أشتات

إِبِسْتِين وجزيرة الشياطين

ليسَ هذا عُنوانًا لإحدى الرِّواياتِ البُوليسيَّةِ التي تأخذُ القارئَ إلى سراديبِ العِصاباتِ الإجراميَّة، ولا عُنوانًا لأحدِ الأفلامِ السِّينمائيَّةِ لِبَعْثِ الرُّوحِ فيها بعدَ مِيتةٍ إكلينيكيَّةٍ، ولا إعلانًا عن لُعبةٍ إلكترونيَّةٍ لِتحقيقِ أرباحٍ خَياليَّةٍ، فأحيانًا تَسبقُ الحقيقةُ الـمُرَّةُ خيالَ الأُدباءِ والمبدعينَ، وتتفوَّقُ جرائمُ بعضِ البشرِ على أفعالِ الشَّياطين. إنَّها بوابةُ الجحيمِ، وعاصِمَةُ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، وقاعدةُ الانطلاقِ نحو أهوالٍ تجعلُ الوِلدانَ شِيبًا، وتَدَعُ الحليمَ حيرانَ، ومَثارُ عواصفَ هَوْجاءَ من الأسئلةِ الـمُزلْزِلةِ حول كيفَ يُدارُ العالَم؟ وكيفَ تتحكَّمُ في مصائرِ الشُّعوبِ عِصابةٌ من أكابرِ المجرمينَ؟ وكيفَ ينهارُ أصحابُ السُّلطةِ والمالِ أمامَ نَزواتٍ غريبةٍ، لا تعدو أنْ تكونَ طُقوسًا شيطانيَّة؟ وكيفَ سَقطتِ الأقنعةُ عن الَّذينَ يُصدِّعوننا ليلَ نهارَ بخُطَبٍ رَنَّانَةٍ عنْ حُقوقِ الإنسانِ، وهمْ أكثرُ النَّاسِ انتهاكًا لها؟ وكيف ينحطُّ الإنسانُ المكرَّمُ إلى دَرْكِ الحيوانيَّة، بل إلى أبعدَ منها في الانحطاطِ بِسنواتٍ ضَوئيَّةٍ؟ وكيف تُساقُ رُموزٌ عربيَّةٌ وإسلاميَّةٌ من أقدسِ الأماكنِ إلى تلك البُقعةِ الشَّيطانيَّةِ؟ سُيولٌ من الأسئلةِ تُذهِبُ العقلَ الرَّشيد، وتُلغِي المنطقَ السَّديد، وتُلقِي بصاحبِها في تيهٍ من الظُّنونِ وَالارتيابِ، وشلَّالاتٍ من الحيرةِ والِاضطرابِ، حتَّى إنَّ المرءَ لَيتخيَّلُ أنَّها الجزيرةُ الَّتي يَسكنُها المسيحُ الدَّجَّالُ، كما وَردَ في حديثِ تَميمٍ الدَّاريِّ، الواردِ في صَحيحِ مُسلمٍ، ويَرى أنَّنا أصبحنا قابَ قوسَيْنِ أو أدنَى مِنَ السَّاعةِ، وأنَّنا نعيشُ معَ شِرارِ الخلقِ الذين ‌يَتَهَارَجُونَ في الأرضِ تَهَارُجَ الحمِيرِ، وعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ، فقد أخذتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وازَّيَنَتْ، وَظَنَّ أهْلُهَا ‌أنّهُمْ ‌قَادِرُونَ ‌عَلَيْهَا، وظَهَرَ ‌الفَسادُ ‌فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، وكاد الرَّجُلُ يَـمُرَّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا ‌لَيْتَنِي ‌كُنْتُ ‌مَكَانَكَ!

وليسَ في وُسْعِي وَسطَ هذا البَحرِ اللُّجِّيِّ من الـمَلفَّاتِ الـمُفرَجِ عنها، وسُيولِ التَّحليلاتِ الَّتي تَتوالَى ولا تَتَولَّى، إلَّا أنْ أضعَ جُملةً مِنَ الهَوامشِ الخاطفةِ على دَفترِ تلكَ الفَضيحةِ المدوِّيةِ، الَّتي تَستحقُّ دونَ مُنازعٍ لقبَ (فضيحةِ القرنِ)، بل إنَّها وَربِّي لَوَصْمةُ العارِ الَّذِي يُدنِّسُ صفحةَ العصرِ الحديثِ بأسْرِهِ، ومَعَرَّةُ الشَّنارِ الَّذِي يُلطِّخُ جبينَ الحضارةِ الغربيَّةِ بِرُمَّتِها.

* وُلِدَ جيفري إدوارد إبستين في نيويورك عام 1953م لعائلةٍ يَهوديَّةٍ فقيرةٍ، وعَمِلَ بِالتدريسِ دُونَ شهادةٍ جامعيَّةٍ، وما لَبِثَ أنْ طردتْهُ المدرسةُ، ثمَّ دَخلَ عالمَ المالِ والأعمالِ، لِيُكوِّنَ ثروةً كبيرةً من علاقاتٍ مَشبوهةٍ مع كبارِ السِّياسيِّينَ والأثرياءِ في العالمِ في مجالاتِ إنهاءِ الملفَّاتِ الضَّريبيَّةِ والقَانونيَّةِ ونحوِها، ويعتقدُ أكثرُ المحلِّلينَ أنَّهُ كانَ عَميلًا مُزدَوجًا للمُوسادِ والمخابراتِ الأمريكيَّةِ، وهوَ ما سهَّلَ عليهِ القيامَ بكثيرٍ مِنَ الـمَهامِّ القَذِرَةِ، وقد حُكِمَ عليه بالسَّجنِ عام 2005م بتهمةٍ اغتصابِ القاصِراتِ، ثُمَّ اعتُقِلَ عام 2019م بِتُهَمِ تجنيدِ القاصراتِ في البِغاءِ، قَبْلَ أنْ يُعْلَنَ عنِ انتحارِهِ في سِجنِهِ بنيويوركَ، وهو ما أثارَ جدلًا كبيرًا، إذْ يميلُ كثيرٌ من الـمُحلِّلينَ إلى أنَّهُ تمَّتْ تَصْفِيَتُهُ لإخمادِ نارَ هذهِ الفضيحةِ قبلَ أن تطالَ كِبارَ السَّاسةِ وعلى رأسِهم (دُونالد ترامب)، ويرى بعضُهم أنَّه تمَّ تهريبُهُ إلى مكانٍ ما (يُرجَّحُ أنَّهُ دولةُ الكِيانِ الغَاصِبِ)، وأنَّهُ ما زَالَ حيًّا يُرزَقُ، ولا غَرْوَ فقد كانَ من أكثرِ الدَّاعمِينِ للكِياِن اللقيطِ ماديًّا ومعنويًّا، وقدْ أسهمَ في بناءِ عددٍ من المغتَصَباتِ في الضِّفَّةِ الغربيَّةِ، وأعلنَ مِرارًا أنَّ فِلسطينَ لا وُجودَ لها!

* الجزيرةُ المذكورةُ في العُنوانِ هي جزيرةُ  (Little St. James)، وتقعُ في البحرِ الكاريبيِّ، ضِمنَ جُزُرِ العَذراءِ التَّابعةِ للولاياتِ المتَّحدةِ الأمريكيَّةِ، رغمَ بُعدها آلافَ الأميالِ عن سَواحِلِها في الجنوبِ الشَّرقيِّ، وتبلغُ مِساحتُها قُرابةَ سبعينَ فدَّانًا، وقد اشتراها إبستينُ عامَ 1998م بحوالي ثمانيةِ مَلايينَ دُولارٍ، ويُعتقَدُ أنَّ رئيسَ وُزراءِ الكِيانِ الأسبقِ (إيهود باراك)، المتورِّطَ حتَّى أُذُنَيْهِ في تلكِ الفضائحِ، هو الَّذي أشارَ عليه بشرائِها، وبناءِ مُنتجَعٍ فخمٍ فيها، وتوريطِ كبارِ زُعماءِ العالمِ في فضائحَ أخلاقيَّةٍ تُسجَّلُ عليهمْ بالصَّوتِ والصُّورةِ، لابتزازِهمْ بها عندَ الحاجةِ، وهو ما حَدَثَ حَرفيًّا. وبعدَ وفاتِهِ مُنتَحِرًا- إنْ صحَّتْ تلكَ الرِّوايةُ- عام 2019م بِيعتِ الجزيرةُ بستِّينَ مليونَ دُولارٍ، وقد كانتْ إبَّانَ ملكيَّتِهِ لها مَسرحًا لمعظمِ الجرائمِ التي اعتُقِلَ بِسبَبِها؛ ممَّا حدا البعضَ إلى تَسمِيَتِها بجزيرةِ الخطيئةِ.

