
في إحدى ليالي الشتاء الطويلة، كنَّا في دورةٍ مهاريةٍ نتحلَّقُ حول المدرب في برنامج الزووم، كانت ليلةً هانئةً، مفعمةً بالأُنس، حديث المدرِّب يقطر كأنَّه الشهد، الأعين تتسمر في محاجرها، الآذان تتشنَّف بحديثه الممتع، كان حديث الروح إلى الروح، افتتح شريحة جديدة في عرضه بعنوان: “لا تكن مألوفًا” فأتى بما يُعجِبُ ويُدهش، وشرَّق وغرَّب، وهو يتدفَّق كالسيل الهادر، اعتدل في جلسته، وضع يده على لحيته ومررها عليها، ثم تحدَّث عن سلاسل الأحداث:
ما الذي يحدث حين ترفرف فراشةٌ في البرازيل؟ يبدأ أهل تكساس بدخول الملاجئ هربًا من الإعصار القادم.. هذا ما تفعل سلسلة الأحداث التي تبدأ صغيرةً ثم تكبر وتكبر وتكبر!
ما الذي تغيَّر في هذا العالم نتيجة أفعال صغيرة يوميّة لا تُلحظ؟ الأمور العظام التي نعيشها اليوم كيف بدأت؟ أفعالنا إلى أي مدى تؤثر؟ وإلى كم من السنين ستبقى؟
تدخل مسجدًا في قريةٍ نائية، تنتهي من الصلاة، يلتفت الإمام ثم يأخذ كتابًا بجانبه، ويبدأ يقرأ على الحضور بعضًا مما فيه، هذا الكتاب لا يُعلم كم المرات التي قُرِئَ فيه على ظهر هذه الأرض إلا الله، قرون متطاولة وهذا الكتاب يقرأ على الناس، ويستهلُّ القارئ بقوله: قال الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه «رياض الصالحين». متى مات الإمام النووي؟ قبل قرابة ثمان مئة سنة وهذا الكتاب لم يمُت!
النووي ووالداه اللذان كانا سببًا في وجوده، ومن علَّم النووي، والذي جمع الأحاديث قبل النووي، والصحابة الذين رووا هذه الأحاديث، والنبي ‘. هذه السلسلة قبل الإمام النووي كلهم صحيفة أعمالهم تزداد يومًا بعد يومٍ بأجور تصلهم بعد مئات السنين.
الشخص الذي شجَّع النووي على كتابة رياض الصالحين، الذي نسخه، الذي باعه على دور الكتب، الذي أوقفه على المكتبات العامة، الذي تتبع المخطوطات، الذي حققها، الذي صفَّ هذا الكتاب ونسقه، الذي دققه وراجعه، الذي طبعه، الذي صوَّره ورفعه على النت، الموظف الذي قرر في الوزارة أن يُقرأ هذا الكتاب على المصلين، الشخص الذي اشتراه من المكتبة ووضعه في المسجد، كل من شارك في هذه السلسلة بأي صورةٍ كانت، كلهم، تُصبُّ في صحيفة أعمالهم حسنات لا تنتهي، وسلسلة من الأجور لا تنقطع، فضل الله واسع، وعطاؤه مدهش.
الإمام البخاري شامة الدهر، وإمام الحفاظ، وأمير المؤمنين في الحديث، لا تكاد تجد لسانًا إلا ويفترُّ بذكر اسمه، ويردد حديثًا مما رواه، وكأنِّ الزمان تقاصرت أطرافه، وطُويت آماده، حتى كأنَّه يعيش بيننا اليوم، فيعرفه الصبي الذي لم يستقم لسانه، والمرأة في خدرها، والراعي الذي يتبعُ بِغنمه شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القطرِ، كلهم يعلمون أن رجًلا اسمه البخاري اقترن اسمه بسفر الخلود مع حديث النبي ‘.
لقد دخل رجال البخاري جميعًا مختبر الأمّة، فعرفت تواريخ وفاتهم ورحلاتهم ومواليدهم وأصحابهم وأشياخهم وبلادهم، وكتبت في تدقيق هذه البيانات كتبٌ لو صفّت فوق بعضها لتجاوزت بنايةً بثلاثة طوابق! ولو مدّت على الأرض لمشيت بضعة أمتار حتى تصل آخرها! كل هذه في صحيفة أمِّه التي لا نعرف حتى اسمها، ولم يكتب عنها سوى بضعة أسطر!
وما ضرَّ أيضًا أمَّ الفتى الذي ذَرَع الشرق والغرب ليجمع ما روتْه الرواة عن رسول الله أنها لم تُعرف، وقد كانت تتحيَّن طلوع الفجر الأول لتأخذ بيده للمسجد، ثم تنتحي ناحية الطريق تسفُّها الريح تنتظر قرة عينها أحمد بن حنبل ينتهي من مجلس السماع لحديث رسول الله.
تُعلِّم طفلًا الفاتحة، فيقرؤها في فروضه سبع عشرة مرة طوال عمره، يعلمها غيره، فيقرؤها في فروضه سبع عشرة مرة طوال عمره، وسلاسل الأجور لا تنقطع، وأنهار من الحسنات لا تتوقف. أرني نصًا يكرر على ظهر هذه الأرض يوميًا مثل الفاتحة؟!
هذا المعنى هو الذي يجعل شيخًا شاب رأسه، ورقَّ عظمه يجلس عند سارية من سواري المسجد النبوي، يجهد يومه في تعليم فاتحة الكتاب وتصحيح قراءتها للمصلين، لم يتأفف من الزمن والناس، ويشكو تغيُّر المجتمع، ويندب حظَّه التعيس كما يفعل البعض.
«من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا».
أبو بكر الصديق أول الناس إسلامًا، أسلم على يديه أكثر جلسائه، منهم خمسة من العشرة المبشرين بالجنة (طلحة والزبير، وسعد وعبد الرحمن وعثمان)، كان مأْلَفًا لأدبه وعلمه وسؤدده، أنفق كل ماله على نوائب الإسلام وحوائجه، أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف درهم أنفقها كلها في سبيل الله، ويوم توفي لم يترك دينارًا ولا درهمًا.
يخيَّل إليَّ أن الإسلام شجرة عظيمة، أحد فروعها الرئيسية سيدنا أبو بكر، هذا الفرع طال وبلغ عنان السماء، وامتدَّ حتى غطَّى أكثر المعمورة، وجلّ المسلمين أتوا من هذا الفرع، وما يدريك ربما أنا وأنت في صحيفة أبي بكر!
وقفت إحدى الأخوات المشاركات معنا في الدورة تتأمل حديث النبي ‘: «عُرِضت عليَّ الأمم، فرأيتُ النبيَّ ومعه الرهط، والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيَّ ليس معه أحد» (رواه البخاري ومسلم).
فقالت: “إن هذا النبي سيأتي في صحيفته أقوام اجتهدوا في العمل لله تعالى ولم يروا نتائج عملهم، كان عزاؤهم أن هناك ممن سبقهم ممن هو أكرم على الله منهم يأتي وليس معه أحد، فهذا النبي لم يؤمن به أحد من أمته، لكن أجيال وراء أجيال، وقرون وراء قرون أسرجت خيلها، وأشعلت مصابيحها تأسيًّا بهذا النبي الذي بلغ رسالة الله دون أن يتبعه أحد”.
اللهمَّ نسألك من فضلك..

الله الله عليك أخي ماهر وهذا في ميزان حسناتك
مقالة الشهر . ما شاء الله تبارك الله