أدب

تطلب السَّعادة في الظهورِ المحموم: آفة العصر

لولا أنه علينا دَينٌ نُوَفيه لهذه الأمة، لَما كان أحب إلينا من عُزلةٍ بعيدًا عن كلِّ شيء؛ وهلُ يطيبُ للإنسان عيشٌ كما يطيبُ له ذلكَ في كوخٍ صغيرٍ على إحدى حوافِ هذا العالم! إلا أنَّ مَن يُخالطُ ويصبِر، خيرٌ مِمن احتجبَ عنِ الخلق.

ثمة قومٌ طلبوا الظهورَ لا لشيءٍ سِوى العبث، العبث وحسب، والاستكثار بغيرهم, أيحسبون أنَّ لهم في قلوبِ النَّاسِ شيء؟ أم حسبوا أن لن يُخرج الله أضغانهم، وسرائرَ نفوسِهم؟!

حقيقةً، جُلُ مشاهيرِ اليوم بابٌ من أبوابِ التسليةِ والترفيه، لا شيءَ أكثر.. وكثيرٌ مِنهم: فسادُ هذا العالم، أو جزءٌ مِنه.. والفسادُ مُنتهى ما ينتهي إليه: الرداءة. لا يُنكِرُ عاقِلٌ أنَّ حُبَّ الظُهورِ مركَّبٌ في النفس وطلبَ الشهرة، لكنما النفسُ تُهذَّب، وعلى القلبِ في ذلكَ مُعوَّل، وللعقلِ لذلكَ طريقٌ أيضًا، إنَّ الصافي نقي القلب ميالٌ للعُزلةِ عارِفٌ بحقائقِ فضلِ الأخيرةِ على الظُهور، ففي الظهورِ تكلُّفٌ وتعبٌ وإعياء، بل فيه إزهاقٌ لحقيقةِ الروح وأصلها الميال للسكون، ولا يخفى على ذي القلبِ السَّليم أنَّ “الشُهرةَ تعب”، والظهور نكد، وهذا مما جرت به ألسنة الناس, فإنَّ الإنسان ولو قضى شطَرَ حياته مُجتهدًا لِيَظهَرَ اسمه ويُعرَفَ رسمه للعامةِ والخاصة، سرعانَ ما يشعر بتداعياتِ هذا الأمر عليه وعلى نفسِه، حتَّى إن نفسه ستُجهَدُ لِتصِلَ للحقيقةِ التي يُحاولُ إخفائها عنها.. وهي أنه فِعلاً يحتاجُ للراحةِ من الظُهور، وخُصوصًا إن كان ظُهورًا لا معنى فيه ولا غاية إلا كسب الناسِ ودُنياهُم، فإن كِلا الأمرين إلى زوال. ومَن يقضي حياتَه ليزولَ بزوالِ شيءٍ قبلَ زواله فالموتُ خيرٌ له.

وإذا أرادَ امرؤٌ الظُهورَ للوصولِ لمالٍ أو لِغِنىً؛ فليعلَم أنَّ لذة المالِ والغِنى تُولي بمرارةِ نفسٍ أعياها الظهورُ الفارغ، والتكلُّفُ والادعاءُ الأبدي الذي أُجبِرت على العيش فيه.

والأمورُ على موازيين ومقاييس، فليسَ كُل ظهورٍ وكل سعيٍ لهُ مرهق للنَّفس، وإن كان كُله يتطلبُ هِمةَ جسدٍ ونفس؛ وجوهرُ كلامِنا عن النفسِ والتداعياتِ التي تكونُ عليها جراء الظهور الفارِغ، وإن هذا الظُهور -وخاصةً ظهورُ اليوم على تطبيقات التواصِل- يجعلُ النفس تعيشُ حالةً مستفيضةً في أوهامٍ كثيرة “وهمُ الأُنس، ووهمُ الاجتماعيةِ، ووهمُ السيطرة، ووهم المعرفة، ووهمُ القوة” وغير ذلك..

الآن.. الكثير ممن تظنهم أنتَ في غايةِ الأُنس بسببِ الملايين الذين يتابعونهم ويعرفونهم، هُم -غالبًا- في غايةِ البُؤس مع أنفُسِهم، وهُم معرضون لتدهورِ الحالةِ النفسية حتى وإن كانوا في أهم مراحل إنجازاتِهم، وفي أبهى انتصاراتهم؛ وكُنتُ على اتصالٍ مع أحدهم فترة.. حقيقةً، كان غارِقًا في وهمه، غارقٌ لأبعدِ حد.. ولَـمَّا انتبه، كان قد اختنقَ بالفِعل، ولا أقولُ إنه كان على حافةِ انهيارٍ أو ما شابه، لا، مَن كانَ معه.. يعلمُ أنه قد انهارَ تمامًا لفترةٍ طويلةٍ من حياته، بضع سنين؛ قُلتُ مَن يعيشُ معه.. لأن هذه الحقيقة لن يدركها الجمهور، وإن أحسَّ بتغيُّرٍ أو اضطرابٍ أو ما شابه، إلا أن الحقيقةَ تبقى مدفونةً لا يراها إلا قريبٌ ملاصِقٌ لضحية الظهور؛ ويراها الضحية.. إن انتبه في غَرِقه، وإلا فإن الغارِقَ لا يبتَل!

