
قدَّرَ اللهُ لي أن أشاهد الحوار المبثوث حول “الشيخ ابن تيمية” في ساعاته الثلاث كاملةً، على قناة “رواسخ” في موقع “يوتيوب”. وقد سعدتُ بإدارة صديقي العزيز الأديب خالد بريه له، وما أشاعه فيه من قيمَتَي التدخل الهادئ والمهذب، وإيلاء الفرصة للضيف الكريم للإدلاء بمُراداته في موضوع الحلقة. كما سعدتُ بمشاركة الباحث د/ ثائر حلاق ضيفًا كريمًا.
أنا امرؤ لا أحب إثارة الجدال والنقاشات العمياء التي لا طائل وراءها. لذلك لزمتُ موقعي مُشاهدًا دون تعليق إلا من كلامٍ نفسيٍّ جال في خلدي، دون كلام الشفاه؛ كان كلامي النفسيُّ مُنصبًّا حول أمر آخر أوسع أفقًا من فضاء المعلومات الواردة في الحلقة، وما يدور حولها من نقاشات مطولة بين مُثبت ونافٍ. ولم يَضِرْني همُّ التعليق عليها. ثم إني رأيت تعليقات من باحثين وأهل علم يثنون على الحلقة، ويحتفون بها وبما أتى فيها من “علم”. فرأيتُ أن أسطر رأيي فيما كان في الحلقة؛ أعِلمٌ هو أم شيء آخر؟
طالعتُ في هذه الحلقة ضيفًا عاشقًا هيَّامًا فيَّاض المشاعر تجاه معشوق له؛ هو الشيخ “ابن تيمية”. فهي أقرب ما تكون لحوار المَحبَّة لا نقاش البحث. ولم أطالع باحثًا يمارس البحث بضوابطه والعلم بأصوله. بل إن أبرز ما في الحلقة كمن فيما جسَّدتْه من تمثيل حقيقيّ لـ”اللاعلم”، فالحلقة غير علمية من ابتدائها إلى نهايتها، بل لو أُريد أن يُشرح للطلاب ما هو غير علمي، لكانت الحلقة مثالًا طيبًا لذلك الغرض.
ولقد تجاذب أهل العلم الجادُّون الخلافَ حول الأستاذ ابن تيمية وما أتى به من آراء، على أطراف معروفة للمختصين؛ كلٌّ منهم يحاول إثبات رأيه بطرائق العلم، وكلٌّ منهم يحاول دحض رأي المخالف بطرائق العلم كذلك. والتعليقات حول ما أتوا به تعليقات “علميَّة” حول سلوك “علمي”. أما حلقتنا هذه فمثَّلتْ مغامرة في أعالي البحار، وضيفنا الكريم فلم يرتضِ الرُّسُوَّ على مرفأ العلم الآمن، بل راض لُجَّ القاموس، في سلوك شجاع يبلغ حد التهور.
العلم -في مفهومه العميق والإجرائي- مجموع طرائق تصون وتُرشِّد سلوك الإنسان المعرفي؛ فلا يضل ولا يشطح، ولا يجاوز حد السلامة. لذلك طريق العلم طريق مقيَّد لا حر، أيْ لا حريَّة مطلقة في العلم؛ بل هو سير على سُنن متبعة في التصور والمعالجة والاستنتاج، وهو طريق مليء بالاحتراز والتحديد والتجزيء والاقتراب من محل البحث. وهذا ما يخالف فيه العلمُ الشعرَ؛ فالشِّعر أوسع أفقًا وحريةً، والأدب -عامةً- به تلك الحرية، والمُدوَّنات -مكتوبة أو مَقولة- التي تُشبه العلم في ظاهرها تشاركهما هذه الحرية أيضًا. والحرية في الأدب ليست خداعًا، أما الحرية في السلوك ذي المظهر العلمي فتحمل الكثير من مكامن الخداع والزيف. ولا أقصد من حديثي أن أدين الضيف الكريم بتهمة الخداع، بل أبغي التبيين لأمر الخداع الواقع دون قصد منه، فما قصده إلا الهُدى، لكنْ في اعتقادِهِ وحَدِّهِ هو.
وبتطبيق ما سلف على حلقتنا: فإن محل الحوار العلمي هنا شخصية، هو الفقيه الحنبلي “أبو العباس، تقي الدين، أحمد بن عبد الحليم، ابن تيميَّة” (ت 728هـ). والأصل في الضيف أنه باحث، وقد استضيف من هذه الحيثية. لكنَّ ما أتى به السيد الباحث الكريم في الحلقة جاء مُباينًا للعلم ومبادئه الأصيلة، وروحه وجوهره. وكان أقرب ما يكون للصورة الشِّعريَّة والرُّوح الشِّعريَّة اللتين تقومان على أُسس المبالغة الشديدة، وتجاوز الحقائق، وتضخيم محل الكلام، والحرية في رؤية هذا المحل كما يتصور الشاعر نفسه.
ولقد تمثَّل ما أتى الضيف الكريم من تجاوزات علمية فيما سمَّاه “فرانسيس بيكون” في كتابه “الأورجانون الجديد” بـ”وهم الكهف”؛ وهو وهم يتعلق بالفكر الإنساني، يجعله يرى الأشياء من خلال نظرته الشخصية الفردانيَّة المطلقة، وحسب تعلقه بها، وفي سياق تعليمه وقصة حياته وشعوره. فكأنه يرى الأشياء من كهفه الخاص (وجهة نظره الخاصة)؛ فمتى نظر إلى الشيء نفسِهِ الآخرون لم يروا ما يراه، لأنهم ليسوا داخل كهفه. وأكرر أن هذا النمط من النظر ليس عيبًا من الشعر، بل هو الشعر نفسه؛ لكنه عيب في النظرة العلمية لأنه مخالف لطبيعتها.
وهذا الوهم هو ما طالعنا به السيد ثائر حلاق في الحلقة، فقد وقع في حال تماهٍ ذاتيٍّ تامٍّ مع موضوع البحث، إلى حد باين فيه كافة القيم العلمية والتدابير الصحيحة في التعامل مع موضوعات العلم. فنحن في الحلقة لا ننظر إلى “ابن تيمية”، بل إلى “تشكيل ثائر المحب لابن تيمية” وكيف رأى شخصية محبوبه. ويجب التنويه على أن الضيف صرَّح بنفسه بما يشبه هذا الكلام من استيلاء الشخصية التيمية عليه، ومدى تملكها منه.
وقد تمثَّلت أبرز العوارات المنهجية التي قدمها لنا الضيف الكريم عن “ابن تيمية” في المحاور الآتية:
1. إخراج الشخصية “محل البحث والكلام” عن حيزها المنهجي التاريخي -أقصد هنا رؤيتها ضمن حدود مذهبها الفقهي الحنبلي، وفي زمنها، وفي ظروفها-، ثم رؤيتها شخصيةً كَونِيَّةً تهيمن على كل معرفة وترسم الطريق لكل موقف.
2.التمركز حول الشخصية إلى حد صعُب فيه الفصل بين “الشخص” (ابن تيمية) و”المجال” (الإسلاميات)؛ فلم يعد الكلام حول فقيه ومتكلم ذي آراء محددة تُبحث، بل رأى الباحثُ الأستاذَ ابنَ تيمية مِصداقًا حقيقيًّا (أيْ ماصدق بالتعريف المنطقي) لمفهومَيْ القرآن والسنة. وهذا الحد من الاشتطاط بمكانٍ لا يُتصوَّر. ولمَّا آمَنَ بما آمن حَوَّلَ الشخصيةَ نفسَها “ابنَ تيمية” إلى كهفه الخاص المُؤسِّس لنظرته لسائر المشكلات والمسائل.
3.التعصب الشديد في جعل الشخص “الشيخ ابن تيمية” معيارًا للحق والباطل، وهذا من أشد ما ألقى علينا في حواره. ومن أدخَلِهِ في التحكُّم بالهوى، وأخلفِهِ لمبادئ الشرع الإسلامي.
4.التعسف الشديد في الآراء حول الشخصية المبحوثة؛ حيث رآها شخصية فوق الجميع، ورأى كل مخالف لها حاقدًا أو حاسدًا أو جاهلًا.
5.المجازفة الحادة في بعض الادعاءات، من مثل الادعاء بعدم وجود عالم واحد يستطيع أن يعرف آراء المدرستين الأشعرية أو الماتريدية كاملة. مُتناسيًا أنهما المدرستان الأصيلتان في جميع أرجاء العالم الإسلامي إلا النادر من بقاعها، وأن العلماء عليهما معدودون بمئات الآلاف.
وليس أبين في التدليل على العوارات السابقة من استحضار بعض أقوال الضيف الكريم. لنكتشف أن الضيف رأى الشيخ ابن تيمية منتهى سلم المعارف، في قوله “ابن تيمية يُنتهى إليه، لا يُبدأ به”. وأنه أفضل من عصره كاملًا ومن شيوخه والسابقين عليه، بل كل أمة الإسلام، في قوله “أبحَرَ في منطقة جغرافية ما وصل إليها شيخ من شيوخه، ولا من شيوخ المذاهب الأخرى”، وفي قوله “هذا الرجل -كما يتراءى لي- كان أكبر من علماء عصره ومن علومهم”. ولمَّا سأله السائل عن شيوخ ابن تيمية، ردَّ بعضَ ردٍّ، ثم خرج عن حيز اللائق، قائلًا: “إن الله خلق هذا الرجل لا يحتاج إلى شيوخ”.
ومتى وصلنا إلى هذا الحد من الاشتطاط البالغ، فلا عجب من مشاهدة الضيف يُصرِّح بأن الشيخ ابن تيمية أعلم بالاعتزال من المعتزلة، وبالتشيُّع من الشيعة، وبالأشعرية من الأشاعرة، وبالماتريدية من أهلها. وبالقطع لمَّا كان الشيخ على هذا القدر من العلم والفهم، صار الجميع لا يحيطون بعلمه، في قوله “لا يمكن أن تحيط علمًا بتراثه”. حتى رأى تناول الوهابية -وهم الذين طبقوا النظرة نفسها- ومئات الدراسات التي حشدوا بها الفضاء عن الشيخ “كأننا أمام جبل ظاهر يُرى من كل الجهات، ثم قيل لنا انظروا إليه من خرم الإبرة”. والكلام لا يحتاج إلى تعليق يبين عواره.
ومتى استقرَّت هذه التأسيسات جميعًا، سُوِّغ أمامنا موقفُ الضيف في جعله الشيخ ابن تميمة أقرب إلى دين وعقيدة “لا يوجد حلول وسطى في التعامل مع هذا الرجل، أن أكون نصف تيميّ هذا ليس واردًا في التعامل” .. “ابن تيمية عبارة عن كل متكامل؛ إما أن يؤخذ هذا الكل أو أن يترك”؛ لأنه يراه مصداقًا وحيدًا ونهائيًّا للكتاب والسنة دون مُخالفيه “فكرة ابن تيمية قائمة على الولاء والبراء للدين، وعلى فكرة الانتصار للوحيين”.
وإذا سمحتُ لنفسي أن أدرس ظاهرة التعلق الغائر بين السيد ثائر والشيخ ابن تيمية؛ لرجَّحتُ أنَّ أصل التماهي بينهما هو رؤية الضيف للملمح الثوري في شخصية ابن تيمية، ومدى إعجابه بموقف “الثائر” -السياسي والفكري- في حياة الشيخ ابن تيمية. ولعلَّ التشابه بين موقف الباحث من السلطة القائمة وموقف ابن تيمية من بعض -أو كل- ما جرى في عصره أحدثت لُحمة قوية بين الشخصيتين، وأشربت ثائرًا عشق الشيخ ابن تيمية. ومتى سلك المرء هذا الطريق أسقط على المحبوب كلَّ صفة كمال حُقَّتْ في نظره.
ومن أقواله التي عبَّر فيها عمَّا قلتُ، ودلَّتني عليه: “نحتاج من العالِم الموقفَ، لا نحتاج من العالِم الرأي” .. “كان مجتهدًا، كان عالِمًا كبيرًا .. مشى عكس التيار” .. “نحن نعيش في زمن يتشابه مع الزمن الذي عاش فيه ابن تيمية”. كما رآه صاحب أعظم المواقف في التاريخ الإسلامي، وهو ما عبَّر عنه بقوله “نحن لو انتزعنا المواقف الشجاعة لهذا الرجل -أقصد المواقف الجهادية ضد الآخر- سيتحول ابن تيمية مثل غربال، كله ثقوب وعيوب”. وإنْ كان بهذا القول أساء التعبير عن مقصوده، لكنه قصد به تعزيز مواقف الشيخ لا الذم فيه، فهو لا يرى فيه أية مَذمَّة.
وأضيف عاملًا آخر يعضد هذه النظرة الخاصة؛ هو ما استحضره السيد ثائر من شيوخه الذين قابلهم أو تأثر بهم في مصر؛ فقد استرشد بتجارب السادة: مصطفى حلمي، ومحمد السيد الجَلَيَنْد، ومحمد رشاد سالم، وخليل هرَّاس .. وكلهم مغرقون -مثله تمامًا- في التماهي مع الشيخ نفسه، فهؤلاء قووا وعمقوا في نفسه ما أسقطه على الشيخ من منظومة قيمية وفكرية.
ولن أعرِّج على المعلومات التي ذكرها الدكتور في الحلقة، وليس معنى عزوفي أنها صحيحة. لكنْ استوقفني أمران لطيفان، أذكرها:
الأول أن الضيف الكريم اعترف أن الشيخ ابن تيمية ليس على عقيدة الحنابلة. وهو بهذا قد اعترف بمخالفة الشيخ لمدارس أهل السنة والجماعة العظمى: الأشعرية والماتريدية والحنابلة. وهذا ما تناضل ضد الاعتراف به السلفية المعاصرة في أدبياتها، ويروِّجون لعكسه.
والأمر الثاني أن الضيف الكريم اعترف بتأثر الشيخ ابن تيمية بالمعتزلة وابن رشد وابن سينا وبعض مفكري اليهود. وهذا الاعتراف -الذي يعرفه المتخصصون ويبدو واضحًا كالشمس- دونه خرط القتاد في المدرسة السلفية المعاصرة، بل يظن غالبهم أن الشيخ كان مخالفًا مخالفة حادة لهم، رغم أنه متفق معهم في كثير من الأصول والأفكار.
وبعد، فهذه تعليقة مختصرة جدًّا. ما أردت منها إلا المشاركة في الحراك الفكري والثقافي، مع تقديم كامل الاحترام للضيف الكريم د/ ثائر حلاق، والبرنامج المتميز، والقناة. ولا يفسد الاختلاف في الرأي للود قضية.

ملاحظات عميقة بأسلوب راق…
ماشاء الله شكرا لك على هذا التعليق المهم والمنصف ولعل الدكتور يعود لرشده
ما رأيت متعلقا بابن تيمية إلا ووجدت القسوة عنده والحدة في خطابه