
مدخل
(بنو هاشم).. (آل البيت).. (العترة).. ( آل محمد).. (أهل البيت).. مصطلحات وظفت من قبل فرق الشيعة – على اختلافها – في شخصنة الإسلام واختزاله في الإيمان بأسرة وتقديس سلالة ادعيت لها حقوق تميزها عن سائر المسلمين، ومن ذلك (الحق الإلهي في السلطة) المعبر عنه في الأدبيات الشيعية ب(الإمامة)… وهكذا تم اختزال رسالة الإسلام العالمية بأبعادها الإنسانية الواسعة، والحضارية الشاملة في (عشيرة مقدسة)، ويكأن الإسلام لم يأت إلا ليؤسس للاصطفاء العرقي، والطبقية الاجتماعية، والاستبداد الثيوقراطي!
ومن له أدنى معرفة بدين الإسلام يعلم يقينًا أن فكرة العشيرة المقدسة صاحبة الامتياز العرقي، والحق الإلهي في السلطة هي فكرة غريبة عن الإسلام ومناقضة أشد المناقضة لروحه ومبادئه وتوجهاته وتعاليمه.
ويمكننا القول: إن أخطر اختراق فكري على الإطلاق وقع المسلمون في حبائله هو فكرة (العشيرة المقدسة)، وهي فكرة جذورها مجوسية ويهودية، ومن تفرعاتها نظرية الحق الإلهي في السلطة للأسرة الهاشمية، وهي نظرية خطيرة، وآثارها – كانت ولا زالت – كارثية لا سيما في النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية.
تحريف الدين وتبديله
ولا تكمن خطورة نظرية الحق الإلهي في السلطة التي يعبر عنها الفكر الشيعي الباطني بمصطلحات (الإمامة) و(الوصاية) و(الولاية) في اختزال الإسلام في (عشيرة مقدسة)، وسلالة متألهة فحسب؛ ذلك أن الباطنيين استخدموا النظرية سنارة لصيد أهل الغفلة والجهل من المسلمين، وتحويلهم من ديانة التوحيد الإسلامية إلى ديانة الشرك الباطنية (الغنوصية)، وإلى أعداء للإسلام باسم الإسلام.
إن دعوى الحق الإلهي في السلطة ل (العشيرة المقدسة) كانت ولا زالت هي المدخل لتحريف الدين وتبديله؛ أي أنها أول سطر في الحكاية، وليست كل الحكاية..
وإدراكنا لهذه الحقيقة هو ما يجعلنا ندرك خطورة التشيع السياسي للبيت الهاشمي أو العلوي والذي تسلل – مع الأسف – إلى كثيرين من أهل السنة، في ظل الغفلة عن خطورته، والغفلة عن كونه المرقاة نحو التشيع الفكري والعقائدي بكل ما يحمله من عقائد باطلة، وأفكار منحرفة.
نظرية مولدة للفتن والاضطرابات السياسية والاجتماعية
إن من ينظر بعين فاحصة في سردية الولاية والإمامة والوصاية و(العشيرة المقدسة) كما تقدمها الميثولوجيا الشيعية، يرى تحت عباءة هذه السردية جملة من التحريفات والخرافات والأباطيل الدينية، كانت ولا زالت وراء إذكاء نار الحروب والفتن الدموية، والإضطرابات الاجتماعية والسياسية في المجتمعات الإسلامية عبر تاريخ أمتنا الطويل، ومن يستقرئ التاريخ تبرز أمامه أحداث كبيرة، ومآسٍ كثيرة، كان الباعث عليها والمحرك الأساس لها: نظرية (العشيرة المقدسة) وحقها الإلهي المزعوم في السلطة.
ونحن هنا لا نناقش قضية من قضايا التاريخ عفى عليها الزمن، وإنما نتحدث عن نظرية لا زالت مفاعيلها التدميرية كامنة في أرضنا، وألغامها الفكرية مبثوثة في تراثنا، ومعتنقوها وأنصارها يتحينون الفرص السانحة لتقريرها واقعًا، كما فعل الخميني في إيران، والجماعة الحوثية في اليمن.
نظرية أساءت إلى مقام النبوة
والأمر المؤسف هنا أن تنسب خرافة (العشيرة المقدسة) إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأن ينسب العنصريون السلاليون ما هم عليه من نفخة الاستعلاء الإبليسية، ودعوى الحق الإلهي في السلطة إلى الرسالة المحمدية؛ وهم قد أوجدوا بهذا الزعم الباطل ذريعة لأعداء الدين للطعن في خاتم الأنبياء والمرسلين، وخلقوا وحشة تجاه النبي الكريم في نفوس بعض الجهلة من المسلمين، حتى سمعنا من بعضهم عبارات نابية، وقرأنا لبعضهم ألفاظًا عن الأدب عارية يتفوهون بها في حق خير من وطئ الثرى، وهو صلوات ربي وسلامه عليه بريء من كل تلك الدعاوى الجاهلية، والأفكار العنصرية الطبقية، وسيرته العملية بذلك ناطقة، وأقواله الصحيحة المحفوظة على ذلك شاهدة.
وعلى الرغم من وضوح المبادئ الإسلامية في رفضها لكل أنواع التعصب السلالي والعنصري، وتأكيدها على البعد الإنساني، وتقريرها لمبدأ الشورى وحق الأمة في اختيار حكامها، وأن شرط الحاكم المسلم هو الصلاح والكفاءة وإن كان عبدًا حبشيًا كأن رأسه زبيبة، فإن دعوى الحق الإلهي في السلطة للقبيلة الهاشمية وافقت هوىً في نفوس أعداء الإسلام فاتخذوها ذريعة للطعن في الإسلام، والطعن في الرسول عليه الصلاة والسلام، واتهامه أنه كان يتغيّا من وراء دعوته التمكين الاجتماعي والسياسي للأسرة الهاشمية وتأسيس قواعد الملك لها!
وقد أخذ ملحد معاصر هذه الفرية وبنى عليها الطعن في النبي عليه الصلاة والسلام والتشكيك في نبوته، وألف كتابًا تقيأ فيه كفرياته متكئًا على السردية الشيعية حول اصطفاء السلالة العلوية وحقها الحصري في السلطة السياسية.
وحيث إن فكرة التشيع السياسي للبيت الهاشمي قامت على ادعاء يزعم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أوصى بالخلافة من بعده لشخصٍ ما من البيت الهاشمي، فلابد من تمحيص هذا الادعاء، لا من خلال تمحيص الروايات فحسب، ولكن من خلال السيرة السياسية للنبي عليه الصلاة والسلام؛ إذ الأمر البدهي المعلوم الذي لا خلاف عليه بين جميع العقلاء أن من يريد توريث السلطة لأبنائه أو أقاربه فإن بوادر ذلك التوريث تبدأ في حياته من خلال تمكينه لهم من مفاصل السلطة وجعل مقاليد الأمور بيدهم.. فهل مَكّن النبي عليه الصلاة والسلام لبني هاشم سياسيًا في حياته؟
إن هذا السؤال مهم وجوهري، والإجابة عنه ستضع النقاط على الحروف، وهو موضوع حديثنا في الحلقة القادمة.
