
أنْ نفقدَ قدرتَنا على روايةِ ذواتِنا، تِلكُم أولى سبايا الغالِب في زمنِ فجائع الأُمم يومَ قيل: تهاوَت. ليس أثقلَ على الإنسان من الفراغ الذي يُخلّفه غيابُ قصّته عن نفسه؛ إذ لا يتهيأُ له محضُ الوجودِ إلا بالقصة التي يرويها عن نفسه، عن مدينته والعالَم. فإنِ استُبطِلَتِ القصةُ وانتفَت، وتجرّدَ عِرقُ الثرى من حكايته، استحال دونها إلى كائنٍ غُفْل، لا نشأةَ له ولا سياق، وانحدرَ من مرتبة [الأنا] إلى مجرّد بدنٍ يتحرّك في عالَم المادة كما تتحرّك الأشياءُ؛ بلا نسبٍ داخلي، ولا صلةٍ تُمسك بمعناه، ولا خيطٍ يربطه بمصيره. هنا، إذ فقدَ حكايته، واستحالَ عديمَ ظل، كان أشدّ قبوليةً للابتلاع المُسفِّ، شأنُه شأن الأغراض إذِ ابتُلِعت في فوضى الكون.
قامتِ الإنسانيةُ على [حُكمٍ] يتحدّدُ فيه الشيءُ بما يُضاف إليه، كما يتحدّد الحدُّ بما يضبطُ الماهية، فكان التاريخُ للإنسان النسبةُ المُعرِّفة التي يتقوّم بها وجودُه في العالم، وبدونها لا يبقى إلا صورةٌ بشريةٌ خالية من [الذات]، أشبهُ بخيالِ عُجْمته إذا ما حكمَت عليه صمتًا أمامَ العالَم في عجزٍ عن تقرير المعنى. وإذا اتّفقنا مع الذين ذهبوا إلى أنّ ”الشيء لا يثبُت إلا بصورته“، فواردُ النظرِ أنّ صورةَ الإنسان ليسَت بالتي هي شكله، هي في قصّته؛ لأن القصةَ وحدها تهبُ وجوده خاصّةَ الزمنِ والاستمرار، وتُصيّرهُ قابلاً للإضافة إلى ماضٍ وإلى مجتمعٍ وإلى معنى. فإذا سقطتِ القصةُ، سقطت بذلك الصورةُ، مدارُه وطُرُّ وجوده، ويصحُّ عند ذاك تحوّل الإنسان إلى مادّةٍ خام، يتصرّفُ فيها المُتغلّبُ كيف ما يشاء، ويُعيد تشكيلها كخطّاطٍ وحدّيثٍ في اللفظ المشترك لا ينهاه حدٌّ ولا يردّه قيد.
مُقدّمةٌ كسالفِ الإنشاءِ، تقتضي علائقيةَ الصورة بالذاكرة. وحيّزٌ نَشِطٌ في مقاماتِ فكرةٍ كهذه لا ترعوي عن نداء سؤالاتٍ مثل: حقيقة الذاكرةِ كعارضٍ على الوعي أو أصلٍ في ماهيّته؟ التحقيقُ أن الذاكرةَ ليست من باب الصفاتِ الزائدة المُمكَّن سَلبُها دون اختلال الشيء، هي أقربُ إلى الجزء الداخل في الحدّ؛ بها تتعيّنُ جهة انتماء الإنسان، والرابطةُ بينه وبين الزمن تُقام. أمّا الوعي، إذا جُرِّدت منه الذاكرةُ فهو ليس إلا كجوهرٍ بلا فصل، أو تجوّزًا نُسمّيه [جسمًا على المجاز]، غير أنه في أصالةِ التحقيق لا حقيقةَ له يُثبتُها متكلّمٌ أسطونٌ إذا رامَ الفيصلَ بين الاسم وحقيقته، وعلى اعتبارٍ كهذا تكونُ، وبالمشهودِ، ذاكرةُ الإنسان ما يكون به، ولا تُختزل فيما يتذكّره. أو من وجهٍ آخرَ ما الذاكرةُ إلا شرطٌ في صحة نسبةِ الإنسان إلى ذاته، شرطٌ لصورةِ هويّة الهويّة، فإذا تقطّعَت حبالُ الشرطِ بَطُل الحُكم، وبُطلانه يستلزمُ تفلُّت الإنسان من كل نَسبٍ، فيقبل أيّ صورةٍ دونما حدّ، مطواعًا لكل يدٍ تُعيد تشكيل وعيه.
في الآجلِ والعاجلِ، يجدُ الإنسانُ أنّ ذاكرته في محصولِ المعلوم جزءًا من ماهية وعيه، ومعقولِ الموجود أنّها سِمةٌ من آلات [المقاومة السياسية] مع افتراقِ حالاتها؛ ذاك أنّه مَن كان له ماضٍ كان له معيار، ومَن كان له معيارٌ لم ينخدعْ بهُجنةِ الخطابات، ولا تحمله الحشود على الانصهار في صياحها. أمّا فاقد الذاكرة، فاقدُ معيارٍ بالضرورة، وفاقدُ المعيار مهيّأٌ بطبعه للتلقي والانقياد، وذا أصلٌ من أصولٍ شتّى للاستبداد. وليس يُدرِكُ خطرَ هذا الأصل إلا من عرف أنّ الذاكرةَ من مقوّمات الوجود الإنساني، ولا تقتصرُ على كونها من توابع المعرفة في ميزانِ الحدود، ولذا من سائر الأخياف والخليقةِ والموجوداتِ كان الإنسانُ وحده ذو تاريخ، فإذا سُلب تاريخُه سُلِب وجودُه مرتين، مرّةً في الخارج، ومرةً في الوعي. ومِن ترفِ النظرِ الشِّعري، وقصورهِ في آن، اختزال الذاكرة في مقاماتِ العاطفةِ والحنين؛ ومن وجوه مقاماتِها [مقام شرعية الإنسان السياسية]، فلا شرعية له بلا سرد، والذاكرةُ عُمدةُ سرده، والماضي المُشترَك دِسارُ ذاكرةٍ يؤدي وظيفة العلة المُعرِّفة في باب الحدود.
إذا تَقرّرَ أنّ الذاكرةَ داخلةٌ في حدِّ الوعي، لا عارضةً عليه، والجزءُ الأندى الذي لا يَصحّ تصوّرُ الإنسان إلا به؛ فمن هذه المداراتِ يلزمُ أن ينتقلَ الكلامُ من ذات الإنسان إلى جماعتِه، ومن صورة الوعي إلى صورة الدولة، لأنّ الشرعيةَ السياسية على التحقيق، وهي أخصُّ مقاماتِ هذا الطرح، ضربٌ من ضروب الهوية الجمعية وعمادُها جذرُ الذاكرة، لا تتمّ إلا بما تتمّ به هويةُ الأفراد؛ سردٌ مُتّصلٌ يُمسك بأطراف الزمن آخذًا به. فكما أنّ الإنسانَ لا يتهيّأ له معنى [الأنا] إلا بما يتّصلُ في الذاكرة من صورةٍ على صورة، فمثلُه لا تنهضُ الدولةُ بمعنى الـ [نحن] إلا إذا انتظمَت في عِقد ذاكرة الأمة روايةً تصل الحاضرَ بماضٍ مُعتبَر، وتفتح منه طريقًا إلى مستقبلٍ له وجهٌ واتّجاه مَصوب. لا لمزيدٍ على أنّ الشرعية بابٌ من أبواب العلل الغائية، لا تتحصّلُ بالظفر وإنما تتأسسُ على سردٍ مشترك يراهُ الأناسيّ امتدادًا لذواتهم، صورةً لمعناهم ومَقيلاً لسجايا آمالهم في العالَم. أمّا إذا سُلِبَت ذاكرتُها، أو نُحِلَت ذاكرةً من خارِجِها، انحلّ معها عقدُ الشرعيّة، والمُعاينُ يفقهُ أنّ الخليقةَ لا يطيعون سلطانًا إلا إذا رأوه مُمثِّلًا لقصّتهم أو ما ارتأوه من مخيالها، ناهضًا من أرضهم، متولّدًا من سلالةٍ يشاركونها، أو مقصدٍ يتعارفون عليه ويُعرّفون به هويّتهم. والدولةُ التي لا تستند إلى هذا السردِ ليست دولةً، بل واقعةُ قهرٍ تتقلّبُ بأهلها حتى تفنى، إذ لا تملك من الشرعيّة إلا ما كانَ من بَدواتِ ظلٍّ لا يلزم ثباتًا.
دقائقُ النظرِ صِلةً بالمُتقدّم واتّفاقًا، أنّ الحاكمَ، أيّ حاكم، لا يملكُ على الحقيقة شرعيّةً يستمدّها من ذاته؛ إنّما شرعيّته من تصديق الجماعةِ لصورتهم فيه. وهذا التصديقُ فعلٌ من فِعال الذاكرة؛ امتدادٌ للقصّة التي تنسب الفردَ إلى ماضيه، وتنسب الحاكمَ إلى الجماعة نسبةَ الجزءِ إلى كُلّه. فإذا ما انقطعَ السردُ في مَشوفِ الحدثِ، كان ذاك انقطاعًا لتصديقٍ لا يذر بعدَه إلا السطوة، والسطوةُ، مهما اشتدّ عودُها، لا تُقيم حُكمًا، لأنّ المقايسة هنا، وهي لُبابُ العقل العملي بين ما كان وما هو كائن، تتعطّلُ مع انعدام الاعتبار لمِهاد ”ما كان“، ولا مَناص من وقوع العقل في هوى اللحظة، وهوى اللحظةِ أصلُ كل طغيان.
نصيبُ الدولةِ من الصورةِ المشوّشةِ وفيرٌ إن امتنعَ قيامُها عن عُرى الذاكرة، ومِن هذا المقام تكونُ الذاكرةُ أصلًا للشرعية من جهتين، جهةِ الماضي الذي يُسنِد الحُكم، وجهةِ المستقبل الذي يُلزم الجماعةَ بحفظ نظامها. لأنّ الشرعية لا تتوقّف عند العِلّة الفاعلةِ فقط، وهي بابٌ من أبواب العِلّة الغائية أيضًا؛ والحاكمُ الذي لا غايةَ له تُستفاد من ذاكرة الناس حاكمٌ معلَّقٌ في الهواء سَرِحٌ، لا أصل له، ولا امتداد، ولا يمكن لجماعته أن ترى فيه إلا صورة القوة، والقوةُ، وإن عظُمت لا تُقيم دولة، إنّما تبقى على حدِّ هيمنةٍ تتداعى بمجرّد أن يتغيّرَ ميزان الغلبة. وليس ببعيدٍ، إن نحن سوّينا النظر وحدّدناه، أن نُعزي فشلَ كثيرٍ من المشاريع إلى إرادتها هدمَ الذاكرة باسم القطائع التاريخية؛ إذ أحدثت الصدمةَ، وخلّفت فراغًا لا تُعرِّفهُ سِماتُ المعنى. على غمراتِ اعتبارٍ كهذا، وإذا رُدّ النظر إلى أصول هذا الكلام، وكان الفصل في الحدّ شرطًا في صحّة تصوّر الماهية، تكونُ الشرعية السياسية بذاكرتها شرطًا في صحّة [قيام] الدولة، وليست صورةً تُضاف إلى الدولة بعد قيامها؛ وسببٌ في انعقاد ”حقها“ عليه، وهيئةٌ تُعينُ القانونَ صِلةً بالإنسان كجزءٍ من الذات، لا أمرًا واردًا عليه من الخارج.
من هنا ندرك أنّ المعركةَ على الذاكرة لا تتوقّف عن كونها معركة سردٍ، هي معركةُ شرعية في أوّل مقاماتِها؛ مَن يملك الذاكرةَ يملك مادّة الزمن، ومن ملك الزمنَ ملك الصورة التي بها تُصاغ الدولة ويُولَد الاجتماع، وبها ينهضُ الإيمان السياسي، ذاك الإيمان الذي يورثُ الطاعة طاعةَ الداخل لا طاعةَ المنهور بالقهرِ.
