أدب

عجائب وغرائب من الأدب الأنجليزي!

على هذه الجزيرة التي كانت تُسمى يوماً ما الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس (( والحقيقة أن الشمس لا تشرق فيها إلا نادراً )) طبائع وأمزجة تعكس مناخها وطبيعتها، فالمناخ السائد قاتم ممطر ضبابي بارد ورطب وهو ما تجده في طبيعة أهلها من برود وكتمان وميل الى العزلة. أما الطبيعة فخضراء، وهو ما يجعل أهلها لا يحبون اللون الأخضر، حتى أنك نادراً ما ترى سيارة خضراء في الشارع! ورغم أن انجلترا تشكو من طقسها السيئ، إلا أنك لن تجد أجمل منها عندما يكون الطقس مشمساً وجافاً والحرارة معتدلة بين 18-25، فعندئذ تصبح تلك الجزيرة الماطرة جنة من الجنان وهو كذلك ما ينعكس نوعاً ما على أمزجة الناس في حينها فتجدهم أكثر مرحاً. أما نحن العرب فنعد ذلك اليوم المشمس عيداً لنا.
وحتى لا نظلم البلد والناس، فإنني لم أقابل في حياتي أناساً غاية في اللطف ودماثة الأخلاق بل وحتى الكرم والشهامة كالذين قابلتهم وعملت معهم في انجلترا بل وفي عموم المملكة المتحدة. ولكن للأسف فإن الغالب على سمعة الإنجليز بين العرب عكس ذلك، وكلاهما صحيح. فالذي يأتي سائحاً أو طالباً الى المملكة المتحدة لن يعرفها كالذي عاش فيها لاجئاً ثم مواطناً. والغاية من هذا الحديث كله أن أقول أن انجلترا (أو حتى بريطانيا أو المملكة المتحدة عموماً) فيها من الغموض والضبابية ما يوحي بالجنون، وفيها كذلك من العتمة وحب العزلة ما يوحي بالكابة بل وحتى النزعة العدوانية، وفيها من الجمال والخير والإيثار ما يورث الفخر والاعتزاز.
حين كنت طالباً في قسم اللغة الانجليزية ببغداد قبل أكثر من ربع قرن، كنت أقرأ وأسمع من أساتذتي الذين درسوا في بريطانيا عن بعض الغرائب والعجائب. وكنت أقول في نفسي لعل ذلك بسبب معتقداتهم وثقافتهم. ورغم أنني لم أكن مخطئاً لأن للمعتقد ولا شك تأثيراً، لكنني لم أكن محقاً كذلك لجهلي بالطبيعة والطقس انذاك.
ونبدأ بشكسبير، الذي يحتفي به الانجليز أيما احتفاء، خصوصاً مسرحياته الشهيرة. تلك المسرحيات التي أصبحت اليوم عالمية في شهرتها، لم يكن شكسبير يلقي لها بالاً .. حتى إنه لم يذكرها في وصيته الطويلة التي حصر فيها ممتلكاته وإرثه لدرجة إنه ذكر السرير والمخدة المفضلة لديه، ومع هذا لم يأت على ذكر أي من مسرحياته وأعماله ولم يهتم بطباعتها. وعندما كانت مسرحياته تعرض في حياته كان الممثلون يغيرون فيها فيزيدون ويحذفون منها دون الرجوع الى شكسبير الذي لم يعترض أبداً. مات شكسبير عام 1616 دون أن يعير أي اهتمام لأعماله من بعده. وفي عام 1623 قام اثنان من أصدقائه بحصر أعماله وحفظها ونشرها.
لكن شكسبير كان خائفاً قبل موته من سرقة جمجمته .. وله الحق في ذلك لأن سرقة رؤوس المشاهير كانت أمراً شائعاً في انجلترا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكانت الرؤوس تسرق وتباع بغية تشريحها لمعرفة سبب نبوغ صاحب الرأس. ولهذا كتب بيتين من الشعر كتعويذة لحماية رأسه من السرقة وهما:

Good friend for Jesus sake forbear,

 To dig the dust enclosed here.

 Blessed be the man that spares these stones,

 And cursed be he that moves my bones.

 أقسمتُ يا صاح أن تمتنع

عن نبش قبري وان ترتدع

أباركُ من زارني بسلام

وألعنُ من مس هذي العظام

لكن هذي التعويذة الشعرية لم تنفعه بشيء، فقد تسلل أحدهم الى قبر شكسبير بعد موته وقام بنبش القبر وسرقة رأس الشاعر. 
أما جون ملتون (1608-1674) صاحب القصيدة الملحمية الطويلة والشهيرة المسماة “الفردوس المفقود” وأبرز شعراء ما يسمى بالبيورتان او الطائفة التطهيرية، وهي طائفة بروتستانتية متشددة، فإنه بعد أن أصيب بالعمى في سن الأربعين، بدأ يردد بأن الإله اختاره وان الشعر يأتيه كالوحي الالهي. كان يجلس في غرفته المظلمة الباردة وحيداً.. يهمس ويتمتم بالكلمات كالمجنون، يرددها كي لا ينساها .. وحين يسمع وقع أقدام إحدى بناته كان يصرخ منادياً لها كي تأتي لتدون الأبيات. والحقيقة أن قصيدة ملتون الملحمية تمجد الشيطان وتقف في صفه لدرجة أن الشاعر وليام بليك قال بأن ملتون كان يخدم الشيطان دون أن يدري.
وهذا الأخير، وأقصد وليام بليك (1757-1827) هو أحد شعراء المدرسة الرومانتيكية. كان يدعي أنه يرى الملائكة ويكلمهم. وكان يخرج الى الشارع عارياً لأنه كان يظن أن الملابس تستره فتحجبه عن الملائكة. ورغم هلاوسه هذه، فإن ما يزال يحسب له بيته الشهير الذي دافع فيه عن حقوق الحيوان:
A robin redbreast in a cage / Puts all heaven in a rage
تضج السماوات بالغيظ إن / حبستَ عندليباً في سجن
ومن الشعراء المجانين جون كيتس الذي كان يكلم الموتى في قبورهم، حيث كان مولعاً بالمشي في الليل بين القبور وكان يعتبر ذلك مصدر إلهام له، وكان يتكلم مع الموتى ويتخيل أنهم يردون عليه. اما ولعه بالموت فربما كان بسبب كثرة الأمراض التي أصيب بها كالتيفوئيد وذات الرئة وغيرهما.. حتى أنه كان يراسل أصحابه وأقاربه مستخدماً “ضمير الميت” وكأنه يخاطبهم من عالم الاموات! ومع ذلك فإن أجمل قصائده وأشهرها كان قد كتبها في فترات مرضه.
ومن كيتس الى شاعر البلاط في العصر الفكتوري وهو اللورد تينيسون. كان تينيسون مهووساً بالتفاصيل .. خصوصاً ما يتعلق منها بالذكريات، وبعد وفاة صديقه هالام قضى من عمره 17 عاماً يكتب مرثيته الشهيرة  In Memoriam في هالام هذا. وكان عنده فوبيا (رهاب) البحر ورغم ذلك كان يجلس لساعات يتأمل امواج البحر وهي ترتطم بالصخور. وكغيره من أغلب الشعراء الانجليز، أتقن تينيسون فن العزلة والتعامل اليومي مع الموت. ومن أغرب عاداته أنه كان يخرج في الليل الى الخواء حيث كان يتجول وحيداً. 
وعندما منعت كامبريدج اقتناء الكلاب في حرمها الجامعي قام شاعر اخر وهو اللورد بايرون باقتناء دب! وكان يهوى الكتابة وهو واقف على رأسه، لا على قدميه، لاعتقاده ان ذلك يعزز الاستلهام للكتابة!
وشيلي (شاعر اخر)  كان يرى أن الملابس الثقيلة والمعاطف تسلب الطاقة الإيجابية من الانسان ولهذا كان لا يرتدي منها شيئا حتى في البرد وهو ما عجل بوفاته بعد إصابته بأمراض البرد المزمنة!
أما الشاعر كوليريدج، فإنه ادعى أن قصيدته Kubla Khan جائت اليه في المنام على هيئة أفيون. كوليردج كان يفرط في تعاطي الأفيون. أما قصيدته المذكورة انفاً فإنه لم يكملها والسبب أنه عندما كان منهمكاً في كتابتها قطع حبل إلهامه صوت طرق على الباب. وظل كوليردج بعد ذلك حاقداً على ذلك الطارق الذي منعه للأبد من إكمال قصيدته.   
دي اتش لورينس كان يحب تسلق أشجار التوت عارياً تماماً كي يتحد مع الطبيعة كما كان يظن، وكان يكتب أشعاره وهو على الشجرة.
ايديث سيتويل كانت تحتفظ بتابوت في غرفتها، وكانت تستلقي فيه كلما أرادت أن تستحضر الالهام للكتابة!
الروائي الشهير تشارلز ديكينز كان يحتفظ ببوصلة في جيبه، لأنه كان يعتقد أنه لا بد أن يكون رأسه متجهاً ناحية الشمال عند نومه لأن ذلك يعزز قدراته الإبداعية في الكتابة. 
وعلى أي حال، فإن الشعراء الانجليز كغيرهم من المبدعين في كل مكان وزمان، يحتفظون لأنفسهم بطقوس خاصة كالتدخين وشرب القهوة والشاي بشراهة وغير ذلك. لكن ما يميز الشعراء الانجليز هو ارتباطهم الوثيق بالطبيعة المميزة لأرضهم. لذا ترى أكثرهم يشتركون في صفات كالعزلة وحب المشي لمسافات طويلة في الطبيعة (خصوصاً في الليل) والألفة مع ما يستوحشه الناس في العادة كالظلمة والعزلة بل وحتى استحسان بعض الامور الغريبة الاخرى كرائحة العفن في البيوت، والتي تأتي غالبا من الرطوبة وغياب الشمس وانعدام التهوية لفترات طويلة بسبب ترك الشبابيك مغلقة. فقد كان إدغار الين بو، على سبيل المثال، يحتفظ بالتفاح الفاسد في أحد أدراج مكتبه لاعتقاده بأن رائحة العفن تحفز القدرات الإبداعية في الدماغ!
وهنا تبدو لنا صورتان عن انجلترا: صورة السائح حيث المتاحف والحدائق والمطاعم والاماكن الشهيرة كساحة الطرف الأغر ومبنى مجلس العموم وساعة بيغ بن وماركات الملابس والعطور الفاخرة وغيرها. اما الصورة الأخرى فهي انجلترا بمساحاتها الخضراء وغيومها السوداء القاتمة وطقسها الماطر وجوها الرطب البارد. انجلترا التي يصوم فيها المسلم في الصيف 19 ساعة وفي الشتاء 9 ساعات فقط. انجلترا بحياتها الروتينية الرتيبة حيث الناس يقفون في الطوابير عند محطة الباص بل وفي كل مكان .. فالناس فيها يحبون النظام والروتين والرتابة. وحتى المطبخ الانجليزي رتيب يخلو من التنوع على عكس جيرانهم الفرنسيين. ومع هذا فإنك إن عشت في انجلترا لاكثر من عقد ستدرك انك أنت كذلك أصبحت تحب الروتين وبدأت تألف خبزهم الساخن وحليبهم الطازج في الصباح. وشيئا فشيئا تدرك أنك أنت أيضا أصبحت تحب الشاي الانجليزي بالحليب وبين فترة وأخرى تقود سيارتك بفرح الى ويتبي لتأكل السمك المقلي مع البطاطا على الغداء .. وليت شعري كيف تشعر عندئذ وانت تحس أنك في داخلك اصبحت انجليزيا بينما في الحقيقة ما يزال لونك الأسمر وملامحك العربية وانعكاسهما في أعين الانجليز وردود أفعالهم يرسم صورة ثالثة الى يومنا هذا لم اجد لها بروازاً مناسباً.

د.أحمد خليل البحر

الدكتور أحمد خليل البحر، أستاذٌ جامعيٌّ عراقي، يعمل أستاذًا مشاركًا في قسم اللسانيات وعلم اللغة بجامعة يورك، بالمملكة المتَّحدة، متخصصٌ في الأدبِ العربي، ومهتمٌّ بترجمةِ ما تُسْتعصى ترجمته translating untranstable مثل النُّصوص الدِّينية والشِّعرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى