
ليست أزمة اليمن في أنه بلد متنوع، ولا في أن أبناءه يختلفون في مشاربهم وطُرائق تفكيرهم. هذه حقائق يمكن لأي مجتمع أن يحملها ويستمر رغمها. أزمته أن هذا التنوع أُدير طويلًا بمنطق التعبئة لا بمنطق التنظيم، وبمنطق الغلبة لا بمنطق المنفعة. ومنذ عقود، ظل اليمن يُستهلك بوصفه ساحةً لإثبات الشرعيات، لا بوصفه فضاءً لإنتاج الثروة، وربط المصالح، وتوزيع المكاسب بين أطرافه المختلفة.
لماذا بقيت البلاد تدور في الحلقة نفسها رغم تغير الرايات والخطابات والتحالفات؟ منذ 1962 لم يُحسم الخلاف اليمني حول شكل الدولة فقط، بل جرى تحويله إلى معركة مفتوحة على معنى اليمن نفسه: من يملك تمثيله، ومن يملك روايته، ومن يملك حق الحديث باسمه. ومع كل مرحلة جديدة، كانت اللغة السياسية ترتفع وتتوتر، بينما بقي الحديث الاقتصادي شبه غائب، إلا من تقارير المنظمات الإغاثية في بلد يتهدد أبنائه الجوع والجفاف. كان النقاش يحتدم حول الجمهورية والوحدة والهوية والشرعية والسيادة، فيما ظلت الأسئلة الأبسط والأهم غائبة: كيف سيعيش الناس؟ وكيف يمكن بناء اقتصاد وطني يُشبع اليمنيين، ويجنبهم الاقتتال على الموارد، ويساعدهم على تجاوز انقساماتهم؟
ذلك هو تأثير الأيديولوجيات الذي أفسد السياسة والاقتصاد، والحاكم والمحكوم. حين تُطلب الدولة بوصفها رايةً يجب الدفاع عنها، لا جهازًا يجب أن يعمل، تصبح المؤسسات أدوات تعبئة لا أدوات تنظيم. وحين يصبح نظام الحكم وماهيته غاية يُحشد من أجلها، تتحول حياة الناس ومعاشهم بطبيعة الحال إلى وسيلة تُسحق وتُستهلك في سبيل تلك الغاية. عندها تُقاس القوة بالقدرة على الحشد في الجبهات والميادين، لا بالقدرة على الإدارة والتنظيم، ويصبح العنف وسيلة تعبير منطقية ومقبولة. والمشكلة في هذا الصراع الأيديولوجي أنه ليس صراعًا على من يدير المصلحة العامة، بل على من يحتكر تعريفها، ولو انهارت في سبيل ذلك كل أشكال المصلحة العامة.
لم تكن الأيديولوجيا في اليمن مجرد أفكار متنافسة، بل آلية حكم غير مباشرة. فقد أُشغل اليمنيون طويلًا بمعارك المعنى الكبرى: الجمهورية في مواجهة الإمامة، والوحدة في مواجهة الانفصال، والهوية الدينية في مواجهة الوطنية المدنية، والتحرر السياسي في مواجهة الاستقرار السلطوي. لكن هذه الثنائيات لم تُنتج تصورًا مستقرًا لكيفية تحويل موقع اليمن وموارده وسكانه إلى قيمة اقتصادية مستدامة. كانت تنتج اصطفافًا، وتنتج ولاءات، وتنتج خصومات، لكنها لا تنتج حلولًا عملية. فلا هي مكّنت فصيلًا من إنهاء الآخر وبسط تصوره، ولا قدّم أيٌّ منها نموذجًا تنمويًا ومعاشيًا في المناطق الخاضعة لسيطرته يبعث على الأمل، فضلًا عن الإعجاب.
كل طرف من المكونات السياسية رفع خطابًا يتجاوز الواقع: مقارعة القوى الإمبريالية، تحكيم الشريعة، صناعة المواطن الديمقراطي الحديث، والدولة المدنية الاستثنائية. لكن الجميع عاد في النهاية ليعيش على الموارد المحدودة نفسها، ويقاتل على الجغرافيا نفسها، ويستنزف المجتمع نفسه. لم تستطع الأيديولوجيات المختلفة أن تلغي حاجة الجبل إلى الساحل، ولا حاجة الساحل إلى الداخل، ولا حاجة المجال الصحراوي إلى مراكز الاستهلاك والنقل والتمويل. لكنها نجحت في حجب هذه الحقيقة البسيطة خلف شحن عاطفي مستمر، لأن الاعتراف بها يقود مباشرة إلى نتيجة لا تخدم القوى المستفيدة من الانقسام: أن اليمن لا يُحكم بالغلبة، بل بتنظيم الاعتماد المتبادل بين أجزائه.
لهذا لم تعد المشكلة اليوم في وجود الانقسام بل في القدرة التي وصل إليها أمراء الحرب ومن يدور في فلكهم على تشتيت الناس عن حاجاتهم الإنسانية بأهداف وهمية لا يمكن تحقيقها. فالقلة التي تعتاش من الحرب لا تحتاج إلى مجتمع منشغل بسعر النقل، وكلفة الماء، وفرص العمل، والتجارة، بل تحتاج إلى مجتمع مشحون بخوف وشعور دائمين بأن المعركة الوجودية لم تُحسم بعد: مستمرون حتى تحرير صنعاء، ومستمرون حتى تحرير القدس، ومستمرون حتى تحرير الجنوب. ذلك أن المجتمع الذي يسأل عن الطريق والراتب أخطر على أمراء الحرب من بعضهم على بعض، وأن المجتمع الذي يصرخ بالشعار هو وقود تلك الحرب ومادتها الخام.
ومن ثم فإن مدخل الخروج من الأزمة لا يكمن في إحياء خطاب سياسي جديد بقدر ما يبدأ بتغيير السؤال من : أيّ من هذه المشاريع هو الأفضل لليمنيين؟ إلى: أي صيغة ستجعل اليمنيين أقل قابلية للاصطفاف خلف الشعارات، وأكثر قدرة على الربح من بعضهم؟ وما لم يُطرح هذا السؤال بجدية، سيبقى اليمن ينتقل من تعبئة إلى أخرى، ومن جبهة إلى أخرى، ومن راية إلى أخرى، فيما تظل بنيته الاقتصادية مفككة، وتظل أجزاؤه ترى في الاتصال عبئًا أكثر مما ترى فيه مصلحة.

لماذا صار اليمن مرعى للأيديولوجيا؟
لم يكن اليمن مرعى للأيديولوجيا لأن المجتمع مولع بها بطبعه، بل لأن المجال السياسي الذي تشكل بعد سقوط الإمامة وقيام الجمهورية احتاج، منذ البداية، إلى لغة تبرر الحكم وتمنح الفاعلين السياسيين حق الكلام باسم الجماعة. فالسلطة التي لا تستند إلى الشرعية التقليدية الموروثة تحتاج إلى تبرير آخر: اسم كبير، وقضية كبرى، ورواية تقول للناس من نحن، ولماذا نحن الأحق، ولماذا الخصم خطر يجب الوقوف ضده. وهنا تظهر الأيديولوجيا بوصفها أداة جاهزة تمنح الشرعية لمن يطلبها، لا لأنها أصدق من الواقع، بل لأنها أصلح للحشد داخل واقع مضطرب. وهذا استنتاج معقول من الفارق بين الشرعية التقليدية من جهة، وأنماط الشرعية الحديثة التي تحتاج إلى قبول وتبرير وتعبئة من جهة أخرى.
ولهذا لا تُقاس الأيديولوجيا بقيمتها المعرفية بقدر ما تُقاس بقيمتها السياسية. فهي لا تعطي فهمًا عميقًا للحياة بقدر ما تعطي تفسيرًا سريعًا ومريحًا وقابلًا للتكرار. تختصر الواقع في ثنائيات واضحة، وترد التعقيد إلى معسكرين، وتمنح أتباعها شعورًا بأنهم لا يعيشون أزمة عادية بل معركة ذات معنى. بهذه الطريقة تصبح الأيديولوجيا نافعة جدًا لمن يريد التجنيد والاصطفاف، حتى لو كانت ضعيفة جدًا في فهم المجتمع كما هو أو في إدارة بلد كما ينبغي. فوظيفتها الأولى أن تجمع الأنصار وتثبت الهوية وتبسط العالم، لا أن تشرح الواقع في طبقاته المعقدة.
وفي بيئة مثل اليمن، حيث تنازعت القوى منذ وقت مبكر على الشرعية والتمثيل والمعنى، أصبحت الأيديولوجيا رافعة مثالية للأفراد والجماعات. فهي تمنح الفاعل السياسي حجمًا أكبر من قدرته الفعلية، لأنه لا يعود يتكلم باسم مصلحة محددة أو برنامج محدود، بل باسم الجمهورية، أو الثورة، أو الأمة، أو الدين، أو الوحدة، أو التحرر. وهكذا تغدو الأيديولوجيا وسيلة رخيصة وفعالة في الوقت نفسه: رخيصة لأنها لا تتطلب برنامجًا اقتصاديًا متماسكًا، وفعالة لأنها تمنح صاحبها لغة جاهزة للعدو، والحليف، والجمهور، والمعركة. ولهذا تنتشر بسهولة في البيئات التي لم تستقر فيها قواعد التنافس، ولم تُحسم فيها مصادر الشرعية، ولم تتحول السياسة فيها إلى إدارة مصالح بقدر ما بقيت صراعًا على تعريف الكيان نفسه.
ومع الزمن لا تبقى الأيديولوجيا مجرد أداة انتخابية أو دعائية، بل تبدأ بإعادة تشكيل طريقة التفكير السياسي ذاتها. فبدل أن يُقرأ البلد بوصفه مجتمعًا متنوعًا يحتاج إلى إدارة، يُقرأ بوصفه جمهورًا يجب تعبئته. وبدل أن تُرى السياسة باعتبارها فن تنظيم المصالح، تُرى باعتبارها فن تثبيت الرواية الصحيحة وكسب المعركة الرمزية. وعند هذه النقطة يتراجع السؤال العملي، ويتقدم السؤال التعبوي؛ لا لأن الناس لا يحتاجون الأول، بل لأن الثاني أنفع لمن يريد النفوذ السريع. ولهذا تكون الأيديولوجيا قوية في لحظة الاصطفاف، حتى لو كانت فقيرة جدًا في لحظة الإدارة.
ولا يقف الأمر عند السياسيين وحدهم، فالأيديولوجيا في الجمهوريات لا تُستهلك فقط، بل تُنتَج أيضًا على أيدي مثقفيها. ولهذا ترى كثيرًا من هؤلاء لا يشتغلون على تفسير الواقع بقدر ما يشتغلون على تبسيطه وتسطيحه، ثم إعادة صبه في قوالب عاطفية جاهزة تصلح للحشد والاصطفاف. فهم يضفون على الشعارات مظهر العمق، بينما يعيدون في الحقيقة إنتاج أكثر صورها خفةً واختزالًا. ومن هنا امتلأ اليمن بهذا النوع من الأصوات التي ترفع حرارة الخطاب أكثر مما ترفع مستوى الفهم، وتغذي الانقسام بدل أن تكشف بنيته، وتمنح الصراع قاموسه اليومي الذي يبقيه حيًا في الوعي العام. ولهذا لا تبدو كثافة هذه الأصوات في اليمن أمرًا عارضًا، بل نتيجة طبيعية لبيئة سياسية ما تزال تحتاج إلى الأيديولوجيا لكي تبرر نفسها، وتحتاج إلى مثقفيها لكي يعيدوا تسويقها باستمرار.

لماذا فشلت الأيديولوجيا في اليمن؟
لم تفشل الأيديولوجيا في اليمن لأنها كانت ضعيفة التأثير، بل لأنها كانت شديدة التأثير في الاتجاه الخطأ. فقد نجحت في تعبئة الناس، وفي منح الصراع لغة كبرى ومعنى يتجاوز المصالح المباشرة، لكنها لم تنجح في بناء إطار مستقر يدير المجتمع والاقتصاد والدولة. كانت فعالة في التحشيد، عاجزة في التشييد. ولهذا ظلت قادرة على إنتاج المقاتل، لا على إنتاج السوق، وقادرة على تأمين الولاء، لا على تأمين الاستقرار. ويزيد الأمر تعقيدًا أن معظمها أيديولوجيات مستوردة، تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية إلى ما فوقها أو ما دونها، ولهذا جاءت منذ لحظتها الأولى متخمة بالشعارات البراقة عن الوحدة العربية والإسلامية والتحرر، لكنها افتقرت دائمًا إلى برامج اقتصادية إصلاحية جدية، لأن الحيز الوطني لم يكن فيها إلا قطعة داخل سردية أكبر.
والمشكلة هنا ليست في وجود الأفكار أو الهويات أو المرجعيات السياسية والدينية بحد ذاتها. كل المجتمعات تحمل سرديات كبرى تتعلق بالشرعية والعدالة والهوية والتاريخ. لكن هذه السرديات تتحول إلى عبء حين تصبح بديلًا عن الاقتصاد، وحين يُطلب منها أن تؤدي وظيفة لا تستطيع أداءها: أن توحد مجتمعًا متنوعًا من دون أن تُنشئ بين أجزائه مصالح متبادلة. فاليمن لم يكن في أي مرحلة كتلة بسيطة يمكن جمعها بخطاب واحد، لأنه بلد متعدد جغرافيًا واجتماعيًا وتاريخيًا. ولذلك كان تحويله إلى ساحة صراع أيديولوجي دائم يعني، عمليًا، تحويل هذا التعدد إلى مادة تعبئة، لا إلى أساس لتبادل المنفعة.
ويعود فشل الأيديولوجيا في اليمن إلى أنها قدمت تعريفات متعالية للصراع، بينما كانت البلاد تحتاج إلى تعريف عملي له. فبدل أن يُطرح السؤال بوصفه كيف تُدار الموارد، وكيف تُربط المناطق، وكيف تُبنى السوق، جرى طرحه بوصفه من يملك اليمن أخلاقيًا وتاريخيًا ورمزيًا. وبهذا انتقل التنافس من مستوى الإدارة إلى مستوى الادعاء الكلي. كل طرف لم يرد أن يحكم جزءًا من الواقع، بل أن يحتكر معنى البلاد. وهذه لحظة خطرة، لأن الصراع حين يُخاض على المعنى المطلق يصعب تسويته، أما حين يُخاض على المصالح القابلة للتقسيم والتفاوض فيصبح أقل قابلية للاستدامة العنيفة.
ثم إن الأيديولوجيات المختلفة، رغم تناقض شعاراتها، تشترك في شيء واحد: أنها تنظر إلى المجتمع بوصفه مادة اصطفاف. لم يُنظر إلى اليمنيين كأطراف اقتصادية تحتاج إلى الربط والتنظيم، أو حتى كناس يجب إرضاؤهم وخدمتهم، بل ككتل يجب شحنها وتوجيهها وتثبيت ولائها. ولهذا ظلت علاقة كثير من القوى بالناس علاقة تعبئة لا علاقة تمكين. تُستدعى الجماهير حين تشتد المواجهة، وتُستثار عواطفها باسم الخطر، والتاريخ، والهوية، والمؤامرة، ثم تُترك بعد ذلك داخل اقتصاد هش، وخدمات متآكلة، وفرص ضيقة، ومجال عام لا يكافئ العمل بقدر ما يكافئ القرب من شبكات القوة.
أما السبب الثالث فهو أن الأيديولوجيا منحت النخب المستفيدة من الانقسام غطاءً مثاليًا لمصالحها المادية. فالمسألة في كثير من الأحيان لم تكن أن النخبة تؤمن فعلًا بكل ما ترفعه من شعارات، بقدر ما كانت تحتاج إلى هذه الشعارات لحماية مواقعها. ذلك أن الحرب لا تعيش فقط على السلاح، بل على رواية تبرر استمرارها. وكلما بقي المجتمع مشدودًا إلى معارك رمزية كبرى، تراجعت قدرته على مساءلة من يستفيد من إطالة الصراع. ولهذا فإن الخطاب الأيديولوجي ليس مجرد تعبير عن قناعة، بل وسيلة لحجب الاقتصاد الحقيقي للحرب: من يسيطر على المعابر، ومن يملك الجباية، ومن يحتكر الوساطة، ومن يستفيد من الانقسام النقدي والإداري، ومن يحول الفوضى إلى مورد دائم.
ومن هنا تبدو الأيديولوجيا في اليمن أقل شبهًا بمشروع بناء، وأكثر شبهًا بإدارة نفسية للصراع. فهي تُبقي المجتمع في حالة توتر معنوي مستمرة، وتمنعه من الانتقال إلى سؤال الكلفة والعائد. والسلطة التي تعيش على التعبئة لا تريد من الناس أن يسألوا: ماذا كسبنا من كل هذا؟ ما الذي تحسن في حياتنا؟ أين ذهبت الموارد؟ ولماذا لم تتحول السيطرة العسكرية إلى استقرار اقتصادي؟ لأن هذه الأسئلة تنزع عن الصراع قدسيته، وتعيده إلى حجمه الحقيقي: صراع على السلطة والثروة والنفوذ، لا معركة خلاص تاريخي دائم.
ولهذا أيضًا لم تستطع أي أيديولوجيا أن تحسم اليمن، حتى حين امتلكت السلاح أو الخطاب الأقوى في لحظة معينة. فالبلد الذي لا تُربط أجزاؤه بالمصلحة لا يمكن إخضاعه نهائيًا بالشعار. قد يُرغم الناس على الانضمام، وقد يُسكتون، وقد يُهزمون مؤقتًا، لكن ذلك لا يحول السيطرة إلى استقرار، ولا الولاء المعبأ إلى اندماج وطني قابل للاستمرار. وما أثبتته العقود الماضية هو أن الأيديولوجيا تستطيع أن تؤجل الانفجار أو تغير شكله، لكنها لا تستطيع أن تلغيه ما دام الأساس المادي للبلد مفككًا.
ولهذا فإن تجاوز الأيديولوجيا في اليمن لا يعني إلغاء الأفكار أو إنكار التاريخ أو تسوية الخلافات الكبرى بالكلام السهل. المقصود هو إعادة ترتيب موقعها: أن تعود السياسة إلى حجمها الطبيعي، وأن تتقدم عليها مسألة أبسط وأكثر إلحاحًا، وهي كيف تتحول الجغرافيا اليمنية من خرائط نفوذ إلى دوائر منفعة. فحين يغيب هذا السؤال، تبقى الأيديولوجيا قادرة على أسر المجتمع داخل معركة لا تنتهي. وحين يحضر، تبدأ الشعارات نفسها في فقدان جزء كبير من سحرها، لأن الناس يكتشفون أن ما لا يفتح طريقًا، ولا يشغّل ميناءً، ولا يحمي سوقًا، ولا يخلق عملًا، لا يمكن أن يكون أساسًا كافيًا لبناء بلد.

الفجوة بين قيمة اليمن وطريقة إدارته
إذا نُظر إلى اليمن بعين الإدارة، ظهر قبل كل شيء كسؤال اقتصادي: كيف تُربط مجالاته ببعضها؟ كيف ينتقل الناس والسلع والطاقة؟ كيف تتحول الجغرافيا إلى دورة منفعة؟ كيف يُدار الساحل بوصفه منفذًا للاقتصاد لا مجرد موقع سيطرة؟ وكيف تدخل الصحراء والامتدادات الشرقية في شبكة عائد واضحة بدل أن تبقى فراغًا أو مخزنًا خامًا؟ هذا هو السؤال الذي تفرضه الإدارة، لأنه يبدأ من الواقع كما هو، ومن حاجات الناس كما هي، ومن البلد بوصفه بنية يجب أن تعمل.
أما حين يُقرأ اليمن بعين الأيديولوجيا، فإن هذا السؤال يتراجع لحساب سؤال آخر مختلف تمامًا: من يمثل الجمهورية؟ من يحمي الهوية؟ من يجسد الثورة؟ من يستعيد الدولة؟ من يملك الشرعية الأخلاقية والتاريخية؟ وهنا لا يعود البلد موضوع إدارة، بل موضوع اصطفاف. لا يعود الجبل كتلة بشرية وإنتاجية تحتاج إلى منفذ، ولا الساحل رئةً للاقتصاد، ولا الصحراء مجالًا للربط والطاقة، بل تتحول كلها إلى مسارح لشعارات كبرى تُستهلك في الداخل لتعبئة الناس، وتُقدَّم إلى الخارج لتسويق الشرعية أو طلب الحماية أو التمويل أو الاعتراف. وفي البيئات التي تتنازع فيها الشرعية وتضعف فيها القواعد المستقرة للفعل السياسي، يكون هذا التحول طبيعيًا: يعلو سؤال من يملك الحق في الحكم على سؤال كيف يُدار البلد أصلًا.
ومن هنا اتسعت الفجوة بين ما يملكه اليمن فعلًا وبين الطريقة التي أُدير بها. فهو لا يفتقر إلى الموقع، ولا إلى السواحل، ولا إلى الكتلة البشرية، ولا إلى إمكانات الربط مع محيطه. لكنه افتقر طويلًا إلى عقل إداري يرى هذه العناصر بوصفها أصولًا اقتصادية يجب تنظيمها، لا لافتات رمزية تُعلَّق عليها معارك الشرعية. فالإدارة تسأل: أين تتولد القيمة؟ كيف تنتقل؟ من يربح من الطريق؟ من يربح من الميناء؟ وما الذي يجعل تعطيل هذا المجال خسارة على غيره أيضًا؟ أما الأيديولوجيا فلا تسأل إلا سؤال التعبئة: من معنا، ومن ضدنا، وأي راية يجب أن تعلو، وأي قضية يجب أن تُرفع في وجه الداخل والخارج.
ولهذا لم تكن المشكلة أن اليمن يفتقر إلى المقومات، بل أن هذه المقومات ظلت تقع تحت عين سياسية وثقافية لا ترى في البلد فرصة بناء بقدر ما ترى فيه فرصة تمكين. فالميناء لا يدخل في هذا المنطق باعتباره عقدة تجارة وخدمات، بل باعتباره ورقة نفوذ. والموارد لا تُفهم باعتبارها أساسًا لدورة إنتاج، بل باعتبارها غنائم. والمجتمع لا يُرى كحامل لمصالح تحتاج إلى تنظيم، بل ككتلة يجب شحنها بشعار مناسب. وهنا تصبح الإدارة عبئًا على السياسي المؤدلج، لأن الإدارة تفرض عليه أن ينزل من مستوى الراية إلى مستوى الحساب، ومن مستوى العاطفة إلى مستوى الكلفة والعائد.
ومن آثار هذا الخلل أن العلاقة مع الخارج لم تعد تُقرأ هي الأخرى من زاوية المنفعة، بل من زاوية الاصطفاف. فبدل أن يُسأل: ما الذي يمكن أن يربحه اليمن من هذا المشروع؟ وما شروطه؟ وما أثره على الاقتصاد المحلي؟ صار السؤال في كثير من الأحيان: هل هذا الطرف معنا أم ضدنا؟ هل هو حليف لمعسكرنا أم لمعسكر خصومنا؟ وبهذا لم يعد الخارج يُفهم كشريك محتمل في مشروع اقتصادي، بل كحليف أو عدو أيديولوجي. ولهذا يمكن أن تُقابل بعض المشاريع القادمة من الخليج، مثل الحديث عن مرور أنابيب نفط عبر المهرة، بوصفها مشروع سيطرة قبل أن تُناقش بوصفها مشروعًا يمكن التفاوض على شروطه ومكاسبه وأثمانه. وفي المقابل، حين يأتي التدخل الخارجي مغلفًا بغطاء أيديولوجي مألوف، تحت عنوان تحرير الجنوب أو محور المقاومة أو غيرهما، يصبح أكثر قابلية للقبول في الوعي العام، لا لأنه أكثر نفعًا، بل لأنه يُخاطب الناس باللغة التي اعتادوا أن تُقرأ بها السياسة: لغة الحليف والعدو، لا لغة المكسب والعائد.
ومن هنا لا يعود السؤال فقط كيف ينظر الخارج إلى اليمن، بل كيف نظر اليمنيون، وخصوصًا نخبهم السياسية والثقافية، إلى بلدهم طوال هذه العقود. لماذا ظل سؤال الإدارة ضعيفًا إلى هذا الحد، بينما ظل سؤال الشعار مرتفعًا إلى هذا الحد؟ لماذا بقيت اللغة الغالبة هي لغة القضية التي تُحمّس الداخل وتُخاطب الخارج، بدل لغة الاقتصاد التي تسأل عن النقل والطاقة والعمل والموانئ والأسواق والعائد؟ فالمشكلة هنا ليست في غياب الإمكانات، بل في أن السؤال الخطأ ظل يحكم البلد: سؤال الأيديولوجيا الذي يطلب الولاء، لا سؤال الإدارة الذي يطلب منفعة قابلة للتنظيم.
ولهذا أيضًا دخل المال الخارجي، في كثير من الأحيان، عبر بوابة الشعار لا عبر بوابة الاقتصاد. دخل لتثبيت ولاءات، أو لشراء هدوء مؤقت، أو لترجيح طرف على آخر، لأن السؤال الذي قُدم للخارج لم يكن: كيف نربط هذا البلد اقتصاديًا؟ بل: من هو الطرف الأحق بالدعم؟ من هو الحليف الأجدر؟ من هو الخصم الأخطر؟ وهكذا تحركت الموارد في اتجاه الصراع أكثر مما تحركت في اتجاه البناء، وتحركت السياسة في اتجاه تثبيت السردية أكثر مما تحركت في اتجاه تشغيل البلد.
ولذلك فإن النظر إلى اليمن من زاوية المنفعة لا يقفز فوق عقبة السلطة، بل يضعها في مكانها الصحيح. فهو يبين أن المأزق ليس قدريًا، وأن البلد لا تنقصه الجغرافيا ولا البشر ولا الموقع فحسب، بل ينقصه قبل ذلك نمط في القيادة والتفكير يرى المكان ساحة نفوذ قبل أن يراه مجالًا للربط، ويرى الخارج باب اصطفاف قبل أن يراه مجال تفاوض، ويرى المجتمع كتلة تعبئة قبل أن يراه حاملًا لمصالح قابلة للتنظيم. وفي الأنظمة التي تحتاج باستمرار إلى تبرير نفسها وحشد الأنصار حولها، يميل هذا النوع من الخطاب إلى التقدم على لغة الإدارة، لأن الشرعية فيها تُصان بالكلام عن المعنى الكبير أكثر مما تُصان بحسن تنظيم الحياة اليومية.
الخاتمة
في نهاية المطاف، لا تبدو أزمة اليمن في أنه بلد مستحيل، ولا في أن تاريخه أعقد من أن يُجمع، ولا في أن مجالاته محكومة بأن تبقى متنافرة. ما تكشفه هذه الصورة كلها هو شيء أبسط: أن البلد ظل يُدار دون مستوى ما يملكه. فالجبل لم يدخل في علاقة إنتاج مستقرة مع الساحل، والساحل لم يُبنَ بوصفه رئةً لداخل واسع، والصحراء لم تتحول إلى شريك في القيمة بقدر ما استُخدمت خزانًا أو هامشًا أو فراغًا مؤجلًا. وبين هذه المجالات كلها، بقيت السياسة أقدر على إدارة التنازع من إدارة الترابط.
والمشكلة لم تكن يومًا أن اليمنيين لا يملكون ما يتشاركون عليه، بل أن ما يملكونه لم يُقرأ بمنطق الشراكة. قُرئ بمنطق الغلبة، أو الجباية، أو التوزيع غير المتكافئ، أو الاستعمال المؤقت للمكان والناس والموارد. ولذلك بقيت القيمة كامنة أكثر مما هي متحققة، وبقي اليمن أفقر مما تسمح به جغرافيته، وأضعف مما يسمح به موقعه، وأقل وزنًا مما تسمح به كتلته البشرية. واليمنيون لا يحتاجون إلى التسول للخارج، كما لا يحتاجون إلى البقاء أسرى لعبة صفرية في الداخل. ما يحتاجونه هو أن يعيدوا النظر في بلدهم من زاوية ما يمكن أن يكسبه بعضهم من بعض، لا من زاوية ما يمكن أن ينتزعه بعضهم من بعض.