* العَددُ التَّقريبيُّ للملفَّاتِ الـمُفرَجِ عنْها حتَّى الآنَ ثلاثةُ ملايينِ ونصفِ مليونِ ملفٍّ؛ ما بين وثيقةٍ مَكتوبةٍ، وصُورةٍ فُوتوغرافيَّةٍ، ومقطعِ فِيديو، من أصلِ سِتَّةِ ملايينِ وثيقةٍ، فكأنَّنا أمامَ نصفِ الحقيقةِ فحسبُ، ولا شكَّ أنَّ النِّصفَ الآخرَ أكثرُ خُطورةً، مـمَّا جعَلَ وَزارةَ العَدلِ الأمريكيَّةَ ترفضُ الإفراجَ عنه حتَّى الآنَ؛ لما يتضمَّنُهُ من معلوماتٍ بالغةِ الخُطورةِ والحساسيَّةِ، مـمَّا يجعلُنا نستحضِرُ عُنوانَ البرنامجِ الاستقصائيِّ لِقناةِ الجزيرةِ: (ما خَفِيَ أعظَمُ)، ونترقَّبُ ونحنُ نُردِّدُ بيتَ طَرفةَ بنِ العبدِ:

سَتُبْدِي ‌لَكَ ‌الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا
وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَـمْ تُزَوِّدِ

* تتضمَّنُ الوثائقُ جَرائِمَ مُقزِّزةً يَنْدى لها جبينُ الإنسانيَّةِ، فالحضارةُ الَّتي يَزعمونَ بلوغَها غايةَ التَّقدُّمِ والازدهارِ إنما ترتَدُّ مُنحطَّةً إلى الدَّرْكِ الأسفلِ مِنَ الإباحيَّةِ الحيوانيَّةِ، الَّتي تتنزَّهُ عَنْ عُشْرِ مِعْشَارِها الجاهليَّةُ، بل الوُحوشُ في البرِّيَّةِ، فالقاصراتُ يُجتلبْنَ من شتَّى أصقاعِ الأرضِ عنْ طريقِ سَماسرةٍ مُحترفينَ، على رأسِهم شريكَتُهُ الآثمةُ (غيلين ماكسويل)، ابنةُ الإعلاميِّ البريطانيِّ اليَهوديِّ (روبرت ماكسويل)، والتي تقضِي الآنَ عُقوبةً بالسَّجنِ لمدَّةِ عِشرينَ عامًا، وهي عَودةٌ مٌروِّعَةٌ إلى أسواقِ النِّخاسَةِ، ثمَّ يُغتصَبْنَ كَرْهًا في ظَلِّ تَصريحٍ يَهوديٍّ تَلموديٍّ بأنَّهُ «يجوزُ لليهوديِّ أنْ يُجامع غُلامًا أقلَّ من تسعِ سنواتٍ دونَ أنْ يُعتَبَرَ ذلكَ زِنًا»؛ لِتستمتعَ تلكَ الذِّئابُ البَشريَّةُ بمنظرِ سَيَلانِ الدَّمِ عندَ افتضاضِ غِشاءِ البكارةِ، وأحيانًا كان الشَّيطانُ الأكبرُ (ترامب) يقومُ بوضعِ إصبعِهِ في فروجِ أولئكِ القاصراتِ؛ ليختارَ لها من الأنجاسِ مَنْ يُناسِبُها، فينادِي عليه، وفي مشاهدَ أخرى أفظعَ إجرامًا ودمويَّةً يُعذَّبُ الأطفالُ بوحشيَّةٍ؛ لِيستمتعَ بعضُ السَّاديِّينِ من الحاضرينَ أو مُشاهِدِي الفيديوهاتِ بمشاهِدِ التَّعذيبِ، ثمَّ يُذبَحُ أولئكَ الأطفالُ، ويَشربُ المجرمونَ دِماءَهم للحُصولِ على مادةِ الأدرينوكروم (Adrenochrome) الَّتي تُفْرَزُ أثناءَ التَّعذيبِ، والَّتي يَزعمونَ أنَّها إكسيرُ الحياةِ، وأنَّها تُطيلُ عُمرَ الإنسانِ، ثم يأكلونَ لُحومَهم وخاصَّةً أحشاءَهمْ للحصولِ على طاقةٍ خَفيَّةٍ غامضةٍ في زعمهمْ، كلُّ ذلكَ وهمْ يُمارسونَ طُقوسًا غريبةً لا تنتمِي إلَّا إلى السِّحرِ الأسودِ وعِبادةِ الشَّيطانِ، إلى غيرها من الجرائمِ المروِّعةٍ، ومن عجبٍ أنَّ مَنْ مَارسُوها، ولا يزالونَ يُمارِسُونَها، هم الذينَ يُصدِّعونَنا ليلَ نهارَ بحقوقِ الإنسانِ، وخصوصًا المرأةَ والطِّفلَ، ويَتطاولونَ على الإسلامِ وعلى سيِّدِ الأنامِ، ألا ساءَ ما يحكمونَ!

* أثبتت الوثائقُ أنَّ العالمَ تَقودُهُ حِفْنَةٌ من الذِّئابِ البَشريَّةِ، مِنْ عُتاةِ المجرمينَ، وعَبَدةِ الشَّيطانِ، والـمُشوَّهينَ نَفسيًّا، والمختلِّين عقليًّا، إذْ كانَ يتردَّدُ على تلكَ الجزيرةِ الملعونةِ دهاقينُ السَّاسةِ منْ أمثالِ: (دونالد ترامب)، و(بيل كلينتون)، و(جورج بوش) لا ندري أهو الأب أم الابن؟ والأميرِ (أندرو) شقيقِ ملك بريطانيا، والَّذي تمَّ تجريدُهُ مِنْ ألقابِهِ الملكيَّةِ، و(إيهود باراك)، و(نتانياهو) من رُؤساءِ وُزراءِ الكِيانِ الغاصِبِ… وغيرِهم، كما تردَّدَ عليها ثُلَّةٌ مِنَ الَّذينَ يَتربَّعونَ على قائمةِ أغنَى أغنياءِ العالمِ، من أمثال: (إيلون ماسك)، و(بيل جيتس)، ناهيكَ عن العديدِ من المشاهيرِ في مجالاتٍ أخرى ذاتِ تأثيرٍ فنيٍ أو قانونيٍّ أو علميِّ، من أمثال: المغنِّي (مايكل جاكسون)، و(آلان ديرشوفيتز)، أستاذِ القانونِ في جامعةِ هارفارد، والذي يتولَّى الدِّفاعَ عَنْ دولةِ الكيانِ اللَّقيطِ أمامَ محكمةِ العدلِ الدَّوليَّةِ في تُهَمِ الإبادةِ الجماعيَّةِ في غزَّةَ، و(كيفن وارش)، المرشَّحِ لمنصبِ رئيسِ البنكِ الفيدراليِّ الأمريكيِّ، وعالمِ اللِّسانيَّاتِ الشَّهيرِ (نعوم تشومسكي)، صاحبِ نظريَّةِ النَّحوِ التَّوليديِّ التَّحويليّ، والأعجبُ أنْ تتضمَّنَ الوثائقُ صُورًا لـ(ستيفن هوكينغ)، ذلكَ الجسدُ المشلولَ الَّذي يَعدُّونه أسطورةَ الفيزياءِ، ووريثَ نِيوتِن، وهو صاحبُ نظريةِ إشعاعاتِ الثُّقوبِ السَّوداءِ التي نُسبتْ إليهِ: (أشعَّة هوكينغ)، ومؤلفُ كتابِ: تاريخٌ مُوجَزٌ للزَّمنِ… بالإضافةِ إلى عشراتٍ غيرِهم من كبارِ المتخصِّصينَ في الطبِّ والفيزياءِ والذَّكاءِ الاصطناعيِّ، والهندسةِ الوِراثيَّةِ، والفيروساتِ ولِقاحاتِها، وغيرِها من التخصُّصاتِ اللَّازمةِ للتَّحكمِ في جيناتِ البشرِ؛ أملًا في تخليقِ إنسانٍ في المعملِ.

* الأسماءُ المذكورةُ آنفًا تدلُّ على أنَّنا لَسْنا أمامَ حُثالَةٍ من البشرِ انحرفتْ فِطرَتُها، وانتكستْ إنسانيَّتُها، بل أمامَ إمبراطوريَّةٍ مُتوحِّشةٍ تبتلعُ قادةَ العالمِ في باطِنِها، وتعتمدُ الرَّذيلةَ دُستورًا للحُكمِ، والابتزازَ أداةً للسَّيطرةِ، بل أمامَ عِصابةٍ تُسيطِرُ على العالمِ، وتُديرُهُ من داخلِ غرفٍ مُظلمةٍ، وتُوزِّعُ صُكوكَ المناصبِ على الطَّائفينَ حولَ أصنامِها، وتتلاعبُ بالحُكَّامِ على النَّحوِ الَّذي وصفَهُ مُنذُ عُقودٍ ضابطُ البحريَّةِ الكنديَّةِ (وليام جاي كار) في كتابِهِ الشَّهيرِ: (أحجارٌ على رُقعةِ الشِّطرنجِ) الَّذِي صدرتْ طبعَتُهُ الأولى عام 1955م، وأمامَ شبكةٍ عنكبوتيَّةٍ رَهيبةٍ، تعتمدُ على تقنيَّاتٍ فائقةِ التطوُّرِ، وتستخدمُ الذِّكاءَ الاصطناعيَّ؛ لتؤسِسَ نِظامًا جديدًا يحكمُ العالمَ، ويحاولُ السَّيطرةَ من خلالِ السَّاسةِ والأغنياءِ والمشهورينَ المنتمينَ إلى هذه المنظومَةِ، الَّتي تَدوسُ على كلِّ القِيمِ الدِّينيَّةِ والأخلاقيَّةِ في صَلَفٍ وغُرُورٍ، يُجسِّدُ ما تتغنَّى به الحداثةُ الغربيَّةُ دَومًا منْ (موتِ الإلهِ)!

* كَشفتِ الوثائقُ القناعَ عن تورُّطِ بعضِ الحُثالةِ من الشَّخصيَّاتِ العربيَّةِ المتصهْيِنَةِ، والتي لا تَزيدُها الأيامُ إلَّا خِزيًا، وإنْ تستَّرَ أصحابُها بقناعِ المناصبِ الحكوميَّة، والإدارةِ لشركاتٍ عالميَّةٍ، والقيامِ بأعمالٍ خيريَّةٍ، وتقديمِ جوائزَ ثقافيَّةٍ، وإعلانٍ عن وثائقَ للأخوَّةِ الإنسانيَّةِ. وقد بلغَ الانحطاطُ بإحدى العاهراتِ العربيَّاتِ أن تعرضَ أختَها القاصرةَ ذاتَ الثلاثةَ عشرَ عامًا على ذلكِ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، والطَّامَّةُ التي لا طامَّةَ فوقَها أنْ تقومَ إحدى القِحابِ بشَحْنِ ثلاثِ قِطعٍ من كُسوةِ الكَعبةِ إلى ذلكِ المجرمِ: الأولى من داخلِ الكعبةِ، والثَّانيةُ من الكُسوةِ الخارجيَّةِ الَّتي استُخدمتْ فعليًّا، والثَّالثةُ صُنِعتْ من الخاماتِ نفسِها دُونَ أنْ تُستخْدَمَ، لتستقرَّ تلكَ الشُّحنةُ المقدَّسةِ في وَكْرِ الموبقاتِ! فكيفَ خرجتْ من البيتِ الحرامِ إلى عاصمةِ المالِ الحرامِ؟ وما ضَوابطُ خُروجِ كُسوةِ الكعبةِ المشرَّفةِ؟ وما مآربُهم فيها؟ فهل كانتْ تُستخدمُ في طُقوسٍ ماسونيَّةٍ ضمنَ عِبادةِ الشَّيطانِ؟ أو كانَ الغرضُ منها إهانةَ مقدَّساتِ المسلمينَ؟ أو كانتْ تُستخدَمُ في السِّحرِ الأسودِ، حيثُ إنَّ الشَّياطينَ عادةً ما تَطلبُ إهانةَ بعضَ المقدَّساتِ مثل المصحفِ والمحرابِ لتقديمِ خِدماتها الكُفْريَّةِ، كما صرَّحَ كثيرٌ من السَّحرةِ التَّائبينَ؟ أو أنَّ لها علاقةً بالطَّاقةِ الرُّوحيَّةِ التي يُحاوِلُونَ معرفةَ كُنْهِها وفكَّ شفراتِها؟ حيثُ وصفتْها المجرِمَةُ التي أرسلَتْها بأنَّ عشرةَ ملايينِ مُسلمٍ من مختلفِ الطَّوائفِ قد لمسوا هذه القطعةَ، أثناءَ طوافِهم حولَ الكعبةِ سبعةَ أشواطٍ، وقد وضعوا عليها صَلواتِهم وأمنيَّاتِهم ودُموعَهم وآمالَهم، على أملِ أنْ تُستجابَ دعواتُهم! أو أنَّ لها علاقةً ببحوثٍ حولَ قُدرةِ الحريرِ الطبيعيِّ المصنوعةِ منه الكُسوةُ على حفظِ تردُّداتِ مَنْ يلمَسُها؟ من أجلِ التَّلاعُبِ في التَّردُّداتِ الجينيَّةِ للبشرِ؟ وكأنَّها استعادةٌ لفعلِ السَّامريِّ الَّذي قالَ اللهُ على لِسانِهِ: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ ‌الرَّسُولِ ‌فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)؟ أسئلةٌ تُفضِي بالعقلِ إلى الشِّللِ، وتجعلُنا نُردِّدُ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

أُمُورٌ لَوْ تَأَمَّلَهُنَّ طِفْلٌ
لَطَفَّلَ ‌فِي ‌عَوَارِضِهِ الـمَشِيبُ

* وأخيرًا، أدعو المجامعَ اللُّغويَّةِ إلى الانعقادِ لِاعتمادِ كلماتٍ جديدةٍ مُشتقَّةٍ من اسمِ ذلكَ العُتُلِّ الزَّنِيمِ، في مُقدِّمتها المصدرُ الصِّناعيُّ: (الإبستينيَّة) (Epsteinism)، وأقترحُ في تعريفِها: نَزْعَةٌ ماديَّةٌ انحلاليَّةٌ، تقومُ على الاستغراقِ في اللَّذَّاتِ، ومُمارسةِ طُقُوسٍ شيطانيَّةٍ شاذَّةٍ خارجةٍ عن حُدودِ الدِّينِ والعَقلِ والمنطقِ، وارتكابِ جرائمَ شَنعاءَ مثلَ التِّجارةِ بالبشرِ، واغتصابِ القاصراتِ، وتسهيلِ البِغاءِ. كما أقترحُ إضافةَ الاسمِ المنسوبِ إليها (إبستينيّ) (Epsteinic)، ليكونَ في وصفِ شخصٍ ما بمعنى الفاحشِ العاهرِ، وفي وصفِ مجتمعٍ ما بمعنى الفَاسدِ الـمُنحلِّ، وفي وصفِ عملٍ ما بمعنى الـمُنْكَرِ الشَّنيعِ، وفي وصفِ مكانٍ ما بمعنى موضعِ الإجرامِ والرَّذيلةِ.

* وفي النِّهايةِ، أقولُ: إنَّ إبستينَ لم يكنْ مُجرمًا مُنْحَطًّا خُلقيًّا فَحسبُ، بل كانَ سادنَ فلسفةٍ  بهيميَّةٍ يُرادُ لها أنْ تسودَ، وأظنُّها مرحلةَ تَهارُجِ الحَميرِ التي تَسبِقُ قِيامَ السَّاعةِ، وكانَ كاهنًا في معبدِ الحكومةِ الخفيَّةِ للعالمِ، وقد كشفتْ لنا الوثائقُ بما لا يَدَعُ مجالًا للشكِّ زَيْفَ الحرِّيَّةِ الغربيَّةِ المزعومةِ، الَّتي ما هي إلَّا سِتارٌ خادعٌ لحياةٍ حيوانيَّةٍ، ونزواتٍ شَيطانيَّةٍ، تنأى وحوشُ الغابةِ بنفسِها عن التمرُّغِ في أوْحالِها، وفضحتْ سرَّ الصَّمتِ المخزِي للسَّاسةِ الـمُسَيَّرينَ من الأعرابِ خاصَّةً عمَّا جَرى ويجري في غزَّةَ حتَّى كتابةِ هذهِ السُّطورِ، وأثبتتْ للأمَّةِ أنَّ عِزَّتَها وكَرامَتَها لا يمكنُ أنْ تكونَ بالارتماءِ في أحضانِ هؤلاءِ الأنجاسِ المنحرفينَ، بل هي يقينًا في الاستغناءِ عنهم، كما أكَّدتْ للعالمِ أجمعَ أنَّ في الإسلامِ إنقاذًا للبشريَّةِ من هذا المستنقعِ الآسنِ، بكلِّ ما في تَعاليمِهِ مِنْ طُهْرٍ ونقاءٍ، وعفافٍ وحياءٍ، ورحم الله القاضِي عِيَاض (ت544هـ) إذ يقولُ:

وَمِـمَّا ‌زَادَنِي ‌شَرَفًا ‌وَتِيهًا
وَكِدْتُ بِأَخْمُصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي
وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا

د. مصطفى السواحلي

د. مصطفى السواحلي أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، سلطنة بروناي دار السلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى