أشتات

الإنسان من الغفلة إلى اليقظة

أسئلة الوجود وبدايات التيه

يدبّ الإنسان المعاصر الغافل في هذه الحياة الدنيا مليئًا بالتساؤلات عن ذاته، وما المعنى الذي يمثّله في هذه الحياة: من هو؟ وماذا يريد تمامًا فيها؟ وهل سيجد ضالته ويُدرك أهدافه فيها؟ هكذا يسير ضائعًا، متخبّطًا، تائهًا، غافلًا، حتى يصطدم بجدارٍ متين يُوقظه من غفلته، فيبصر حقيقة الدنيا على أكمل وجه.

تقلبات الدنيا وغفلة النفس

حياة المرء في هذه الدنيا بين مدٍّ وجزر، ولا يمكن أن تستقر على حالٍ واحد؛ جُبلت على كدر، يمضي الإنسان فيها يرقب صفوها وخلوّها من الكرب، واتساعها من كل ضيق؛ تطعن به معاولُ الخيبات تارةً، وتارةً تعصف به رياح الألم، وتارةً يُحاط بأسوار العجز، وتارةً يكون مستأنسًا في رخاءٍ ودعة. ولأن الإنسان خُلقت نفسه جوفاء، فهي تتأثر بكل ما يواجهها حتى تمتلئ وتنضح؛ فإمّا خيرًا أو شرًا. ويا لخسارة الإنسان حين يدب في هذه السياقات وهو لا يفقه شيئًا عن نفسه، وحياته، بما له، وما عليه.. يعيش في غفلة، يتفسّح بالآمال، ويبني أحلامًا على أساسٍ هشٍّ وضعيف، وليته يلتفت إلى نفسه المسكينة الجوفاء قبل أن تنضح بما فيها من السوء دون أن يشعر.

كيف للإنسان أن يجهل ويغفل عن الهدف الذي خُلق لأجله، وعن الفطرة التي جبله الله عليها؟ إنه رانُ الغفلة، تراكمت حُجب المعصية والفتنة على قلبه وهو يسير سيرًا معوجًا، حتى حُجبت الرؤية عن بصيرته.

يُغذّي روحه بغذاءٍ فاسد، ويغترّ بلذّته المؤقتة، يُعرض على الفتن، فيقسو قلبه وهو لا يشعر، يظن أنه يُحسن صنعًا حتى يدفع الثمن باهظًا؛ فقد بُنيت عليه أغشية تعيق تلقّيه لكلام ربه وسنة نبيه ﷺ، وكلما استمرّ في ذلك تعتّمت الرؤية عنه أكثر فأكثر!

قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: 40]

ويظل شعور النقص ملازمًا له في سيره الخاطئ، يسعى سعيًا حثيثًا للترف، معتقدًا أن ذلك يشبع نفسه الجوفاء، وكم من إنسان يتقلّب في ترف محض، ولا ينقصه شيء محسوس، ولا يزال يشعر بنقصٍ في نفسه وأهله وبيته؛ لأنه ينقصه الإيمان، فلن تشبع الروح إلا بالقرب من الله، ولن تمتلئ النفس إلا بغذاء الوحي، كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين: «إن في القلب شعث لا يلمهُ إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه فاقة لا يسدّها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها، لم تسد تلك الفاقة منه.»

اليقظة واستنارة البصيرة

لكن رحمة الله سبحانه فوق كل ذلك؛ حين يتدارك عبده ويهديه إلى سواء السبيل، رغم غفلته وإسرافه في أمره، فتُنزل عليه النازلة، تؤدبه وتعلّمه فتستنار بصيرته، كما قال ابن كثير -رحمه الله-: «لا تستنار البصيرة إلَّا بالحزن، فيرى المرء حقيقة كُل شيء، حقيقة نفسه وحال قلبه..» لقد تحول من حال الغفلة إلى منزلة اليقظة، وما أبدع ما قاله الإمام ابن القيم عن هذه المنزلة في مدارج السالكين، قال رحمه الله: «فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة، واستنار قلبه برؤية نور التنبيه؛ أوجب له ذلك ملاحظة نِعَم الله الباطنة والظاهرة، وكلّما حدَّق قلبه وطرفه فيها، شاهدَ عظمتها وكثرتها، فيئس من عدّها، والوقوف على حدّها، وفرّغ قلبه لمشاهدة منّة الله عليه بها من غير استحقاق، ولا استجلاب لها بثمن، فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها، وهو القيام بشكرها.» لقد اُنتشلَ من الإلتصاق بالأرض إلى عالمٍ سماوي!

ميزان العمر والغاية؛ حيث يستقيم الطريق

ومن رحمة الله وكرمه سبحانه، وفضله ومنّته على عبده واصطفاءه له؛ أن يهبه بصيرةً تجعله متيقظًا، متأملًا، مدركًا.. فلا يمر بأيسر تجربة إلا وقد تركت أثرًا حميدًا في نفسه، وما أكثر الناس الذين لا تُحرك النوازل والتجارب فيهم ساكنًا!

ثم يدرك أثناء سعيه في هذه الحياة الدنيا؛ أن الفوات الحقيقي هو فوات العيشُ مع الله، واضعًا تقواه نصب عينيه ويدرك جيدًا أن العيش الهانئ لا يتحقق فيما لا يرضيه، ويعلم أن الرزق لا يقتصر على كُل ما هو حسي فحسب، بل في بصيرته، وقناعته، وفي استحضار نِعم ربه سبحانه وشكره عليها، في معنًا عظيمًا لا يقدّر بأثمان الدنيا؛ يُريه الأشياء على حقيقتها، يُغنيه ويلازم خطاه، يرى من خلاله النور والسعة رغم أنف ضيق الدنيا وكدرها.

فسلامٌ على المرء وأهدافهُ وخططه وسيرهُ في هذه الدنيا، إن لم يكن على رأسها هدفًا يَبني به داره الحقيقية، هدفًا أُخرويًا يسيرُ به إلى ربه؛ يقرّبه من نعيم جنّته، ويقيه حر ناره، سلامٌ على عمره بأكمله إن لم ينوِ بهِ تزكية نفسهِ، وتهذيبها، وإصلاحها؛ فما خاب سعي امرئ تقرّب من ربه، ولم تقعده سقطاته عن إصلاح نفسه، مستعينًا بربه، تائبًا إليه، عازمًا على سواء السبيل؛ هذا هو المؤمن التواب، العائد، المنيبُ إلى ربهِ.

﴿وَمَن لَم يَجعَلِ اللَّهُ لَهُ نورًا فَما لَهُ مِن نورٍ﴾ [النور:٤٠]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى