
توطئة:
استعرضنا في الحلقة الماضية السياسة النبوية في التولية على النواحي والبلدان والأمصار، وظهر لنا من خلال الاستقراء أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يولِّ أحدًا من بني هاشم؛ وبذلك حال بينهم وبين أي تمكين سياسي يمكن أن يُبنى عليه مستقبلاً الاستحواذ على السلطة، أو ادعاء حق الاستئثار بها، وتلك منقبة نبوية منسية، ولا نرى سببًا لتناسيها وتجاهلها سوى الهيمنة الفكرية لأسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، وقد وعدنا في ختام الحلقة الماضية أن نبسط الكلام حول هذه المسألة بعض البسط، وهذا أوان الشروع في ذلك..
منقبة للشيخين معزولة عن جذورها
من المناقب المعروفة المشتهرة للخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما لم يُولّيا أحدًا من أبنائهما أو أقاربهما أي عمل من أعمال إدارة الدولة، غير أن الحديث عن هذه المنقبة يشوبه قصور وغفلة لدى عامة المسلمين؛ إذ لا يدرك كثير من المسلمين أن هذه المنقبة للشيخين إنما هي امتدادٌ لما فعله النبي عليه الصلاة والسلام واقتداءٌ به في امتناعه عن تولية أقاربه من بني هاشم.
وإنه لأمر عجيب حقًا أن يقدر المسلمون منقبة منع تولية الأقارب لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويغفلون عن تقرير وتقدير هذه المنقبة للنبي عليه الصلاة والسلام!
لكن العجب يزول إذا أدركنا السطوة الفكرية والسياسية لأسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، تلك السطوة التي تخلقت في وقت مبكرٍ من تاريخ أمتنا، واستمرت في فرض هيمنتها على عقول ومشاعر المسلمين لقرون متطاولة، ولا زالت آثار سطوتها الفكرية مستمرة ومبثوثة في تراثنا الفكري والثقافي إلى اليوم.
أسطورة مهيمنة
لم تكن صناعة التقديس للعشيرة عملية سهلة، ولكنها تمت من خلال أنهار من الحبر المسفوح والدم المسفوك؛ فمن خلال عملٍ دؤوب ومنظم، وحربٍ فكرية لا هوادة فيها، وسيفٍ لا يرعوي عن سفك الدماء، استطاعت التنظيمات السرية الباطنية أن تفرض أسطورة العشيرة المقدسة على المجتمعات الإسلامية، وأن تُمكن لها على النحو الذي جعلها تحتل مكانةً مركزيةً في تراثنا الفكري، وفي واقعنا السياسي والاجتماعي، وجعلها تهيمن على العقول والمشاعر هيمنة شبه مطلقة..
ولأنها أصبحت فكرة مهيمنة على النفوس بفضل الدعاية المكثفة لأنصارها الذين نجحوا في تغليفها بغلاف ديني وجداني ربطوه بذات النبي عليه الصلاة والسلام من خلال الروايات الموضوعة والقصص المخترعة المصنوعة؛ فقد أصبح الوعي الجمعي للأمة يستبعد كل نقدٍ يمس الأسطورة، ويهيل التراب على كل حقيقة تتعارض معها..
لقد سعى المنظرون لأسطورة العشيرة المقدسة إلى خلق أنموذجٍ تفسيري جديد للإسلام استبعدوا منه كل ما يعارض الأسطورة، أو يمسها من قريب أو بعيد، وفي ظل إرهاب فكري وسلطوي تمددت الأسطورة في شعب الحياة الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية..
وفي ظل هذا السياق المظلم جرى طي وإهمال جوانب مشرقة وضاءة من السيرة النبوية، لكونها تتعارض مع أسطورة العشيرة المقدسة وحقها الإلهي المزعوم في السلطة، ومن ذلك المنقبة النبوية المتمثلة في امتناع النبي عليه الصلاة والسلام عن تولية بني هاشم على البلدان والأمصار، ضمن توجه نبوي مقصود هدفه حرمانهم من التمكين السياسي الذي يمكن أن يتخذ ذريعة للاستئثار بالسلطة السياسية، أو ادعاء الأحقية فيها.
دور الدولة العباسية في التمكين للأسطورة
الحديث عن التمكين لأسطورة العشيرة المقدسة في المجتمعات الإسلامية لا يتم دون التطرق للدور الخطير الذي لعبته الدولة العباسية من خلال التشيع السياسي الذي رسخته دينيًا وثقافيًا خلال حكمها للمسلمين أكثر من خمسمائة عام.
فلقد قامت دولة بني العباس على نظرية تقول: إن العباس بن عبدالمطلب هو الوريث الشرعي للإمامة السياسية وصاحب الحق في الخلافة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وإن أبناءه من بعده (العباسيون) هم (أهل البيت) وأصحاب الحق الحصري في تولي زمام السلطة السياسية، وأنها باقية فيهم إلى آخر الزمان.. ولا يعقل من أصحاب هذه النظرية أن يبرزوا منقبة النبي عليه الصلاة والسلام في امتناعه عن تولية بني هاشم، وفي المقدمة منهم جدهم العباس، الذي لم يولِّه النبي عليه الصلاة والسلام ولا أولاده شيئًا من الولايات.
ولا بأس هنا أن نسلط شيئًا من الضوء السياسي على العباس بن عبد المطلب كونه يمثل حجر الزاوية في ادعاءات الشيعة العباسية.
العباس بن عبدالمطلب.. طموح سياسي منضبط
كان العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام كبير العشيرة الهاشمية، وكان يحمل هم العشيرة، وكان لديه تطلع وطموح سياسي منضبط، وبالتالي فليس في ذلك الطموح ما يعيبه، أو ينتقص من قدره.
ولم يكن يجد مجالاً للتعبير عن طموحاته السياسية أمام النبي الكريم، وأمام عظماء الإسلام من السابقين الأولين وفي مقدمتهم أبي بكر وعمر، ولكنه مع ذلك كان يحاول أن يجد موطئ قدم هنا أو هناك لتلك الطموحات والتطلعات، ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري في الصحيح: ((أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا. فأخذ بيده العباس فقال: ألا تراه؟! أنت والله بعد ثلاث عبد العصا! والله إني لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه، وإني لأعرف في وجوه بني عبد المطلب الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله: فيمن يكون الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمرناه فأوصى بنا. فقال علي: والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناسُ أبدًا، وإني لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا))(1).
ولدينا رواية مرسلة صالحة للاعتضاد من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر، أن العباس جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام يسأله أن يوليه ولاية، فقال له عليه الصلاة والسلام: ((يا عم رسول الله نفس تنجيها، خير من إمارة لا تحصيها))(2).
وأخرج أحمد في مسنده (1783) والبخاري في الأدب المفرد (726) والترمذي في جامعه – سنن الترمذي – (3514) بأسانيد صحيحة عن العباس قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله علمني شيئا أدعو به. فقال: سل الله العفو والعافية. قال ثم أتيته مرة أخرى، فقلت: يا رسول الله: علمني شيئا أدعو به. قال: فقال: يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) وفي مسند البزار (1172): ((قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله علمني شيئا أسأله ربي، قال: يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة)).
ولعلّ العباس أراد من خلال هذا السؤال وتَكراره أن يستشف حظوظه عند النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاء جواب النبي عليه الصلاة والسلام واضحًا وحاسمًا: لا جاه.. ولا مال.. ولا سلطان.. ولكن فقط اسأل الله العافية في الدنيا والآخرة!
العباسيون.. طموح سياسي منفلت
على خلاف العباس صاحب الطموح السياسي المنضبط، كان لدى أحفاده طموح سياسي غير منضبط؛ فقد كانوا متشوفين إلى السلطة بأي ثمن، وكانت أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي في السلطة قد تسللت إلى نفوسهم.. لقد راقت لهم الفكرة الغنوصية فتلقفوها، ولم يلزموا وصية النبي عليه الصلاة والسلام لجدهم العباس رضي الله عنه بسؤال العافية، ولا تركوا الإسلام والمسلمين في عافية، بل تحالفوا مع التنظيمات السرية الغنوصية (الباطنية) لإسقاط الدولة الأموية، ومكّنوا حملة الموروث المجوسي الحاقدين من رقاب العرب المسلمين، وأسسوا ملكهم على مجازر دموية يشيب لهولها الولدان، وكل ذلك حدث تحت شعار العشيرة المقدسة وحقها الإلهي في السلطة!
نشوب الخلاف بين معتنقي الأسطورة
في البدء كان العباسيون يعتنقون فكرة العشيرة الهاشمية المقدسة صاحبة الحق الإلهي في السلطة، ولكنهم سرعان ما أدركوا أن الفكرة تحتاج إلى تعديل يضيق من دائرتها، حتى لا يستغلها أبناء عمومتهم العلويون المعارضون لهم؛ إذ هم أيضًا هاشميون.
وبالفعل تم تعديل الفكرة واختزال العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة في العشيرة العباسية، وأقام العباسيون شرعيتهم السياسية على هذا الأساس، لكن لم يصفو لهم الجو؛ إذ قامت دول أخرى مناوئة لهم لتحكم أجزاءً من العالم الإسلامي باسم العشيرة العلوية المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، كالدولة الفاطمية في مصر، ودولة القرامطة في الأحساء وشرق الجزيرة العربية، والدولة الزيدية في اليمن، وهكذا أصبحت أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق المزعوم في السلطة وباءً فكريًا واجتماعيًا وسياسيًا عامًا، ترعاه وتمده بأسباب الحياة دول استبدادية قمعية.
أسطورة مستعلية ومنقبة مطوية
وفي ظل هذا الواقع الديماغوجي حصلت جنايات فكرية وثقافية خطيرة، وكلها صبت في اتجاه أسرنة شخصية النبي عليه الصلاة والسلام، واختزال رسالة الإسلام في أسطورة العشيرة المقدسة والسلالة المختارة!
وفي ظل هذا الواقع الثقافي والسلطوي لم يعد هنالك مجال للحديث عن المنقبة النبوية المتمثلة في استبعاد بني هاشم من الولايات السياسية، فحديث كهذا هو حديث خطير؛ إذ هو ينقض على شيعة بني العباس – وكذا على الشيعة العلوية – كل البناء الوهمي الذي أقاموه، ويهدم بناءهم التنظيري من أساسه؛ ولذا كان لا بد من إخراس الألسنة، والتعمية على هذه المنقبة النبوية، وهو ما كان.
منقبة للنبي أم للعشيرة؟
في كتابه: ((النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم)) صُدم تقي الدين المقريزي (ت٨٤٥هـ)، حين رأى النبي عليه الصلاة والسلام يستبعد بني هاشم من الولايات، المقريزي – المسكون بوهم العشيرة المقدسة أمثال كثيرين غيره من المسلمين – لم يتجه تفكيره نحو عد هذا التصرف منقبة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ ولكنه ذهب يفسره تفسيرًا يتوافق مع ما وقر في نفسه من تقديس للعشيرة، فعدّ ذلك منقبة للعشيرة لا للنبي! وتكلف في ذلك تكلفًا باطلاً مردودًا فقال: ((ولما كانت بنو هاشم من بين قريش كلها قد اختصها الله سبحانه بهذا الأمر أعني الدعوة إلى الله تعالى والنبوة والكتاب، فحازت بذلك الشرف الباقي، وكانت أحوال الدنيا من الخلافة والملك وغيره زائلة، ولهذا زواها الله تعالى عنهم تنبيهًا على شرفهم وعلوّ مقدارهم))(3)!
ثم لما رأى أن كلامه هذا منقوض بالخلافة العباسية قال مستدركًا: ((إياك والاعتراض على ما تقدم من أخذ بني العباس بن عبد المطلب بن هاشم الخلافة وأنهم أقاموا خلفاء نيفًا على خمسمائة وعشرين سنة، فإن الخلافة إنما صارت اليهم بعدما ضعف أمر الدين، وتخلخلت أركانه، وتداول الناس أمر الأمة بالغلبة، فأخذها حينئذ بنو العباس بأيدي العجم من أهل خراسان، ونالوها بالقوة، ومناهضة الدول، ومساورة الملوك، حتى أزالوا بعجم خراسان دولة بني أمية، وتناولوا العز كيف كان، فما وصل أمر الأمة إلى أهل العدالة والطهارة، ولا وليها ذو الزهادة والعبادة، ولا ساسهم أرباب الورع والأمانة، بل استحاله الخلافة كسروية وقيصرية))(4).
وهكذا يهرب المقريزي من واقع العشيرة المتجسد على الأرض استبدادًا وظلمًا وكسروية وقيصرية إلى (يوتوبيا) تبقي على تصوره المثالي للعشيرة.. أهل العدالة والطهارة، والزهادة والعبادة والأمانة والورع – حسب وصفه – وكأن هذه الصفات ماركة مسجلة يتم توارثها جينيًا كما يتوهم المعتنقون لأساطير العشيرة المقدسة!
ومن خلال ما سبق نرى مدى استفحال أسطورة العشيرة المقدسة وسيطرتها على العقول، وفي ظل ذلك الاستفحال والسيطرة حصل تغييب وتأويل لكل ما يعارضها من حقائق ومفاهيم ومبادئ وقيم قرآنية ونبوية أصيلة.
وفي الحلقة القادمة سوف نسلط الضوء – بمشيئة الله تعالى – على منقبة نبوية أخرى تنقض أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار أن يكون عبدًا رسولاً، لا ملكًا رسولاً، وسنبين كيف جرى تغييبها كما جرى تغييب أختها من قبل؛ أعني منقبة استبعاد بني هاشم من الولايات في عهد النبي علية الصلاة والسلام.
شكر وتنبيه:
أشكر كل من تفاعل مع الحلقتين السابقتين بإبداء التعليقات والأسئلة، وهي كلها في محل الاهتمام والاعتبار، وأنبه إلى أننا سوف نخصص – بمشيئة الله تعالى – الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة للإجابة عنها.
