
استعرضنا في الحلقة الماضية كيف اتخذ المبطلون من أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة ذريعة للطعن في النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام، والإساءة إليه، والتشكيك في نبوته، وفي دين الإسلام برمته، ثم وقفنا في نهاية الحلقة عند سؤال جوهري ومهم: هل مكّن النبي عليه الصلاة والسلام – في حياته – لبني هاشم سياسيًا؟
والإجابة عن هذا السؤال تضعنا أمام فرضيتين:
الفرضية الأولى: أن النبي عليه الصلاة والسلام مَكَّنَ لبني هاشم سياسيًا، وهذه الفرضية إن صحت ستدعم تلك التقولات المنسوبة إليه أنه جعل أمر الخلافة من بعده إلى عمه العباس بن عبدالمطلب، أو إلى ابن عمه علي بن أبي طالب، ويجب هنا أن نلاحظ أن التمكين للعباس، أو لعلي، يستلزم التمكين لعددٍ من أفراد العشيرة الهاشمية، لا لفردٍ واحدٍ منها فحسب؛ إذ هذا ما تقتضيه طبيعة وسيرورة توريث الملك العائلي في كل زمان ومكان.
الفرضية الثانية: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُمَكِّن لأحدٍ من بني هاشم سياسيًا، وهذه الفرضية إن صحت نسفت كل التقولات الواردة في أحقية عمه العباس بن عبدالمطلب، أو ابن عمه علي بن أبي طالب في الإمامة والخلافة من بعده؛ إذ لا يعقل أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا ولا تتطابق أقواله مع أفعاله، لا سيما في أمرٍ خطيرٍ وشأنٍ كبيرٍ كالولاية العامة، فهذا مما ينزه عنه عقلاء وحكماء الناس فكيف بالنبي عليه الصلاة والسلام؟
والآن لنختبر هاتين الفرضيتين من خلال سياسة النبي عليه الصلاة في التولية؛ إذ هي التي ستكشف إن كان هنالك مشروع لتوريث السلطة السياسية (الإمامة والخلافة) لبني هاشم أم لا.. تعالوا لننظر كم كانت حصة بني هاشم من الولايات في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وفي مقدمتهم العباس بن عبدالمطلب جد العباسيين، وعلي بن أبي طالب جد العلويين.
سياسة النبي عليه الصلاة والسلام في التولية
من المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كانت له مقامات: مقام النبوة والرسالة، ومقام الفتوى، ومقام القضاء، ومقام الإمامة والولاية السياسية، وفي إطار مقام الإمامة والولاية السياسية كان عليه الصلاة والسلام يدير شؤون الدولة، ومن ذلك تعيين وعزل الولاة، ومسألة التوريث للسلطة السياسية لا تنفك أبدًا عن سياسة التعيين في المناصب السياسية والإدارية العليا في الدولة، وبالتالي إن كانت لدى النبي عليه الصلاة والسلام أجندة سياسية في التوريث لبني هاشم من بعده؛ فإن تلك الأجندة ستظهر – لا محالة – من خلال تمكينه لهم في الولايات على البلدان والأمصار.
وقد اخترنا الولاية على الأمصار والبلدان لأنها ستكشف بوضوح عن مقصد التوريث للسلطة، كما يمكن أن يُستشف من خلالها التمكين السياسي، وأما الأعمال الجزئية والمهام الصغيرة المحدودة كتكليفه عليه الصلاة والسلام لبعض الأشخاص بجباية الفيء والخمس والزكاة، فلن نعرج عليها؛ لأنها لا وزن لها معتبر في ميزان التمكين السياسي، ولا تعطي مؤشرًا نحو توريث السلطة.
والأمر الملفت للنظر هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يستعمل بني هاشم في أي ولاية عامة على أي مصرٍ من الأمصار، ولا بأس أن نسلط الضوء على هذه النقطة بذكر الولاة الذين ولّاهم النبي عليه الصلاة والسلام وتوفي وهم على النواحي والبلدان والأمصار التي دانت بالطاعة والإسلام، وهم(1):
[1] عَتَّاب بن أُسِيد بن أبي العِيص الأموي، ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على مكة بعد فتحها، وظل واليًا عليها حتى وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فأقره الخليفة أبو بكر الصديق عليها.
[2] عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على الطائف.
[3] أبو سفيان بن حرب الأموي ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على نجران.
[4] العلاء بن الحضرمي ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على البحرين.
[5] عمرو بن العاص السهمي ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على عُمَان.
[6] زياد بن لبيد الأنصاري ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على حضرموت.
[7] المهاجر بن أبي أمية المخزومي ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على كِنْدة.
[8] أبو موسى الأشعري ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على زبيد وعدن.
[9] معاذ بن جبل ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على مخلاف الجند باليمن.
[10] عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على خيبر وتبوك وفدك.
[11] خالد بن سعيد بن العاص بن أمية ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على صنعاء بعد وفاة شهر بن باذان.
[12] يزيد بن أبي سفيان، ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على تيماء.
[13] المنذر بن ساوى، ولاهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام على هجر.
فهؤلاء هم ولاةُ رسول الله على الأمصار الذين توفي وهم على ولاياتهم، وليس فيهم أحد من بني هاشم.
قال تقي الدين المقريزي (ت٨٤٥هــ) بعد أن استعرض ولاة رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((فانظر كيف لم يكن في عُمّال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عمال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أحد من بني هاشم))(2).
وأشار في موضع آخر إلى أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فعلا ذلك اقتداءً برسول الله عليه الصلاة والسلام(3).
قلت: ومقصود المقريزي أنه لم تكن في بني هاشم ولاية عامة على مصر من الأمصار أيام النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا صحيح، ولا ينافي ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام استخلف عليًا رضي الله عنه على المدينة حين خرج إلى غزوة تبوك؛ لأنه كان استخلافًا مؤقتًا، وقد استخلف النبي عليه الصلاة والسلام على المدينة عددًا من الصحابة أوقات خروجه منها، فاستخلف سعد بن عبادة في غزوة ودان، وسعد بن معاذ في غزوة نواط، وأبو سلمة بن عبد الأسد في غزوة ذي العشيرة، وأبو لبابة في غزوة السويق، وغزوة بني قينقاع، وغزوة غطفان، وسباع بن عرفطة في غزوة دومة الجندل، وغزوة خيبر، وأبو دهم بن الحصين في غزوة الفتح، واستخلف عبدالله بن أم مكتوم مرات كثيرة، وقد ذكروا أن النبي عليه الصلاة والسلام استخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة(4)، فهؤلاء كلهم استخلفهم رسول الله عليه الصلاة والسلام على المدينة استخلافًا مؤقتًا حين خروجه منها، وهذا الاستخلاف المؤقت لا يؤسس لتمكين سياسي مستدام ومؤثر، والاستدلال به على عدم التمكين أولى وأقرب من الاستدلال به على التمكين.
وأرسل النبي عليه الصلاة والسلام عليًا رضي الله عنه إلى اليمن لقبض الخمس من خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهذه أيضًا مهمة محدودة وليس فيها ولاية عامة.
وأرسله بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في حج سنة تسع من الهجرة ليبلغ آيات البراءة من سورة براءة، وكان علي في هذه المهمة تحت إمرة أبي بكر الصديق، قال الإمام ابن القيم: ((وولَّى [النبي عليه الصلاة والسلام] أبا بكر إقامة الحج سنة تسع، وبعث في إثره عليًا يقرأ على الناس سورة براءة، فقيل: لأن نزولها بعد خروج أبي بكر إلى الحج. وقيل: بل لأن عادة العرب كانت أنه لا يحل العقود ويعقدها إلا المطاع، أو رجل من أهل بيته، وقيل أردفه به عونًا له ومساعدًا. ولهذا قال له الصديق: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور(5).
وأما أعداء الله الرافضة فيقولون: عزله بعلي، وليس هذا ببدع من بهتهم وافترائهم))(6) .
وهذه المهام التي كلف بها النبي عليه الصلاة والسلام عليًا رضي الله عنه، لم يكلفه بها لأَنه من بني هاشم، وإنما لأنه رأى فيه أهلية للقيام بها، وكما رأينا كلها كانت مهامًا محدودة ومؤقتة.
وأما العباس فقد رُوي أنه جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام يسأله أن يوليه ولاية، فقال له عليه الصلاة والسلام: ((يا عم رسول الله نفس تنجيها، خير من إمارة لا تحصيها))(7)
وكذلك رُوي أن حمزة بن عبدالمطلب جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله اجعلني على شيء أعيش به، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنفس تنجيها أحب إليك أم نفس تميتها؟ قال: نفس أنجيها. قـــال: عليك بنفــسك))(8).
والحديثان وإن كان في إسنادهما مقال من جهة الصنعة الحديثية، لكنهما منسجمان تمامًا مع الوقائع الثابتة في السيرة النبوية.
والشاهد أنه لم يحصل أي تمكين سياسي لبني هاشم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يؤهل أو حتى يُشي بمسألة التوريث للخلافة من بعده.
ونخلص مما سبق إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن في أجندته السياسية التمكين لأي عشيرة أو قبيلة، لا لبني هاشم ولا لغيرهم، وإنما كان يختار من يراه الأصلح والأجدر من أي قبيلة أو عشيرة كان، وأنه عليه الصلاة والسلام استبعد بني هاشم من الولايات على البلدان والأمصار، وما نحسبه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك إلا عن قصدٍ؛ ليدرأ عن مقام النبوة شبهة الملك، ويقطع ألسنة المتخرصين، وتكهنات المتقولين.
وقد أسّس النبي عليه الصلاة والسلام بذلك لمبدإٍ إداري عظيم، وهو مبدأ عدم تولية الأقارب، الذي يعد اليوم من ركائز الإدارة الحديثة، ومبدأً من أهم مبادئ الحوكمة (Governance)، وهو المبدأ الذي طبقه تطبيقًا كاملاً الخليفتان الراشدان المهديان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، تأسيًا واقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام.
وهذه المنقبة النبوية لا تكاد تذكر؛ وما ذاك إلا لأن ذكرها والإشادة بها يمس أسطورة العشيرة المقدسة!
نعم… لقد طمرت هذه المنقبة النبوية وأهيل عليها تراب الإهمال والتجاهل تماهيًا مع أسطورة العشيرة المقدسة وحقها الإلهي المزعوم في السلطة!
وهذا ما سوف نبسط القول فيه في الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى..
الهوامش:
- ينظر: الإمام ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 125 – 126) مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط15، 1407هـ/1987م. العلامة محمد عبد الحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية المسمى بالتراتيب الإدارية (١/٢١١ – ٢١٥)، تحقيق: د. عبدالله الخالدي، شركة دار الأرقم بن أبي الارقم، بيروت، لبنان، ط٢، د.ت. د. حافظ أحمد عجام الكرمي: الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم. (ص93 –104) . المعهد العالمي للفكر الإسلامي – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط2، 1428هـ/2007م.
- تقي الدين المقريزي: النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبين هاشم (ص84)، تحقيق: د. حسين مؤنس. دار المعارف، القاهرة، مصر، د. ت.
- المرجع السابق، ص82.
- ينظر: د. حافظ أحمد عجام الكرمي: الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم. ص97 – 98، مرجع سابق.
- أخرجه النسائي في السنن الكبرى (8463) والدارمي في مسنده (1956) والبيهقي في السنن الكبرى (9437) ولفظه: فقال له: أبو بكر أمير أم رسول؟ فقال: لا. بل رسول أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس)) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات، وصححه ابن حبان.
- الإمام ابن القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد (1/126)، مرجع سابق.
- رواه الخلال في السنة (٦٩) والبيهقي في الكبرى (٢٠٧١١) مرسلاً من طريق سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن العباس، وقال: هذا هو المحفوظ مرسل. وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٣٢١١)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (4/27).
- أخرجه أحمد (٦٦٣٩)، من حديث عبدالله بن عمرو، بإسناد فيه ابن لهيعة وحيي بن عبدالله. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٠١٤): رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجال ثقات. وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، وضعفه الشيخ شعيب الأرنؤوط.