المشهور، والمُؤثِر، مستعبدٌ لشهرته.. ومستعبدٌ للجمهور.

والمتأثرين، وعمومُ الداعمين لهذا المشهور -الفارغ- مشاركون في جريمةِ قتلِ هذه النفس، علاوةً على أنهم مُستعبدونَ عندهم، يأتمرون بأمرهم، وينتهونَ بنهيهم، إن أحسنوا أحسنوا، وإن أساؤوا أساؤوا.. سوءةُ شُهرةِ هذا الزمن أنها تعيدُ البشرية لزمنِ العُبودية، وعلى أنَّ العبودية لا تزالُ موجودةً في صورها العديدة.. إلا الشهرة وجهٌ جديدٌ لذاتِ العبودية، عبوديةُ المؤثِرِ للمُتأُثرين، وعبوديةِ المتأثرين للمؤثِر.

وعلى هذا كله قُلنا إنَّ العُزلة حُبِبت إلينا، ففي العُزلةِ شيءٌ يصِلنا بنفوسِنا، ولا شيءَ أثمن في هذا العالم اليوم مِن معرِفةٍ بهذه النفس، الظهور حاجز، والجماهيرُ حاجز، والحشودُ حاجز، والإنترنت حاجز، التفاهةُ حاجز، والفراغُ حاجز… مَن تخطى كل هذه الحواجِز استطاعَ لهذه النفسِ سبيلًا، وإلا فإن السُبلَ تتفرقُ بِه عن مُراده.. أوليسَ هو قد طلَب السعادة؟ إذاً فليعلم، ليست هي في الشُهرة الزائفة، ولو أرضى نفسه بالظهور.

أنْعِمَ النَّظر في هذا العالم، مُنهمِكٌ قاصِدٌ غارِقٌ في المادية لا يرى غيرها، ولا يتوقُ لسِواها.. والبشرُ كيفما كانوا، وأينما كانوا إنما همهم السعادة، وفي كل فترةٍ تراهُم يبتكِرون طُرُقًا جديدةً يدعون أنها صفاء النفس وسعادتها، وفي كُل ابتكارٍ – على هذا النحو- ضلالة، إذ النفسُ تواقةٌ لسعادتِها.. ولا سبيلَ لذلكَ إلا معرفة النفسِ نفسها، ومعرفةُ الإنسانِ بِها، وإلا فالمُؤمَلُ بعيدٌ مهما كدَّ واجتهد الإنسانُ في سبيلِ ذلك.. مَن يُعلِلُ نفسهُ بالظهورِ والشهرة والكثرةِ الكاثرةِ حوله، ومَن يُعلِلُ نفسه بالمالِ والزخرف، والبنونِ والجاه.. فهذا ما سَعد، وهذا ما علِم، وإلا فِيمَ كان ضيقُ المُلوك وضجرهم؟ وفيم كانت راحةُ أهل البساطة؟ فيم كانت راحةُ حجة الإسلام الغزالي لـمّا اعتزل وترَّحلَ إحدى عشرة سنة وقد كان بين الخدمِ والحشم؟ وفيمَ راحةُ العالمِ الجليلِ ابن تيمية لـمّا قال “ما يَصنَعُ بي أعدائي؟ إنَّ جَنَّتي وبُستاني في صَدري، أين رُحت: فَجَنَّتي مَعي لا تُفارِقُني، إنَّ حَبسي خلوةٌ، وإخراجي مِن بلدي سياحةٌ، وقتلي شهادة” أفما أدركَ الإمامان أنَّ الترحالَ والسجن شيءٌ مِن عذاب؟

لا.. فمعلومٌ عندَ أهل المكارم أنَّ العذاب عذاب النفس، إن الشدائد يتحملها الجسد مهما تردَّى في ضعفه، أما عند النفس، فالأمرُ يختلف.. موتُ النفسِ شديد، والتعذيبُ النفسيُ أشد، لِذا كانت العنايةُ بها أجدر، وعلاجُ المتضررُ فيها أولى؛ وعلى هذا قامَ ضعيفُ النفسِ اليوم فاستترَ خلفَ ألفِ شاشةٍ وشاشة، أو خلفَ ألفِ جمهورٍ وجمهور.. وتكلَّمَ وخطب، وقالَ وكَتب، وفي هذه الضوضاء، وبين هذه الحشود كلها، ووسط الجماهير.. توارى ضعفُه، وانطلت عليه حيلتُه، فإن عادَ إلى نفسه وإلى حقيقتها، أدركَ فسادَ أمره، وعلِمَ كذب المظاهر، إلا أنه يُكابِر، وفي هذا هلاكُه.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بسم الله ما شاء الله..
    سيدي الكريم.. وجدتُ في مقالك اجتماع الحكمة البسيطة مع الهدف العظيم مع سلامة و سلاسة السطور التي تصل للنخبة فضلا عن البسطاء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى