على أُذن الدنيا ترنُّ أصوات الندامة والحسرة، وعلى شواطئ الخيبة تراق دموع الانكسار النفسي العنيف، وعيونُ الشوق الحزين تشاهد سفن ذوي العزائم المتقدة تشق عباب بحر الحياة، وتغيب خلف الغيوم وراء غاياتها المنشودة.
وهناك تهب على النفس الجريحة عواصف اللوم التي تجد في هبوبها لهيبًا لاذعًا يحرق الضمير المتأوه، ويقيد الجوارح بأصفاد العثرة الأليمة.
وقد كان لهذه النفس الكسيرة-لو عزمت-أن تجدَ راحتها مع أولئك العابرين الظافرين، الذين مر بهم نسيم الغنائم فـأوقدوا العزائم بحمل نفوسهم على متونه بلا تريث ولا إمهال، فبلغوا مرافئ السعادة بعد أن كسروا قيود الموانع، وخاضوا غمرات الأمواج الهائجة حتى بلغوا قبلة راحتهم.
إن الحياة والدة تلد الفرص ولا تسمح دائمًا بنسخة مكررة مما قد ولدت، فذوو الألباب يستأنون ساعة ميلادها ليفوزوا بذلك المولود المنتظر، فلا يضيع من بين أيديهم حتى يدخلوا به السرور على بيوت قلوبهم، وباحات نفوسهم.
فلهذا يظلون في جد وعمل، وترقٍّ وتقدم حتى يصلوا إلى الأهداف المرجوة، مثمرين للحياة، ومنتجين لها أسباب راحتها.
وها هو الزمان يمضي بالحي من الكمال إلى النقصان، ومن الكثرة إلى القلة، ومن السعة إلى الضيق، والدنيا في تقلب مستمر، والأحوال في تبدل لا يتوقف؛ فالعقل الناضج في ظل هذه التحولات المطردة يغتنم اللحظات بكل نافع، ويستقبل الفرص استقبال الظامئ للماء البارد، فمتى سنحت له فرصة ألقى أحبولته لاقتناصها، ولا يؤجل ولا يستمهل راجيًا عودة سنوحها له، أو زيادة الحظ من مصيد كثير في قابل الأيام؛ لأنه يعلم أن قطاع الطريق كثر، والليالي المدلهمة لا تسمح بالعبور متى دجت.
لهذا نقول: إن الحياة-ولاسيما في أيامنا هذه- حبلى بالمفاجآت غير السعيدة، التي تكثر فيها العوائق، وتتكاثف فيها الحجب، كما أن الأجسام لا تبقى على وقود الجد في كل حال، وسنوات العمر الإنساني المتقدم في انحدار مستمر، فإذا رأى العاقل من نفسه قدرة على إنتاج عمل فليبادر إليه في وقته، ولا يمهل فيبرد عزمه، وتخبو جذوة رغبته، ويفلت من شركه الصيد الثمين، ولاسيما إذا ساعدت العوامل الخارجية عنه على نجاح ما يُندب إليه، ويدعى إلى استغلاله.
ومتى ما أبصر وميض فرصة عارضة يستطيع أن يعمل فيها عملاً حسنًا في دين أو دنيا فلا يتردد في اغتنامها، ولا يسوِّف في الظفر بها، ولا يخدع نفسه بأن القادم أجمل، والآتي الجديد أفضل، ولا يتدثر بدثار الكسل والفتور، ولا يقنع نفسه بقلة الفائدة، ولا يتعذر بالأعذار الواهية الصادة عن الإقدام على ذلك الخير.
وحين يبلغ الإنسان همة عرابة الأوسي يوم يتلقى بيمينه كل راية مجد ترفع؛ فإنه سيستريح يوم الظفر، وينسى عناء الطريق إليه، ويحمد عند صباح بسمة الانتصار سراه، ولن يعود على نفسه بالجلد الذاتي على إضاعة الفرص، والإعراض عن الغنائم السانحة.
ولو نظر المرء إلى صورة نفسه البائسة وهي تعض أصابع الندم، وتتجرع غصص الألم، وتذرف دموع الحسرة المتناثرة عند غروب شمس الفرص بلا اغتنام؛ لما رضي لها ذلك المصير الحزين، ولحمل رمح الجد، وركب صهوة العزم، ومضى إلى آجام الغنائم ليصيد كل ما عنَّ من الفرص بلا تراجع ولا تأخير.
وبهذا النصح الأمين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا).
وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة كذلك: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ).
وجاء في سنن الترمذي، وشعب الإيمان للبيهقي، والمعجم الأوسط للطبراني، ومستدرك الحاكم، بسند حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وضعفه غيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تُنْظَرُونَ إِلاَّ إِلَى فَقْرٍ مُنْسٍ، أَوْ غِنًى مُطْغٍ، أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ، أَوْ هَرَمٍ مُفَنِّدٍ، أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ، أَوِ الدَّجَّالِ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةِ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ).