أشتات

الاتحادات الطلابيّة… من هنا تُصاغ ملامح العالم

إنّ من أكثر الأمور متعةً وعبثًا في الحياة الجامعيّة، الاتحادات الطلابيّة. والكثير من الطلاب يتّخذونها بوابةً لطموحاتهم، وتجاربهم السياسيّة، وانطلاقة لأعمالهم، وريادتهم المستقبليّة؛ ففيها يجد الطالب نفسه ضمن إطار العمل المؤسسيّ، وكلّ مكتب من مكاتبها يمثل مؤسسة صغيرة محكومة بضوابط الاتّحاد المقوقعة ضمن نظام الجامعة، والنّجاح الحقيقي يكمن في قدرة الفريق على التّناغم، والانسجام بين هذه المؤسسات، ثمّ القدرة على تصدير الأعمال بكفاءةٍ لا تخلو من المرونة. وإنّ الطّلاب المترشحين لها يخضعون لتجارب سياسيّة حقيقيّة في وقت مبكرٍ من أعمارهم، إذ يبدأ الأمر بتشكيل أعضاء الفريق، وجمعِ الموهوبين، والمؤثرين، وأصحاب الكلمة من الطلاب لتعزيز القدرة على الفوز في الإنتخابات، والفريق الذكيّ هو الذي يستطيع أن يتشكل متلونًا فيكون مزيجًا من شخصيات متنوعة؛ المفكرة، والحركيّة، والاجتماعيّة، والقياديّة، والدبلوماسيّة.
وفي الجانب الآخر يخضع آخرون لتجربة الخوض في قيادة الانتخابات، فيكونون أمناء لصندوق الاقتراع ويتذوقون طعم التعامل مع الأحزاب المتنافسة، ويتم إغراؤهم لا شك؛ فيخوض بعضهم في الإغراء ويتمنع بعضهم الآخر، وفي الكثير من الأحيان يكونون أجندة للأحزاب المتصارعة. ثم في نهاية المطاف يفوز أحد الفريقين؛ فيجرب طعم السّلطة بأبسط معانيها، ويكون مسؤولًا عن العمل الطلابيّ حتى نهاية العام.
ولقد ابتليت منذ نعومة أظافري بحبّ الاتحادات الطلابيّة، وصرفت عليها وقتًا طويلًا من عمري، وفي كلّ مرّة أجد نفسي فيها حتى دون تخطيط سابق؛ فلم تتح الحياة لي فرصة في سنة من السّنوات أن أكون حياديّة، وهذا ما أوقعني في الحرج مع الكثير من الفرق الطلابيّة، وكنت دومًا في كلّ فريق أَسألُ، وأُسأل عن أهداف التّرشح، وتكون إجابتي مطلقةً في الوضوح الذي يظهر على عينيّ اللامعتين، ووجهي المتورد؛ إنّه دافع الشغف الذي يجعل الإنسان فراشة باحثة عن النّور. ولقد قلت ذات يوم عندما كنت أهمّ بالترشح للمكتب الثقافيّ وأنا مليئة بالحبّ، والرغبة، والطموح: حتى أفتح نافذة ففي سمائنا لا حمام، ولا سلام يطير؛ ففي الحقيقة عندما أدخل في العمل التّطوعي وخاصة إن كان متعلقًا بالثّقافة أصبح وكأنّني أقترب حنينًا، وحنانًا من موطني الكبير، الكبير جدًا، ذاك الممتدّ في قلبي كاتساع السماء، والأثير ثمّ أجدني أطير به، ثم أنشئ الفعاليّات الثقافيّة، ثم أنشر أسماء المفكرين، والأدباء، والعلماء، ثم أطير، ثم أعود إلى ذات المكان لأحثّ النّاس على الكتابة وكأنّ التواجد، والمسؤولية في المكان الثقافيّ جناحٌ آخر يحلّق بي كلّما ضاق هذا العالم؛ فأنا الأسير الذي خرج من سجنه، وعمّت في روحه نسائم الحريّة، فعرف أنّ الطيران يبدأ من الداخل قبل أن تُفتح في دربه الأبواب، ولا يستطيع أيّ إنسان على وجه الأرض أن يتوقع ما يمكن أن يفعله الدّوبامين والإندورفين اللذان تتشبع بهما خلايا ذاك الطائر وهو يجهّز لعمل مسرحيّ أو لأمسية شعرية أو للقاء فكريّ!
ولقد سألت المترشح لرئاسة الاتحاد يومًا: لماذا يدخل بعض الطّلاب للفريق دون أن يكون لهم تأثير حقيقي ورؤية واضحة وفعّالة؟ .. فقال حينها: إنّ الدواعي كثيرَة مثل بناء الصداقات، أو تقوية الشّخصيّة، أو القدرة على إيجاد فرصة عمل، أو مجرد حبّ التّجربة.
صمتُ حينها، وأخذت بعضي، وخرجت إلى شوارع المدينة التي كانت تزينها أمطار تشرين، وعرفت يومها الفرق الحقيقيّ بين التابع، والمتبوع، بين الرئيس والجنديّ، الفرق الذي يتمثل بالدافع؛ فالدافع وحده الذي يميّز النّاس فيرفع أقوامًا ويخفض آخرين. ولا يمكن أن تقوم للحياة قائمة دون أن يتسامى هذان المعنيان بين النّاس من أبسطِ مؤسسة -المسمّاة بالأسرة- إلى أكبر مؤسسة والتي تمثل الدولة؛ فالإنسان يُخلق ويتخلق بإحداهما ثم تتأصل فيه الصفة، وتمدد إلى آخر عمره، ولا يشترط أن يكون الإنسان في مركزٍ سياسيٍّ حتّى تظهر صفات القائد فيه، وهذا ما آمنت به عندما كنت أقول لطلابي: أنتم قادة يا أولاد؛ لأنّ المسلمين كلّهم قادة؟! فقال لي أحدهم حينها ما معنى القائد؟!! صمتُ، واحمرّ وجهي، واختنقت عبراتي، وضاقت شراييني، وازداد الأدرينالين في عروقي، وقلت في نفسي: اللهم افتح! ثمّ انطلق لساني، وكان يقول: القائد يا صغيري، هو الإنسان القادر على التميز بين الصّواب والخطأ، ثم فعل الصحيح في الوقت والزمان المناسبين، وإن أخفق، وفعل الخطأ يكن أول المسارعين لتصحيحه، والاعتراف به! وكلّ شيء في الحياة يحتاج إلى هذا المعنى، فالإنسان المؤمن لا يتبع أحدًا اتباعًا أعمى، بل يكون واثق الخطا، دءوب المحاولة، سريع الرجوع عن الخطأ!
وهكذا أمضيت الليلة التشرينيّة بهذا الحديث، وبهذه الذكريات؛ حتى انتهى معها حماسي بالدخول للفريق برسالة لطيفة أرسلها لهم: “إنّني أفضِّل أن أكون على طرف النّهر لا أريد الركوبَ معكم في القارب؛ لذا أتمنى منكم المعذرة”. ولمّا استيقظت صباحًا كنت أشعر بشيء أشبه بالانفصام الإراديّ بين قلبي وعقلي؛ فداخلي يحكي أشياء، بينما أخذ الخارج منّي قرارًا قاسيًا، وكأنّني كنت أدعو: مطر، مطر؛ وعندما رزقته خفت البلل، ولم أخرج إليه، وبقيت وراء الزّجاج أنظر له، وللأرض وهي تحتضنه، وأقول: لو كانت الأرض قاسية، وجبانة مثلي، ومثل الكثير من البشر لما كانت قادرة على امتصاص دعواتنا، وكنا غرقنا.
لكن الفريق المترشح لم يتركني وشأني، بل طلب منّي مساعدتهم في الانتخابات، حتى ولو بكلمة أقولها، وسط صديقاتي الفتيات. ولقد ضعفت أمام محاولاتهم، وكثرة إلحاحهم، وطرق صديقتي باب غرفتي!! ففعلت بأن عبّرت عن رأيي الصريح في تجمع الغداء في السكن الطلابيّ، ودون مبالغة لقد أحدث فرقًا؛ ففازوا وكنت طيلة السّنة أراقب أعمالهم من بعيد من باب الأمانة في الكلمة؛ وهذا ما أرهقني طيلة عام كاملٍ، بل هذا الذي أعطاني درسًا في الابتعاد في مثل تلك الأزمات عن النهر كلّه، لا الوقوف على طرفه وحسب.
ولمّا كنت مندفعة في العمل الطلابيّ كانت مسيرتي لا تخلو من محاولات تخريب خارجيّة، فكانوا يستخدمون عبارات التّهكم لكوني فتاة، كقولهم: (ألسنة نساء) أو (لا ينقصنا إلا فتاة). وأنا أكتفي دائمًا بنظرة ساخرة والمضيّ قدمًا في الحياة متمتمة في نفسي -ترفعًا عن جدالات عقيمة-: تبًّا لضيق نظرك، ألسنة النساء تلك التي تستخفها جرى عليها مثل قول رابعة العدوية وهي تصف العشق الإلهيّ: ماعبدتك خوفًا من نارك ولا رغبة في جنّتك وإنّما عبدتك لأنّك تستحق العبادة. ففي الحقيقة أنا لا أؤمن بمثل نظام الكوتا وأرفض أفكار المساوة بين الرجل، والمرأة، وأحارب النسوية في مقالاتي وقولي، دون أن أسمح بالجرأة عليّ تحت مسميات ذكورية.
وفي مثل هذه المواقف الحساسة، أقف دائمًا أسأل نفسي: ما هي ضوابط التي يجب أن تلتزم بها المرأة للمشاركة في العمل المجتمعيّ؟ وماهي الشخصيّات المسلمة التي يمكن أخذها قدوةً في هذا الزمان وفي هذا المجال؟ وكيف يمكن الموازنة دون خسارة جمال المرأة المسلمة، واعتزازها بمكرمتها. فمن المرهق جداً أن تعيش حياة الاستلاب الثقافي؛ فلا أنت عربي، ولا أجنبي، خليط بين أصالتك المسلمة، والعصريّة التي تشاهدها على الشاشات، والتي بدأ أغلبها بالانسياب إلى حاضرنا، ومستقبلنا. والمرهق في الأمر الذي ذكرته أنّك كلما حاولت تجربتها سيعيقك المجتمع، لذلك ستضطر إلى الاحتيال عليها بطريقة، أو بأخرى؛ لتعرّبها، وتخرجها بصورة لا تخدش هويتك، ولا تمس بشخصك المسلم. هذا الصراع سيلازمك دائما لأنّ الرمادية تحتاج إلى موازنة دقيقة محسوبة بشكل متكرر لمقدار كلّ من اللونين الأسود، والأبيض!! فكيف يمكن للإنسان المسلم أن يكون رماديّا، وأن يفعل الخطأ الأسود ثمّ يغلفه بثوب الدين؟ لذا الضوابط الحقيقية -حسب ما أرى- متمثلة في حديث النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: «الْبِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ».
مرّة أخرى، اتحاد الطلبة اسمٌ يعني تلك المؤسسة الصغيرة التي تمثل الطلاب في الجامعة. ولأن هذا العنوان هو أساس المقالة قد لا أستطيع الخوض في أعمال الطّلاب خارج أسوار هذه المؤسسة كثيرًا، لكن ما أريد قوله على عجالة إنّ دراسة كيفية تشكّل فكر الطلاب خلال مرحلة الدراسة أمر بالغ الأهمية، ولأنّ هذا غير اختصاصي أردت الإشارة فقط لأترك ذلك لأهل الاختصاص.
فالطالب عندما يدخل إلى الجامعة يعيش لأول مرة تجربة الحرية الفكرية؛ إذ يأتي محمّلًا بعادات عائلته ولغتهم الفكرية، التي في الغالب تكون متقوقعة ضمن عادات المجتمع أو القبيلة أو القرية، ويكون مرسومًا عليها بوضوح ملامح سياسة المنطقة. وكلّما كانت سنوات دراسته أطول، يرى أشخاصًا أكثر، وتمتزج أفكاره معهم، ويحدث في بعض الأحيان تحوّل جذري في تفكيره ومعتقده وتطلعه إلى الحياة.
وبالذات الحياة ضمن إطار السكن الطلابيّ، وخاصة إن كانت الجامعة دوليّة، لأن الطالب في الغالب يشاهد أشخاصًا يأتون من بقاع شتّى يحملون مواريث ثقافية متنوعة، فينضج فكره أو قد ينحرف ويهوي في لج الظلمات. فعلى سبيل التغيّر السلبيّ، الكثير من الطلاب يأتون إلى الجامعة غير مدخنين فيدخنون، لا يحضرون حفلات راقصة فيبدأون بالحضور، أو يكون لهم قيم معينة في اللبس والظهور. وعلى سبيل التغيّر الإيجابيّ، وجدنا ذلك في الدول التي تعمل ضد الإسلام، مثل الدول المحكومة بشكل غير مباشر من قبل روسيا؛ فما أن يأتي الطالب الذي لا يصلي حتى يبدأ بالصلاة، وما أن تأتي الفتاة غير المحجبة حتى تبدأ الحجاب.
هذا كلّه على مستوى السلوكيات الظاهرة، أمّا المستوى الفكري فهو أعمق من ذلك بكثير، وبالذات لدى الطلاب الذين يأتون من مناطق ودول تعاني بشكل مباشر من الدكتاتورية والقمع والاستبداد؛ إذ يعيش الطالب حالة عدم اقتناع بما حوله، ويبدأ مع الجامعة بإعادة النظر في كثير مما تربّى عليه، وتنفتح أمامه مساحة للتساؤل وتكوين رأي مختلف أو أكثر وضوحًا فالحياة الجامعيّة فضاء واسع تتصارع فيه الأفكار وتتشابك فيه التجارب، ويتكوّن خلاله وعي الطالب الحقيقيّ. فالطالب الذي كان يعيش في بيئة مغلقة ومجتمع محدود يتحرك داخل الجامعة في مساحة أوسع، فيتعرّف على أنماط مختلفة من التفكير، ويشاهد نماذج عديدة من السلوك، ويبدأ تدريجيًا في مراجعة ذاته ومعتقداته السابقة.

الإنسانية بين عباس محمود العقاد وجورج برنارد شو الاتحادات الطلابيّة… من هنا تُصاغ ملامح العالم

والجامعة -مهما كانت خلفيتها أو البلد الذي تقع فيه- تصبح نقطة مفصلية في حياة أي شاب أو فتاة. فهي المرحلة التي يضع فيها الطالب الأسس الأولى لشخصيته المستقلة بعيدًا عن سلطة الأسرة أو ضغط المجتمع المباشر. ولذلك نجد أن كثيرًا من السلوكيات والأفكار التي تصاحبه لاحقًا في حياته العملية تتشكّل أصلًا في تلك المرحلة، سواء كانت إيجابية كالانضباط والاهتمام بالعلم والوعي الثقافي، أو سلبية كالانجراف وراء العادات الضارة أو فقدان البوصلة الأخلاقية.
وهنا يأتي الدور الحقيقي لاتحاد الطلاب فإن أحسن القيام بمهامه يمكن أن يكون عنصرًا مؤثرًا في توجيه الطالب. فالاتحاد قادر على خلق مناخ يوازن بين الحرية والانضباط، وبين الانفتاح والحفاظ على القيم، من خلال تقديم الأنشطة الهادفة، وإيجاد مساحات للحوار، وتمكين الطالب من التعبير عن رأيه بطريقة صحيحة، وتوفير نماذج قياديّة يمكنها أن تلهم غيرها فحضوره بتلك القوة ينعكس مباشرة على مستوى وعي الطلاب؛ لأن الاتحاد يمثّل حلقة الوصل بين إدارة الجامعة والطلاب، كما يمثّل مظلة يمكن أن تجمع الاختلافات وتحوّلها إلى قوة، بدلًا من أن تكون مصدر صراع أو ضياع. وقد رأينا في كثير من الجامعات إن كان الاتحاد ضعيفًا انعكس ذلك على الطلاب، فتغيب المبادرات، وتضعف المسؤولية، ويحضر العبث واللامبالاة، بينما في الجامعات التي يمتلك فيها الاتحاد حضورًا فعّالًا، يصبح الطالب أكثر مشاركة وحسًّا بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه محيطه.
وفي النهاية، فإنّ الجامعة بكل ما فيها -بما فيها اتحاد الطلبة- صناعة مستقبل مختلف وما يحدث فيها لا يبقى داخل جدرانها، بل يخرج مع الطالب إلى المجتمع، فيؤثر في بيته وفي عمله وفي نظرته للعالم. ولهذا السبب بالذات، فإنّ فهم طبيعة التحوّلات التي يعيشها الطالب خلال هذه الفترة، ومعرفة أسبابها ونتائجها، أمر ضروري لكل من يهتم ببناء مجتمع واعٍ قادر على النهوض.
ومن الأمثلة التي تُجسّد تأثير الجامعة في تشكيل الوعي وتوجيه مسار الإنسان ما حدث مع “غفران زامل”؛ فخلال فترة دراستها الجامعية انضمت إلى حركات القدس وكانت تحضر دروسهم وتشارك في نشاطاتهم، وهناك بدأت ملامح وعي جديد تتكوّن لديها.
وفي تلك المرحلة تعرّفت -من خلال ما كان يُنشر ويُتداول- على أحد الأسرى، فأُعجبت بكتاباته وتأثرت بفكره رغم أنه كان داخل السجن طوال سنوات دراستها وبعدها. ومع مرور الوقت تطوّر هذا التأثر إلى ارتباط حقيقي انتهى بزواجها منه. وحتى على مستوى الشخصيات العامة، هناك أمثلة كثيرة تُظهر كيف يمكن للجامعة والسكن الطلابي أن يكونا بوابة لانخراط الشباب في العمل السياسي. ففي إحدى الروايات المعروفة ذكر بلحاج أنّ بدايته السياسية لم تكن مخططة أبدًا، بل حدثت ببساطة من عزومة فنجان شاي، دعاه إليها أحد الطلاب في السكن الطلابي، وهناك تعرّف على مجموعة من الشباب المنتمين إلى أحد التكتلات، ثم بدأ يحضر جلساتهم، ومن تلك الجلسة العفوية انطلقت مسيرته السياسية التي أوصلته فيما بعد إلى منصب مهم في الدولة. وهذا المثال يؤكد مرة أخرى أنّ الجامعة يمكن أن تفتح أبوابًا واسعة لتوجهات جديدة قد تغيّر حياة الإنسان بالكامل.
الاتحادات الطلابيّة في تركيا ليست مسجلة ضمن دستور البلاد لذا لا يوجد اتحاد شبابيّ تركيّ، وإنّما يوجد ممثلون عن الطّلاب فيما يتعلق بالدروس، ونقل أخبار الأساتذة، وحضور مناقشات الامتحانات. لكن تركيّا أتاحت للطلاب الأجانب فرصة لتجربة العمل السياسيّ على صغره في الجامعات، ولا يخفى على أحد ذكاء تركيّا سياسيًا، وكأنّها تريد أن يتذوق الطلاب الأجانب طعم التجربة الحرّة، والخوض في ميادين السياسة، فوفرت لهم تربة خصبة للتدريب، وهذا ما رأينا ثماره بعد التحرير في سوريا فكثير من أصدقائنا تسلموا مناصب على صغر سنّهم، وبعضهم كان من المشاركين في أمانة اقتراع مجلس الشعب، وغيرهم الذين انفتحت لهم الآفاق فأصبحوا ضيوفًا دائمين على الشاشات.
ولمّا كنتُ في جامعةٍ تضجّ بطلابٍ من شتّى الجنسيّات، كنتُ أرى في اتحادات الطلبة صورةً مصغّرةً لعالمٍ كبيرٍ تتنازعه الصراعات والولاءات. فكلُّ اتحادٍ كان مرآةً لمجتمعه الأمّ، يعكس طباعه السياسية ونفَسه التاريخي في اختيار من يتصدّر المشهد.
ففي اتحاداتٍ تمثّل دولًا يحكمها النظام الملكي، كان الأمين العام يُنتخَب مرّةً تلو أخرى دون اعتراضٍ وكأنّ التكرار قدرٌ مُقدَّس لا يُمسّ. أمّا في اتحاداتٍ أخرى فتطفو على السطح شخصياتٌ متسلّطة، تُمارس السياسة كما يُمارس الحكم في أوطانها: قمعٌ خفيّ، وهيمنةٌ ناعمة، وإصرارٌ على السيطرة المطلقة، فيما الطلاب الواقفون على الهامش يتململون في صمتٍ لا يجرءون على الانفجار.
ولأنّني كنتُ مولعةً بمتابعة اتحادات الطلبة وما وراءها من رموزٍ وإشارات، كنتُ في كلّ فعاليةٍ أمرُّ بها ألتقط صورًا لوجوهٍ وأسماءٍ تُعلَّق على الجدران، لأتأمّلها لاحقًا وأقرأ في ملامحها أبعادًا كثيرة.
ومع مرور الوقت، كنتُ ألحظ المشهد ذاته يتكرّر كلّ مرة: رموزٌ وأبطالٌ ثوريّون لطالما رفعوا رايات الحرية، فإذا بصورهم تُزيّن جدران اتحاداتٍ تُعيد إنتاج الاستبداد ذاته الذي حاربوه. كأنّ الثورة في دورتها الأبدية تلد أبناءها على صورة أعدائها. حينها أدركتُ أن التاريخ لا يبدّل جوهره، بل يغيّر أقنعته؛ وأنّ الطغيان لا يزول بسقوط الطغاة، بل ينام في صدورٍ جديدة، يستيقظ فيها كلّما أُتيح له اسمٌ آخر، أو لافتةٌ أكثر بريقًا.

بين الميدان الدعوي والميدان السياسي 01 الاتحادات الطلابيّة… من هنا تُصاغ ملامح العالم

فمن كان يظنّ أنّ الحياة السياسيّة مختلفة عن خارج أسوار الاتحادات الطلابيّة يكون مخطئًا جدًا وحتى لا يكون حديثي عبثيًا سأمسك بيد قارئي لأجول معه بالاتحادات التي مررت عليها بعدسة قديمة لا تعرف حركات الفوتوشوب ناقلة الواقع بجودة متوسطة؛ فالتوسط اعتدال وما دونه إفراط أو تفريط:
أولًا: أبدأ بالاتحاد الفلسطينيّ، ذلك الكيان الذي يعيش انقسامًا حقيقيًا بين جناحين: جناح يقف مع المقاومة المتمثلة بحماس، وآخر مع السلطة، ولا تكاد تهدأ نار الخلاف بينهما حتى يشعلوها مرّة أخرى. فصراعاتهم دوّارة في كل اجتماع وفي كل ندوة، وفي كل مناسبة. فالسلطة ترى حماس تنظيمًا إرهابيًا، بينما تنظر حماس للسلطة على أنّها خائنة أو مفرطة والأبناء يرثون توجه آبائهم ونظرتهم السياسيّة مرددين بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا.
وفي أحد الأيّام حيث كان الاتحاد الفلسطينيّ يحضّر لفعاليّة ستقام بالجامعة وكانت إحدى صديقاتنا المؤمنة بشرعية حماس وبعظيم دورها في الجهاد وفي ترسيخ الوعي العالمّي بقضيّة الأرض الفلسطينيّة تعمل مع فريق اتحادها على تنظيم تلك الفعاليّة محاولةً أن تُظهر جمال ومكرمة ما يمكن أن تصنعه المرأة الفلسطينة مقدمة الحضارة والتراث بأعمال يدويّة ومأكولات شعبيّة وغيره. وبعد أن طوت الأيّام شراعها ومع الانتهاء من التحضيرات واقتراب موعد الفعالية يفاجَأ فريق العمل بإعلان لحضور أحد سفراء السلطة الفلسطينيّة للفعاليّة على معرفات الاتحاد. فتضيق الدنيا على فتاتنا بما رحبت وتشعر بمرارة وخيبة فالسلطة في نظرها خائنة وصامتة عن آلام الفلسطينيين الذين كانوا يتجرّعون البأساء والضّراء. وكانت السلطة في تلك الأثناء تدعو إلى تسليم السلاح والانصياع المطلق للعدوّ. وجرّاء كلّ ما ذكرت كتبت صديقتنا رسالة في المجموعة الطلابية تعتذر فيها لكلّ الشرفاء في العالم مؤكدةً أنها لو علمت بحضور ذاك السفير من السلطة لما بذلت هذا الجهد أبدًا ولا تلبث الرسالة دقائق حتى يهاجمها أحد أبناء التيار المؤيد للسلطة بغرض تصغيرها وإسكاتها والهيمنة المطلقة على الرأي والكلمة. وكعادة بعض الذكور الضعفاء الذين لا يملكون حجة ولا قوة، حين يريدون إسكات فتاة يبتدئون بالطعن في مكرمتها فلا يكون للفتاة التي تربّت على الفضيلة من حيلة إلا أن تلوذ بالصمت وبالمغادرة وفي الغالب في البيئات العربيّة لا تنتهي القصص هكذا بل ينهض أبناء المقاومة للدفاع عن قضيّتهم وعنها، ويتحول الأمر في العادة إلى معركة إلكترونية تثير الشفقة في ظلّ كلّ ما كان يعانيه أهل غزّة من موت وقصف وتدمير تنتهي المعركة العنيفة التي كان يقودها جنود إلكترونيون خبراء في الصدّ والردّ بإغلاق المجموعة ودعوة الجميع لفضّ النزاعات والاحتكام للعقل والمنطق!
ثانيًا: في الانتفاضة المصريّة التي انتهت باستشهاد الدكتور مرسي وتهجير الأصوات الحرّة وسجنّ العلماء والشيوخ، وانقلاب السيسيّ الذي كتب على عرشه قائلًا: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي. انقسم الشعب المصريّ حتى في الاتحاد إلى قسمين؛ فالطلاب الذين تهجروا مع عوائلهم لم تكن الدراسة في تركيا لهم خيارًا بل كانت جزءًا من سلسلة لم يكملها الذي تحدّث عن المعذبين في الأرض. أما القسم الآخر من الشعب المصريّ فيأتي إلى تركيا كنوع من الرفاهية المتمثلة في الحصول على مقعد دراسيّ أفضل، أو في تجربة العيش في الغربة، أو في بعثة طلابيّة. وفي كلّ عام يتصارع الطرفان وكأنّ مجزرة رابعة كانت البارحة وفي أغلب الأحيان ينتصر الدكتور مرسي الرجل الطيب صاحب الملامح المصرية المتعبة القديمة. فالدكتور مرسي سيفوز في الانتخابات المصريّة إلى قيام السّاعة حتى وإن كان الوجه ليس وجهه والروح ليست روحه… نحن المتفرجون نصفق، نهنئ، ونمضي!
ثالثًا: يعاني اتحادنا اليمني من حضورٍ واضح لروح القبيلة والعشائرية في بنيته الداخلية، إذ تتحكم الانتماءات المناطقية والعائلية في كثير من قراراته، وتفرض ظلالها على طريقة إدارته للشأن الطلابي. هذا المناخ يجعل من الصعب بناء مساحة مشتركة حقيقية تقوم على الكفاءة والرؤية، بدل العلاقات والولاءات التقليدية.
وما يؤسف له أن دور الفتيات ضعيف للغاية، بل يكاد يكون غائبًا تمامًا. فالفتيات اليمنيات، في الغالب، مغيّبات عن المشهد، لا يشاركن بفاعلية في الحياة الطلابية ولا في النقاشات السياسية التي تمس مستقبل بلدهن وفي الغالب يعود ذلك لأنّ أغلب اللواتي جلست معهنّ حتى هذه اللحظة ينحدرن من عائلات من طبقة المثقفين ورجال الدولة الذين خرجوا من اليمن بعد ما حصل في بلادهنّ. وفي الغالب الفتيات من تلك الطبقة يكنّ غير معنيات بالوضع السياسي. فالآباء وخاصة رجال الدولة يحاولون كلّ المحاولة أن يصنعوا فتيات رقيقات جميلات بعيدات كلّ البعد عن القهر السياسيّ؛ لأنّهم يعرفون جيدًا أنّ السياسة تحولت أو كانت من البداية فنّ إراقة الدماء وهذا ما لا يريدونه بالفعل لبناتهنّ.
رابعًا: يجب علينا أن ننزل قليلًا نحو الجنوب، لنتمعّن بعمق في المجتمع التشادي الإفريقي، ثم نصعد بعدها إلى المدينة لنفهم تعقيدات الاتحاد الطلابي التشادي، ونقف عند الدور المهمَّش للمرأة التشادية التي لا تزال تعاني من انتهاكات وصور متعدّدة من الإقصاء.
المجتمع التشادي مجتمع شديد التعقيد؛ تتداخل فيه القبيلة مع الدولة، والعادات الراسخة مع محاولات التحدث، وتثقل كاهله أزمات اقتصادية وسياسية مزمنة، تركت أثرها العميق على الوعي الجمعي للناس، وخاصة الشباب. وفي ظل هذا الواقع المضطرب، تُدفع المرأة التشادية إلى الهامش، تُحمَّل أعباء الحياة دون أن تمنح مساحة عادلة للحضور والمشاركة، فتواجه قيودًا اجتماعية متمثلة مثلًا برفض طلبها للزواج في حال مشاركتها في الأعمال الميدانيّة إذ تحمل بتلك المشاركة في نظرهم عارًا، وتواجه أيضًا تحديات ثقافية، وانتهاكات صامتة تجعلها بين مسؤوليات كبيرة وحقوق ناقصة.
خامسًا: نحن في الاتحاد السوري صراعاتنا أقرب إلى حروبٍ داميةٍ ولكن بلباسٍ حضاري. ولا أرى من العدل أن نُلام على ذلك أبدًا؛ لأننا أبنـاء تجربة قاسية ممتدة عشناها نحن وآباؤنا تحت سلطة استبدادية لعقود طويلة ثم اندلعنا في ثورةٍ داميةٍ قُتل فيها وهُجّر واعتُقل ما لا يُحصى من الناس ثمّ بعدها انتصرنا وخضنا تجربة إعادة تشكل الوطن: علمٌ جديد وعملة مستحدثة وشعارات مختلفة ووجوه سياسية لم نعرفها من قبل.
وحين فُتح المجال أخيرًا للطلاب ليترشحوا ويصوّتوا ويشاركوا في قيادة المشهد السياسي داخل الاتحاد اندفع الجميع بقوّة جارفة. وهذا بالذات ما يحدث عندما تحتجز ماءً خلف سدٍ مغلق ثم تفتحه فجأة فكان كلّ طالب يشعر في داخله أنه الأجدر والأحقّ بالقيادة وبتجربة المعاني السياسيّة التي كنّا نرددها طوال أربعة عشر عامًا. وهذا مؤشر خطير جدًا إن لم يعِ الشعب السوريّ خطورته وحجم الكارثة وراءه بل هذا ما سيجبرنا إن استمر على اختيار الرئيس أحمد الشرع كحل سياسيّ وحيد لعقود طويلة!
التفكك العربي حاضر حتى في الاتحادات الطلابية. ففي أحد الأيام جمعت الجامعة رؤساء الاتحادات، وطلبت منهم تزويدها بأسماء الطلاب الأكثر فقرًا وتضررًا لتمنحهم تخفيضًا يتجاوز 50% من الرسوم الدراسيّة بشرط أن يكون الطالب فقيرًا ومتضررًا ومتفوقًا كما أوصتهم بعدم نشر الخبر بين الطلاب، حتى لا تجد نفسها أمام موجة اعتراضات ومشكلات تنظيمية وبالفعل التزم معظمهم، وقدموا القوائم مطلوبة، باستثناء أحد رؤساء الاتحادات الذي يضمّ اتحاده إلا عددًا قليلًا من الطلاب نشر الخبر في مجموعته، وأخبر الطلاب بإمكانية تقديم طلب اعتراض فتقدموا واعترضوا جميعًا، وحصلوا على التخفيض، ثم نشروا الخبر لأصدقائهم، وأصدقاؤهم نشروا لأصدقائهم، حتى انتشرت العدوى في كلّ مكان وشاع الأمر بين الجميع.
وهنا وقعت الكارثة على رأس رئيس اتحادنا السوري، واشتعل الجدل في مجموعاتنا لأكثر من عشرين يومًا. والحقيقة أنّ الطالب وقع بين نارين حقيقيّتين: نار الجامعة ونار الطلاب الذين يشكلون أعدادًا كبيرة جدًا. ولو نشر الخبر لتزاحم آلاف الطلاب في مبنى شؤون المنح الدراسيّة، ولربما عُوقب لعدم التزامه غير أن أحدًا لم يحاول أن يتفهم موقفه أو أن يعذره ولا أعرف أين تكمن المشكلة ولربّما المشكلة الحقيقيّة تكمن في قبوله أن يتسلم هذا الأمر منذ البداية. ربّما كان عليه أن يرفض باعتبار أن أعدادنا كبيرة جدًا ومن أين له أن يعرف كلّ أسماء الفقراء والمتضررين والمتفوقين!

الطلابيّة… من هنا تُصاغ ملامح العالم 3 الاتحادات الطلابيّة… من هنا تُصاغ ملامح العالم

تجربتي في الاتحادات الطلابيّة لم تنته عند هذا الحدّ. ولقد ابتدأت في تركيا بعد أن قدمت إلى جامعتي بأيّام عندما رأى حالتي التي كنت واضعة فيها كعادتي أبيات شعريّة، أو حركات ثوريّة، أو رؤى اجتماعيّة. شخص ساعدني في التّسجيل على الجامعة، وكان من المترشحين للانتخابات فطلب منّي أن أتسلم أحد مكاتب الاتحاد، فرفضت يومها لقلة التّجربة ولأنني لا أعرفه، ولا أعرف أحدًا في هذا المكان. ولقد رأيت في تلك السنة شراسة المنافسة على السّلطة والتحديّ الكبير الذي خلق زعزعة في نفوس النّاس بغير حكمة. ولقد قسّموا النّاس يومها في تلك المدينة قسمين؛ فكان هناك هرج ومرج كبيران بين تلك الشخصيتين المتنافستين الأولى منهما، والتي كانت تملك اسمًا طويلًا في مساعدة الطلاب، وتقديم الخدمات لهم، بعضها بالمجان، وبعضها الآخر مأجورًا. والآخر، كان ابن عائلة كبيرة من الشيوخ، وكنت عندها صغيرة لم أستطع معرفة الأسباب، والدوافع التي جعلتهم يتنافسون إلى هذا الحدّ وهذا ما جعلني أقف في المنتصف. فالصغار في العادة يتعلقون بثياب أمهاتهم عندما يكفهرون من بشاعة الموقف دون أن يعبّروا. ولمّا فاز الشاب ابن العائلة الكبيرة لم يستسلم له الآخر بل أقام فريقًا موازيًا، وبقي طيلة السنة يقدّم برامج خدميّة مثل الدروس، والمحاضرات، وتسجيل الطلاب مجانًا فالذي حدث بين الشابين باختصار ما يحدث عند المنافسة على السلطة، وعلى الرئاسة وعلى تبني الموقف السياسي!
في يوم من الأيّام تمّ دعم الاتحاد العام لطلبة سوريا من خلال مؤسسة كان مجهولة البعد السياسيّ والإيديولجيّ ولمّا حاولت فتح صفحاتهم والإطلاع على أعمالهم لم أجد ما يهدي الحيران أو ما يسقي الظمآن وبمجمله كان يدعو للعولمة ويقوم على نفس مبادئ النظام البائد وهو تبادل السلطة واللعب من تحت الطاولات. ولمّا تنبه الشيوخ والعلماء لذلك دفعوا أبناءهم دفعًا في الاتحادات الطلابيّة وحرّضوهم على إنشاء اتحاد مضاد ودفعوا من أجله مبالغ لا يستهان بها حتى استطاعوا أن يطفئوا نوره وأن يستبدلوا غيره به! ولقد بدأت حكايته بمسابقة قرآنيّة خصصت لها جوائز كبيرة واستطاعوا أن يروجوا لها من خلال أبنائهم الذين كانوا في الجامعة. فنشروها في كلّ مكان حتى وصلت إلى كلّ طالب سوريّ في الجامعات التركيّة .
لربّما من المهمّ جدًا أن نتحدث في هذه المقالة على تقمص الشخصيات ولعب الأدوار في هذه المرحلة العمريّة وعليك ألا تستغرب أيّها القارئ عندما أقول لك إنّنا في هذا المجتمع الصغير نقلد شخصيات عديدة. وعن نفسي حتى لا أذهب بعيدًا كنت دائمًا أحرص أن يكون حضوريّ حضورًا ثقافيّا فلم أقبل في يوم من الأيّام الا أن أعامل كمشروع كاتبة. وإن كان ما أقول مضحكًا وسخيفًا بالنسبة لك لكن في الحقيقة هذا ما يحدث. وفي يوم من الأيّام عندما تمت دعوتي للمشاركة في أعمال الطبخ رفضت رفضًا قاطعًا على الرغم من حبّي الشديد له فأنا أؤمن بأنّ الطبخ فن ومرآة صادقة تعكس الحالة النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، بل لربما الوجدانية لصانعه؛ كما تنطق اللوحات بألم الحروب، وتغني بالملاحم، وتبكي على أطلال العشق والهيام، كذلك تفعل الأطباق تهمس بما لا يُقال، وتُعبّر عما يخالج الروح ويعبر الخاطر ففي نكهة حادة قد تسكن ثورة، وفي مذاق حلو قد تنام ذكرى، وفي تفاصيل التقديم قد يختبئ شوق، وتعب، أو حتى حنين صامت.
وفي كل مرة نطبخ فيها ننسج حكاية، نخط رسالة، ونترك أثراً يُقرأ على أطراف الموائد كأنها مشاعر تسكب في القدور، وذكريات تنثر في الأطباق وأسرار تُقدَّم ساخنة على هيئة طعم، ولون، ورائحة .
وأذكر أنّني على إثر ذلك الطلب قدمت اعتذارًا بالخروج من الفريق تمامًا ولمّا قدموا لي اعتذارًا مرة ومرتين وعشرة، سائلين عن السبب قلت إنّني ما حلمت يومًا أن كون طباخة في العمل المجتمعيّ وإن كان ولا بدّ فقدور منزلي تروق لي أكثر!
الكثير من الطلاب يتقمصون الشخصيات بجدارة وعندما تذهب إلى الفعالية ترى ذلك بوضوح؛ فكل ربطة عنق تكون مشابهة لربطة عنق رئيس معين وفي نظرة العين تكمن الآمال والطموحات وفي الوقوف يرسم التحدي أما عن استقبال الشخصيات فمن هناك تبدأ الحكاية .
في الحقيقة أنا أقبل من الجميع تقمص الشخصيات؛ فالإنسان يطمح دائمًا لمراتب عاليّة. لكن ما لا أقبله وما لا أفهمه قبول بعض الطلاب أن يُجعلُوا طباخين أو مقدميّ أطباق أو أن يوقفوهم إما بالتراضي أو بالحيلة عند الاستقبال. نعم أنا أتفق مع قارئي أن كلّ الأعمال نبيلة في الحياة العاديّة الطبخ وتقديم الأطباق والاستقبال لكن هذه أشياء تفرضها الحياة الصعبة والمعيشة المكدرة والألم الذي لا يرحم في هذا العالم البائس. وقد تضطرنا الحياة أن نعمل نحن أيضًا بتلك الأعمال لكن أين يكمن اضطرار الطالب في أن يستعمله غيره، في أن يجلس أحدهم لمناقشة الأفكار وأن يُقنع هو ليقدم القهوة؟
رحلتي في الاتحاد لم تنتهِ؛ فأنا أؤمن بما قاله هتلر: أولئك الذين يريدون أن يعيشوا دعهم يقاتلون، وأولئك الذين لا يريدون القتال في عالم الصراع الأزلي لا يستحقون العيش، لذا لمّا كانت حياتنا مليئة بالصراع من كلّ جانب لم يكن هناك مجال للوقوف على الحياد في كلّ مسار، سواءً الطلابيّ أو غيره. لكن الآن وبعد أن انتصرنا، يبقى السؤال: هل حقًا انتهى الصراع لدرجة أن الحياد أصبح خيارًا آمنًا لا يهددنا ولا يهدد وحدة وحريّة بلادنا؟! لا أعرف الجواب حقًا ولكن أنا كهتلر أؤمن بسنّة التدافع التي خُلق معها النّاس. وسوريا بالذات أرض ملاحم وبطولات وكلّما خمدت نار الحرب فيها أشعلها الذين لا يريدون السّلام والحريّة في هذا العالم!
ولقد طُرق بابي هذه السنّة من قبل كلّ الفرق التي ستترشح؛ فكلّ واحد منها وجدني في مكان، بعضهم وجدني في مجال الصحة، والآخر في مجال الثقافة. فرأيت نفسي موصدته أمام الجميع ليس ابتعادًا ولا حيادًا ولا هروبًا وإنّما أملًا ورجاءً بالغد الأجمل، الغد الذي يقول فيه المتنبيّ:

والمرء يأمل والنفوس نفائس
والشيب أوقر والشبيبة أنزق

نهايةً، الاتحادات الطلابية أشبه بنبضٍ مبكر لحياةٍ عامة مستقبليّة لم تتشكّل بعد، بل هي المساحة الأولى والأخصب التي يتعلّم فيها الشباب لغات التأثير ويختبرون فيها شهوة الحضور والقدرة على تغيير الواقع. وفي أروقتها تتكثّف ملامح المجتمع الكبير: صراعاته، أحلامه، تياراته المتباينة، ورغبته الدائمة في أن يُعاد تشكيله من جديد!
وفي طيّات فعاليّاتها تصاغ المواقف أمام جمهور الأقران والمحيط، وتُبنى التحالفات على مقاعد الدرس وتتحول نقاشاتها لتصبح تمرينًا على المواطنة والريادة! ولأن الجامعات كانت دائمًا مهبط الأفكار الأولى تكون الاتحادات الطلابية مرآة مضيئة للمشهد السياسيّ الخارجيّ، وأحيانًا شرارته التي قد تمتد أبعد مما يُتوقّع!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى