ومن ثمَّ كانَ توجه الكتاب ليسَ لمجرد تفنيد كتابات باطلة بحقِّ أحدِ الصَّحابة، بل كشف الآليات والدَّعاوى التي يتخذها الحداثيون للنَّيلِ من الإسلام، وتراثه، ورجاله عبر التَّاريخ، باسمِ العلميَّة!

ولذلك، فكتابة مروان الغفوري، عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- نموذجًا؛ نرى من خلالها حجم الاختراق، والاختلاق، والتَّزوير، والإفك، والتَّشويه، والانتقاص لتاريخ الصَّحابة، تحت مسمى إعادة قراءة التَّاريخ!

لن يجدَ القارئ للكتاب ذهابًا إلى سردِ فضائل عليٍّ ومناقبه، أو سرد الآيات التي تتحدثُ عن صحابة رسول الله رضوان الله عنهم، أو سرد الأحاديث التي تذكر فضائلهم، بل سيجد حِجَاجًا علميًّا، باستخدام مناهج تحليلية وتاريخية عديدة، تنقدُ الخطابَ الحداثي من داخله، وتكشفُ التَّناقضات التي فيه، كما تكشفُ الزيوف الكبيرة في حقِّ التَّاريخ.

تستند القراءة الحداثيَّة لتشويه تاريخ الصَّحابة على مسلَّمَات يخادعون بها القرَّاء؛ لتبدو كأنها مسلَّمات علمية، في حين أنها مجرد مخادعات واختلاقات، وكان من أهمّ أهداف الكتاب التَّصدي لهذا الخداع، وتعريته وفق منهج علميٍّ صارم.

فعلى سبيل المثال، تنطلق القراءة الحداثية من النتيجة إلى البحث عن الدَّليل الذي يخدم تلك النتيجة، ومن ثمَّ تكون قراءة التَّاريخ انتقائية اجتزائية اعتباطية افترائية تشويهية.

هذه الكلمات الخمس تحمل كثيرًا من القصص داخلها، فالانتقاء أن تجد من يدَّعي نقد التَّاريخ ينتقي ما يعجبه من الأدلة ويترك ما لا يعجبه، ينتقي ما يريد من القصص ويضرب عرض الحائط بما لا يتوافق مع نتائجه ومسلماته. وتجده يذكر في مصادره كتبًا تاريخية كالطبري وابن كثير، في حين أنَّ تلكَ الكتب نفسها قد ذكرت أدلة وقصصًا أخرى مضادة.. لكن عينه لا تراها، وقلمه لا يتحسسها!

والاجتزاء، كأن يقتص فقط حتى داخل الدليل الواحد، فتجده يكذب ببعض ما في الدليل ويصدق ببعض؛ ليس وَفْق أي معيار نقدي، ولكن وفق الهوى، وستجد أمثلة كثيرة داخل الكتاب لذلك.

والاعتباط أنك تجد كتابات الحداثيين تخلو من المعايير النَّقدية، ثمَّ يدعون أنهم يقرأون قراءة ناقدة! في حين أنَّ الواقع يقول ألا علاقة لهم بالنقد والتمحيص. اختيارهم اعتباطي، وكونه اعتباطيًّا لا يعني أنه بلا هدف، بل ثمة هدف واضح لهم، وهو تشويه الصورة الذهنية للتاريخ، بهدف هدم القيمة الواقعية للإسلام نفسه، بالطَّعن في الطليعة الأولى التي حملت الرِّسالة، الطليعة التي تربت على يد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- نفسه، تجد هؤلاء الحداثيين يحتفون بأيِّ موقفٍ غربيٍّ يلمع صورة الغرب، مهما كانت هامشية الموقف، في حين يتجاهلون المواقف المشرقة التي يزخر بها التَّاريخ في الإسلام، ويأخذون عدسات مكبرة بحثًا عن أيِّ موقفٍ مسيء.

فإن لم يجدوا ما يصبون إليه، انتقلوا إلى الافتراء، فلا يهمهم التدليس والكذب، يتقولون على علماء السُّنَّة، ويتقولون على كتب التَّاريخ، بالرغم من أنها مليئة بالأباطيل، إلا أنَّ الحداثيين لا يجدون في تلك الأباطيل ما يشبع نهمهم، فيذهبون في أودية الافتراءات دون استحياء، طالما وجدوا من يصفق لهم، ويقف معهم.

نتيجة الكتابات الحداثية إذن، ليس نقد التاريخ، ولا تمحيصه، بل تشويهه، وهم لا يشوهون أي تاريخ، بل لا يعنيهم سوى تاريخ المسلمين، يشوهونه ويحتقرونه ويسخرون منه، ويتهكمون به…!

الدكتور مروان أحد هؤلاء، وحتى يمرر هذه الإساءات، فقد اختار أحد الصَّحابة ليجعل منه مادة ساخرة، يحوله إلى أضحوكة، يحوله إلى شخصٍ تافه حقير، يمارس فيه مهاراته في السُّخرية، ولعبة الكتابة! ولاقى قبولا؛ لأنه يفعل تلك الإساءات باسم محاربة الخرافات والعنصرية السُّلالية! وبهذا الثوب المزور انطلق لا يلوي على شيء.

جاء هذا الكتاب ليفضح ويكشف ويعري كل تلك الإساءات، ويبين أنها لا علاقة لها بالنَّقد ولا بالقراءة السليمة للتاريخ.

ستقرأ الكتاب، وتستطيع بنفسكَ الحكم على ما فعله المؤلف، فهو يوثِّقُ كل ردوده من مراجعها؛ ليتمكَّنَ القارئ من الرجوع بنفسه إلى تلكَ المصادر، والمقارنة بين ما يسمى بالقراءة الحداثية، وبين حقيقة المواقف والمدونات التاريخية لعلماء المسلمين عبر التاريخ.

يأتي هذا الكتاب في أربعة أجزاءٍ، وملحق:

– الجزء الأول: جزء تمهيدي يشتمل على ثلاث مقدمات: إحداها لبيان اختراقات الخطاب الحداثي في قراءة تاريخ الصحابة، والثانية لبيان مغالطة “التجربة البشرية” في قراءة تاريخ الصحابة، والثالثة لبيان معايير النقد التاريخي.

– الثاني: يناقش المنهج العلمي عند مروان، ويدرس مصادره، وموقفه في التعامل معها، ويكشف عن المنهجية النفسية التي انطلق منها د/ مروان في حديثه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. وهو يبين الإطار المنهجي العام عند الحداثيين في قراءتهم للتراث الإسلامي.

– الثالث: يناقش الدعاوى الشخصية بحق علي بن أبي طالب، ما يتعلق بشجاعته وعلمه وفقهه ومهاراته، وكفاءته، وأدبه ومكانته.

– الرابع: يناقش الدعاوى العامة بحق الخليفة الراشد. فتحدث عن شرعية خلافته، وسردية الأحداث التي حدثت في عهده، كالجمل وصفين والنهروان، وموقفه وموقف الصحابة من مقتل عثمان، وإدارته للدولة في عهده… ومآل الدولة بعده، ومناقشة أهم المآخذ التي أخذت عليه، وبيان الموقف منها.

  • وأخيرًا: ثلاثة ملاحق، جاءت على النَّحو الآتي:

– الملحق الأول: فيه تعقيب على رد الدكتور/ مروان.

– الملحق الثاني: مقالان تعقيبيَّان على مقاليْن للدكتور مروان.

– الملحق الثالث: المنهج الحجاجي لابن تيمية في كتابه “منهاج السنة”.

ونسأل الله التَّوفيق والسَّداد وأن ينفعَ به.

حكمة يمانية

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, وعوالم المعرفة, والعلوم الإنسانية, وتواصل الثَّقافات والحضارات, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, وينشدُ الإسهام في مدِّ الجسور, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, وتعزيز المشتركات, وتوسيع الأنظار, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوزًا للعصبياتِ والهُويّات الضَّيقة, منفتحًا على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهريٌّ ونبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى