أدب

هوامش على دفتر القراءة

الحبرُ لا يجري عبثًا؛ والحبر الذي لا يطرقُ القلب، ولا يُحدِث أثرًا، ولا يثير قلقًا، لا يستحقُّ أن يُسكَب. والكتبُ التي تنتظرُ على الرفوف لا تفعل ذلك خمولًا ولا عبثًا؛ إنها تُدرك بطريقتها الغامضة أنَّ لحظة الولادة القرائية لم تحن بعد. فللكتبِ أعمارها، كما للنّاس آجالهم. وقد قالوا: «الكتابُ خيرُ جليس»، ولم يقولوا: متى يُجالَس. فمجالسةُ الكتاب ليست في كل حين؛ إنما تكون حين تأذن النفس، وتنشقّ لها لحظة صدق، وتتهيأ للقبول.

قد تقتني كتابًا في القاهرةِ، من بائعةٍ مسِنَّة في زقاقٍ خافت، ثمَّ تحمله معكَ من دارٍ إلى دار، ومن مدينةٍ إلى غُرْبَة، فلا تفتحه، حتى يأتيك أوانٌ تُشرقُ فيه معانيه كما لو أنها كُتبت لكَ دونَ سواك، تضعه في مكتبتكَ الصَّغيرة، تراه كل يومٍ ولا تراه، ساكنًا في المكان، مؤجَّلًا في الوعي، حتى تتهيأ النفس، ويستوي القبول، فيُفتح على حينِ اكتمال.

لكن، ما القراءة التي تستحقُّ العناء؟

إنها ليست حشوًا للذَّاكرة، ولا عدًّا للصَّفحات، وإنما هي صيرورةٌ للذِّهن، وارتقاءٌ للعقل، وترقيةٌ للمفاهيم، ومن لم يخرج من الكتاب بعينٍ ثالثةٍ ترى، وعقلٍ آخر يزن، فهو ممن قال فيهم الأسلاف: “علمُه أكثر من عقله”. القراءةُ الحقَّة هي ما تُقيم الفكر، وتُعين على بناءِ المنهج، ثمَّ تدفع بصاحبها إلى الاستقلال والنَّقد، ليقرأ متكئًا على ميزانٍ ذاتي، يزن به الصَّواب والخطأ، فيأخذ من كلِّ كتابٍ زُبدته، ويتقي ما فيه من غوائل.

❃❃❃

على دفتر القراءة 2 هوامش على دفتر القراءة

ولمَّا ضاقَ الوقت، واشتدَّ الترحال، وجدتني أقرأ الكتب الإلكترونية، وتماهيتُ معها حتى لم أعد أرى بأسًا في مساسِ الشَّاشة عوضًا عن تقليبِ الصَّفحات، لا أُحبُّ المبالغات في معارك الورقي والإلكتروني، فليسَ في أيدينا ترفُ المفاضلة، نقرأ بما تيسَّر، والقراءة – كيفما اتفقت – خيرٌ من تيهِ الفراغ.

ولا بأس إن قلتُ: الكتاب الورقي شيءٌ آخر، له رائحةُ المطر، وبهجةُ المولود الجديد، ولهفةُ القادم من سفر. لحظة اقتنائه طقسٌ، وفضُّ غلافه عيد، والكتابة في هامشه صحبةٌ لا تشيخ، وكل كتابٍ يدخل مكتبتكَ كأنه ضيفٌ عزيز، له مكانته وهيبته، بل لا مبالغة إن قلت: له نصيبه من الحب.

❃❃❃

فيما درَجَ من الأيَّام، تركتُ ورائي مكتبة عظيمة، شيدتها كتابًا كتابًا، انتقيتها من أماكنَ شتى، رعيتها برمشِ العين، وهي – لعمري – مما تبذلُ في مثلها الرَّغائب، وقد نزلَ بنا حدُّ الفراق = فتركتها، كانَ قدري العيش في وطيَّةٍ بعيدة، ودار متراخية، لتبقىٰ وحيدة تعاني وحشة السُّكون، وتعالجُ وقْع الغبار، وسوء الحال، وتبكي رفيقها الذي أحبها وأحبته، فكأنما قُدَّا من أديمٍ واحد. ولعل الله أراد أن تظل هناك شاهدةً على زمنٍ من النُّور، تُحدِّثُ من جاءَ بعدها: كان هنا رجلٌ يحبُّ الكتب أكثر مما يحبُّ نفسه.

❃❃❃

ومن يسأل: من أين أبدأ معانقة الكتاب؟

قلتُ: ابدأ من الطنطاوي، من عليٍّ الذي نَثَرَ قلبه على الورق، وكَتَبَ كما يتنفسُّ الطُّهرُ بين السَّطور، هو رجلٌ إذا كتَبَ، أحيا، وإذا حَكى، نفخَ في الكلمةِ روحًا، حتى كأنها تمشي بينَ النَّاس حيّةً تتنفس، عقلٌ منضَّدٌ كالمكتبة، وقلبٌ يقطر حكمةً وأدبًا، وقلمٌ ماتعٌ ما خطَّ حرفًا إلا وكان له في النُّفوس موطئ، وفي الضَّمائر جرس، كأنما أُوتي البيان من أطرافه، فامتزج فيه لطفُ الشَّام، وعنفوانُ الحق، ونقاءُ السَّريرة، يكتبُ ليُقال بعدها: هذا صوتُ العقل إذا صفا، وصدى القلب إذا صَدَق.

كنتُ قد ناولتُ أحدهم كتابًا من كتبه، بعدما راحَ يشكو قسوة البداية، وكثرة الأعذار، وما إن مضت شهور، إلا وقد التهم الطنطاوي كلَّه، وتفتَّحت في روحه أبوابٌ كانت مغلقة،

ولقد رأيته بعد تصرُّمِ الأعوام، قارئًا يعالجُ همَّ القراءة، وقلق المعرفة! وأذكر أني رأيته بعدها يحمل بين يديه «وحي الرَّافعي»، و «ديوانُ البردوني»، و«رسالة شاكر»، و «موسمُ الهجرة إلىٰ الشمال»، فسألته: متى ألقاك؟

 قال: دعني أُنهي اللقاء مع هؤلاء، ثمَّ آتيك.

قلت: رضي الله عن الطَّنطاوي!

قال: وأرضاك.

❃❃❃

لقد فهم الجاحظ سرَّ القراءة منذُ قرون، حين رأى أنَّ الكتاب أصدق أنباء من اللقاء، وأنَّ الجدل يُعكر صفو الفكر، ويغري بالمباهاة، ويستدعي حُمّى الغلبة، بينما الكتاب لا يغضب، ولا يُقاطع، ولا يَمنُّ، بل يُؤنس بلا تكلف، ويُعلِّم بلا مِنَّة، وإذا جلس القارئ إليه، لم يُرِد به إلا وجهَ العلم، وأحسن ما فيه، أنَّ الكاتب فيه غائب، فلا أنفة، ولا رياء، ولا استحياء. ففي غياب المؤلف، يحضر المعنى، وفي صمت الورق، يولد الفكر.

❃❃❃

على دفتر القراءة هوامش على دفتر القراءة

وإنما ندرك قَدْر القراءة حين نرى أثر غيابها، 

في زمنٍ مضى، جلستُ بجوار شابٍّ أنيق في حافلةٍ متجهةٍ إلى العاصمة، لمحَ الكتاب في يدي، فسألني عن مضمونه. شرحتُ له قليلاً، ثم قال فجأة: “ارفع صوتك بالقراءة لأسمع معك!”. استغربتُ طلبه، فقلتُ له: “لم أتعود القراءة بصوت مرتفع، خذ الكتاب واقرأ فيه”.

انتفض الشَّاب، وأشاح بوجهه، طويتُ الكتاب وبدأتُ أثرثر معه حتى وصلنا، ثم لقيته بعد أيام في مستشفى الثورة بصنعاء، مضطربًا ملتاعًا، وبجواره ممرض يشير إلى ورقة في يده ويقول بحدّة: “يا ابني، اسمك مكتوب هنا، فكيف أخذتَ ورقة أخرى وجئتَ بعلاجٍ مختلف؟” ظلّ صاحبي صامتًا، يتلفّت، ويتدثّر بأعذارٍ واهية، فازداد الممرض غيظًا. سألتُه عن الأمر، فأنكر كل شيء كأنَّ شيئًا لم يكن، ثم استأذن وانصرف. لم أره بعد تلك الأيام، وبقيت تصرّفاته الغريبة لغزًا لا أجد له تفسيرًا.

حتى قرأتُ بعد سنوات رواية القارئ لبرنهارد شلينك، فانكشف الجواب دفعةً واحدة. أدركتُ أنَّ صاحبي كان يخشى أن ينكشفَ أمامي أميًّا لا يُحسنُ القراءة؛ لذلكَ وجَمَ في الحافلة حين امتنعتُ عن القراءةِ جهرًا، وآثر الصَّمت في المستشفى على أن يستعين بي، فرارًا من لحظة انفضاحٍ لا تُحتمل.

وهكذا صنعت «هانا شميتز» في الرواية؛ آثرت السِّجن على انكشافِ السِّر، وقدَّمت إحساسها بذاتها على حريتها، فقبلت أن تُدان بجريمة لم تقترفها، حتى لا يُفتضح سرّها: أنها لا تجيد القراءة والكتابة!

وليس هذا الخوف طارئًا في طبائعِ البشر؛ فقد ذُكِرَ أنَّ الأمير عمر بن هبيرة كانَ أميًّا، لا يقرأ ولا يكتب، وكان إذا أتاه كتاب فتحه ونظر فيه نظر من يقرأ، فإذا نهض من مجلسه حُمِلَتِ الكُتبُ معه، ثم يدعو جارية كاتبةً فتقرأها عليه، فيأمرها بما يشاء فتوقِّع وتُخرج الكتاب. حتى كُشف أمره يوم دُفِعَ إليه كتابٌ مقلوب، فأخذه كما هو، فعُرِفَ سرُّه. وذلك خوفٌ مركوز في أعماق النفس؛ أن يُكشَف المستور، وأن يسقط ستر الادّعاء دفعةً واحدة. فيتشبّث المرء بصورة العارف اتقاءً لذلّ الانفضاح، ويُحسن التظاهر صيانةً لكرامته، لأن الجهل إذا انكشف يوقعُ صاحبه في مهانةٍ لا تُحتمل.

وهذا يذكرني بحالٍ مضى، ويفسِّرُ موقفي عندما رأيتني أدفع ثمن شيءٍ لم أقمْ به، لأحفظَ صورتي أمام رجل تركيٍّ صرخَ في وجهي سائلًا، فأجبته بأول كلمةٍ حفظتها: (Evet) أي (نعم)، وكأني فهمتُ ما قال. وكانت (Evet) تعني لي حفظ ماء الوجه، وخسارة مادية هانت لدي في سبيل إحساسي بنفسي في ذلكَ الموقف.

يوقنُ الإنسان في أعماقه أنَّ الجهل عورة، والأمية عمًى، والقراءة كرامة مهيبة، لا يراها إلا المحروم منها. هَبْ أنكَ استيقظتَ فجرًا، والكلماتُ طلاسم، والحروفُ أصفاد، لا تدرك منها شيئًا… عندها فقط تدرك معنى أن تكون قارئًا، مستيقظًا، مبصرًا.

وكما أنَّ الصَّحة “تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى”، كما تقول الحِكَم الغابرة، فكذلك القراءة تاجٌ على رؤوس القادرين، لا يراه إلا من نُزع منه، وإذا قرأتَ لوحة كُتب عليها “محو الأمية”، فاقرأها على حقيقتها: محو العمى، وبذلك، تعلم كيف تُكرِّس النُّظم المستبدة الأمية؛ لأنَّ الشُّعوب التي تقرأ، شعوبٌ يصعبُ قيادها إلى الذُّل.

❃❃❃

وللقول تمامٌ يغنيه: اقرأ، ولو على ضوء شمعة، ولو في قطارٍ مزدحم، ولو في ركنٍ ضيّق من دارٍ متصدّعة، فإن أعظم ما يُهدى إليك في هذا العالم الموحش، أن يُؤذن لك بمصافحة كتاب؛ فيه من الحكمة ما يُنير، ومن الصمت ما يُطهّر، ومن النور ما يُغنيك عن ألف صاحب.

أخيرًا:

الكتاب هبة الله للخلق، والقراءة نجاة، وصورةٌ من صور التَّكوين الباطني، الذي لا تراه العيون، ولكنه وحده من يعيد صياغة الإنسان حين تتكالب عليه الأيَّام.

الكتاب، يا صاحبي، لا يُشبه شيئًا…

هو سفرٌ في الزَّمن، ومِرقاةٌ للعقل، ومحرابٌ لمن ضاقت به الحياة، وما بين رفٍّ ورفٍّ، تتشكَّلُ الأرواح، وتُبنى الأمم.

وما من أمةٍ هجرت القراءة، إلا كتبتْ على نفسها ليلًا طويلًا، لا يُبدّده الفجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى