
يشهدُ العالمُ المعاصرُ تناميًّا سريعًا في قيمةِ التّخطيطِ المُستقبليِّ والرّؤيّةِ الاستراتيجيّةِ، ووجودُها سواءً على مستوى الجماعةِ دولةً كانت أو تنظيمًا أوحزبًا أو على مستوى الفردِ أمرٌ مفهومٌ، لكنَّ هذه القيمةَ تشهدُ تضحّمًا كبيرًا وخروجًا عن الحدِّ المقبولِ، حتّى أنّها في أحيانٍ كثيرةٍ تعودُ على هدفِها بالإبطالِ، وتُساهمُ في فرضِ بيئةٍ نفسيّةٍ قلقةٍ ضاغطةٍ تسحقُ الإنسانَ المُعاصرَ…
يبذلُ الإنسانُ المُعاصرُ جهدًا عقليًّا ونفسيًّا كبيرًا في إدارةِ حياتِه وخاصّةً في وضعِ خُططٍ مستقبليّةٍ، وليسَ الإشكالُ في أن يكونَ له خطّةُ أو رؤيةٌ، لكنّ الإشكالاتِ دائمًا في التّفاصيلِ، الإشكالُ في شكلِ تلك الخُطّةِ وبنائِها وفي موقعِها من نفسِه وعملِه..
“الخُطّةُ المثاليّةُ لحياتِك!”، “خطّةٌ ناجحةٌ بنسبةِ 99 في المائةِ!”، “خطّةٌ مضمونةٌ لـ…”… شعاراتٌ كثيرةٌ تنوءُ بحملِها أنفسُ الإنسانِ المُعاصرِ..
حتّى ينزعَ في تخطيطِهِ إلى شيءٍ من المِثاليّةِ وإلى الاستغراقِ النّظريِّ في الإجابةِ عن احتمالاتٍ كثيرةٍ مُشتِّتةٍ، هو يُريدُ خطّةً مضمونةَ النّجاحِ أو تكادُ تكونُ، يُريدُ لخطّتِه أن تسيرَ بسلاسةٍ في واقعٍ مركّبٍ كثيرِ التّغيّيرِ..
الخُطط تُوضعُ في الأصلِ لضمانِ سيرِ قدْرٍ دائمٍ من العملِ، أي موضوعةٌ لمقصدِ الاستمراريّةِ في العملِ والتّرفيعِ من فاعليّتِه
ونسبةِ نجاحِه، لا ضمانِ نتيجتِه، في حينِ أنَّ الخُططَ الّتي يستغرقُ فيها الإنسانُ في البحثِ في كلِّ تفاصيلها الجزئيّة وتحرّي كمالاتِها تُفضي إلى الفشلِ وتركِ العملِ.
يقولُ الشّاطبيُّ رحمَهُ اللّهُ : “كلُّ تكملةٍ فلهَا- من حيثُ هيَ تكملةٌ- شرطٌ، وهو: أنْ لا يعودَ اعتبارُها على الأصلِ بالإبطالِ، وذلك أنّ كلَّ تكملةٍ يفضِي اعتبارُها إلى رفضِ أصلِها، فلا يصحُّ اشتراطُها عند ذلك…”.
وكم من أناسٍ اليومَ، إذا استقبلوا عملًا انتدبوا له الكثيرَ من شروطِ الكمالِ والبحثِ في دقيقِ التّشقيقِ، فإمّا استغرقهم البحثُ في التّكملاتِ وعنها، ولا زال بهم يصدُّهم عن أصلِ العملِ، وإمّا تركوا العملَ اشتراطًا للتّكملاتِ إذا تخلّفت، فهذا باطلٌ اعتبارُهُ لعودِه على الأصلِ بالإبطالِ.
إنّ الخططَ المثاليّةَ أو المُقاربَةَ لها خططٌ صلبةٌ لا تتمتعُ بالقدرِ اللّازمِ من المرونةِ لذلك غالبًا ما تتحطّمُ على صخرةِ الواقعِ وتتركُ في نفوسِ أصحابِها أثرًا سلبيًّا قد لا يزولُ بسهولةٍ..
قد يبدو هذا الكلامُ للبعضِ ضربًا من المبالغةِ والتّهويلِ، ويحقُّ لهم أن يتساءلوا عن طُرقِ رصدِ قيمةِ الخطّةِ في الواقعِ النّفسيِّ لأصحابِها، أي كيف نسطيعُ أن نعرفَ هل هذه الخطّةُ داخلَ إطارِها المقبولِ أم تجاوزتْ حدَّها؟
وهذا سؤالٌ مشروعُ.
الخطيرُ بهذا الشّأنِ أنّ عمليةَ الرّصدِ الاستباقيِّ لمثلِ هذهِ الحالاتِ غيرُ ممكنةٍ، وأنّه لا يُمكنُ رصدُها إلّا أثناء التّخطيطِ والعملِ أو بعدهُ..
من أوضحِ ما يُمكنُ اعتبارهُ علامةً لذلك هو ما سبقَ ذكرُه عن اشتراطِ الكمالاتِ والمبالغةِ في التّشقيق النّظريّ، وهذا وإن كانَ كذلك نسبيًّا إلّا أنّه قابلٌ للرّصدِ، وهو أظهرُ ما يكونُ خصوصًا إذا أدى إلى تركِ العملِ وربطِه وجودًا وعدمًا بجزئياتٍ يمكنُ التعاملُ معها لاحقًا.
كثيرًا ما يظهرُ ذلك أيضا من خلالِ التّفاعلِ النّفسيِّ مع العملٍ، ويُرصدُ من خلالِ حالةِ الهلعِ والجزعِ الّتي يتعرّضُ لها الإنسانُ حينَ تتعرّضُ خطّتُه لمعوّقاتٍ وأحداثٍ مؤثّرةٍ غير متوقّعةٍ، وهنا قد يقعُ اللّبسُ في أنّ هذه الحالةَ النّفسيّةَ جاءتْ نتيجةً لضعفِ نفسيّةِ الإنسانِ وقلّةِ تجربتِه، لا واقعِ تضخيمِ قيمةِ الخطّةِ في نفسِه، وهذا يحتاجُ إلى بيانٍ، وهو أنّ ضعفَ النّفسيّةِ وقلّةَ التّجربةِ وتضخيمَ قيمةِ الخطّةِ بعضُها من بعضٍ، ذلك أنّ ضعفَ النّفسيّةِ إنّما جاءها من كسلِها وعجزِها، وإنّما العلمُ بالتّعلمُ، أي أنّ عدمَ خوضِ التّجاربِ العمليّةِ هو من أسبابِ حالةِ الجزعٍ وأنّ تحصيلَ نوعٍ من الصّلابةِ النّفسيّةِ إنّما هو من خوضِ التّجاربِ، ومن جهةٍ أخرى، فإنّ التّجاربَ هي الكاشفُ العمليُّ الحقيقيُّ لقيمةِ الخطّةِ ومدى أثرِها ولا يُمكنُ للإنسانِ أن يعرفَ قيمةَ خطّةٍ ما قبل تجربتِها..
قد يظهرُ هذا أيضا من خلالِ المواقفِ من أعمالٍ وأفعالٍ وليس بالضرورةِ من أصحابِ الخطّةِ أنفسِهم، وهو يظهرُ في حالةِ الانتقادِ الواسعِ لكلِّ عملٍ، فبعضُ النّاسِ لا يكادُ يتركُ رؤيةً أو توجّهًا إلّا انتقدهُ، ولا إشكالَ في أصلِ النّقدِ ولكن الإشكالُ في حالةِ النّقدِ مع الاسقاطِ التّامِ لكلِّ رؤيةٍ وعدمِ وجودِ أيّ رؤيةٍ بديلةٍ أو رؤيةٍ عليها انتقاداتٌ يُمكنُ إصلاحُها، وهؤلاءِ في العادةِ غالبًا ما ينتقدون الرّؤَى والأفكارَ من جهةِ افتراضِهم لمِثاليّتِها وأنّها أفكارٌ تفترضُ أنّ الواقعَ سيعملُ كما تُريدُ، بينما هم يُمارسون نوعًا من المثاليّةِ كذلِك، يُمكنُ اطلاقُ عليه عبارة “مثاليّةُ نقدُ المثاليّةِ”، هذا الإشكالُ عادةً ما يبرزُ عند أصحابِه في ثنايا قولِهم :”لستُ مُطالبًا بالحلّ! أنا أنتقدُ فقط!”، وليتهم يقولون فقط أنّهم لا يملكون حلولًا ويُقرّوا بتقصيرِهم وضعفِهم، ولكنّهم يتّسمون بشيءٍ من التّعالي المعرفيّ أنّهم غيرُ مُطالبين أساسًا بالحلِّ، وهذا فارقٌ مهمٌّ في تحديدِ هل أنّ المرءَ عندهُ انتقاداتٌ على الخططِ الموضوعةِ أم هو يتطلبُ خطّةً مثاليّةً…
الوضعُ الطّبيعيُّ للخطّةِ هو الّذي يكون في ذهنِ صاحبِها احتمالُ وقوعُ أقدارٍ غيرِ متوقّعةٍ وغيرِ مدروسةٍ يتعاملُ معها أثناءَ العملِ، نفسيّةٌ مستعدّةٌ متأهّبةٌ لصروفِ الأقدارِ، هذا الواقعُ النّفسيُّ والعمليُّ هو بيئةُ “قدر اللّهِ وما شاءَ فعلَ”، هو بيئةُ الإيمانِ بالقدرِ والإيمانِ بالغيبِ والتّواضعِ لحكمةِ اللّهِ فيه، وهو من مقتضياتِ الاستعانةِ باللّهِ وتركِ العجزٍ، أمّا التّخطيطُ المُفرطُ فهو بيئةُ “لو” وهي تفتحُ عملَ الشيطانِ وتُغلقُ عملَ الإنسانِ، تفتحُ بابَ الخصوماتِ والتّنازعِ والفشلِ وذهابِ الرّيحِ ثمَّ العجزِ والضعفِ، هو بيئةُ تطلّبِ الحكمةِ وادّعائها..
يعملُ العقلُ في الفكرةِ عملًا عظيمًا لكنّ عملَه له حدٌّ لا يتجازوهُ في المعانِي إلّا بعمل الإيمانِ، والإيمانُ يفتحُ من المعانِي ما تنغلِقُ عن العقولِ.
إذا انتفخت الفكرةُ عن حدِّ العملِ تشقّقت وذهبَ ريحُهَا.
تسعُك الفكرةُ وتتّسعُ وتجدُ فيها وُسعَك كلّما سعيتَ فيها بالعملِ، وإن ضيّقتَ بها العملَ ضاقت بك وتضيّقت عليك.اتّساعُ الفكرةِ من سعيِ العملِ.
تنمُو الفكرةُ بالعملِ أكثرَ من نُموِّها بالتّفكيرِ في إنمائِهَا، فأنمَى للفكرةِ العملُ بِها. إنّ أفضلَ خطّةٍ ممكنةٍ لا يُمكنُ تصوّرُها إلّا من خلالِ تجربةِ العملِ، أثناءَ العملِ يتعاملُ الإنسانُ مع البيئةِ الحقيقيّةِ للفعلِ ويعرفُ مكامنِ الضّعفِ والقوّةِ في الخطّةِ ويسيرُ ويُقوّمُ..
