أشتات

الدَّهِينُ بِالخِيَانَةِ

تالله، لقدْ آلَمَنِي وآلَـمَ كُلَّ حُرٍّ ذلك المشهدُ الخَسيسُ الَّذي وقفَ فيه ذلك الحقيرُ اللَّعينُ، غسَّانُ الدُّهينيُّ، وهو يُهينُ مُجاهدًا قسَّاميًّا شريفًا، أنهكَهُ الجوعُ بعدَ شُهورٍ قَضَاها صَائمًا في الأنفاقِ، شهورٌ قاسياتٌ تَنوءُ بحملِ لأْوائِها الرَّواسِي الشَّامخاتُ، ومن عَجَبٍ أنَّ ذاكرَتَهُ الـمُتْرَعَةِ بالنَّجاساتِ لم تُسْعِفْهُ إلَّا بِتشبيهِ ما يحلمُ الخونةُ واهمينَ بِفِعْلِهِ في رجالِ المقاومةِ بـما فَعَلَهُ المجرمونَ الإسبانُ- في ظلِّ محاكمِ التَّفتيشِ- بِبقايا المسلمينَ في الأندلسِ، في مأساةٍ إنسانيَّةٍ  كانتْ ولا تَزالُ سُبَّةً في تاريخِ الإنسانيَّةِ بِرُمَّتها، ثمَّ قام بتسليمِهِ إلى قُوَّاتِ الِاحتلالِ، في مشهدٍ يحملُ أوْضعَ مَعانيِ الخِسَّةِ والنَّذالةِ، والخيانةِ والعَمالةِ، فلئنْ شئتَ أنْ ترى نموذجًا حيًّا لِـمَنْ مَثَلُهُ كَمَثلِ الكَلْبِ إنْ تحملْ عليه يَلهثْ أو تتركْهُ يَلهثْ، فلنْ تَجِدَ أحقرَ من هذهِ الجيفةِ على الإطلاقِ، وإنْ رُمْتَ أنْ تَرى خِنزيرًا في مِسلاخِ آدميٍّ فانظرْ إليه، ثمَّ أغرِقْهُ بِالبُصاقِ، وشَيِّعْهُ بِاللَّعناتِ إلى شرِّ مَساقٍ!
لقدْ فتَّشْتُ في محفوظِي من الشِّعْرِ- على كَثْرَتِه- فوجدتُ كلَّ ما أعرفُ من فاحشِ الهِجاءِ دُونَ وَصْفِهِ؛ لأنَّ وَضاعةَ مَسْلَكِهِ ودناءَةَ فَعْلَتِهِ ممَّا تقفُ أمامَهُ قَواميسُ اللُّغةِ عاجزةً حَسيرةً، فترتدُّ الكلماتُ في حلقِ قائِلِها صاغرةً مُستجيرةً، فواعجبًا للهُوَّةِ السَّحيقةِ التي يمكنُ أنْ تُلْقِيَ فيها الخيانةُ أولئكَ الأنجاسَ، وللدَّرْكِ الجَهنميِّ الذي ينتظرُ أولئكَ الأرْجاسَ!
ولأنَّنا في زمنٍ نَكِدٍ لم يَعُدْ فيه الخائنُ يبتغي نَفقًا في الأرضِ يُواريهِ عنْ أعيُنِ الرُّقَباءِ، بل صارَ يشمخُ بأنِفِهِ مُطاولًا عَنانَ السَّماءِ، فلا مناصَ من إرغامِ هذه المعاطِسِ، ورجمِ هذه الجِيَفِ كرجمِ قبرِ أبي رِغالٍ، بحَصَياتٍ مُلطَّخَةٍ برجيعِ الكِلابِ وقَيْءِ الخَنازيرِ.
لَقَدْ تُوُرِثَتْ مِهنةُ الخيانةِ صاغرًا عن صاغرٍ منذُ قديمِ الزَّمانِ؛ فَمَا أكثرَ ما قذفتْ مُستنقعاتُ الانحطاطِ البشريِّ بتلكِ الجِيَفِ الـمُنْتِنةِ، ابتداءً من يَهوذا الإسخريوطيّ الذي يعتقدُ النَّصارى أنَّهُ هو الَّذي دلَّ اليهودَ على مكانِ المسيحِ عيسى ﷺ مقابلَ ثلاثينَ قطعةً من الذَّهَبِ، ثمَّ ماتَ مُنتحِرًا، ومُرورًا بأبي رِغَالٍ الثَّقفيّ، الذي عملَ دَليلًا لجيشِ أبرهةَ الأشرمِ في طريقِهِ إلى مَكَّةَ لهدمِ الكعبةِ، لكنَّهُ ماتَ قُبَيْلَ وُصولِهِ إليْها، فَدَفَنُوهُ حيثُ ماتَ، وصارَ قبرُهُ مَرْجَمًا لِكُلِّ مَنْ مرَّ به، حتَّى قال جريرٌ (ت110هـ) في هجائِه الفرزدقَ (ت110هـ):

إِذَا مَاتَ الفَرَزْدَقُ، فَارْجُمُوهُ

كَمَا تَرْمُونَ قَبْرَ أَبِي رِغَالِ

ووصولًا إلى ابنِ العلقمِيِّ، الَّذي كان وزيرًا للخليفةِ المستعصِمِ آخرِ خُلفاءِ الدَّولةِ العباسيَّةِ، والذي تَواطَأَ مع هُولاكُو ضدَّ الخليفةِ، وأعانَه على تدميرِ بغدادَ، فَقَتَلَ ما لا يقلُّ عن مليونِ إنسانٍ منْ سُكَّانِها، ثمَّ قتلهُ هُولاكو شَرَّ قِتْلَةٍ، وانتهاءً بعصابةٍ قذرةٍ من الجواسيسِ في العصرِ الحديثِ، الذينَ باعوا أنفسَهم لعدوِّ الله وعدوِّ الأُمَّةِ مُقابلَ أعراضٍ دُنيويَّةٍ زَائفةٍ زائلةٍ، من أمثال: هبة عبد الرَّحمن سليم، وزوجها فاروق عبد الحميد الفقيّ، وعزَّام عزَّام، وانشراح عليّ موسى، وزوجها إبراهيم شاهين، وغيرهم ممَّنْ تحتفظُ سِجَّلاتُ المخابراتِ بملفَّاتهم النَّجسةِ، حتَّى إنَّه لَيُمكِنُنا أنْ نصفَ هذا الزَّمنَ النَّكِدَ بأنَّهُ عصرُ أبناءِ العَلقميِّ، فقدْ عَنْوَنَ الشَّاعرُ اليمنيُّ الكبيرُ عبد الله البردُّونيُّ (ت1999م) إحدى قصائدِ ديوانِه: (ترجمةٌ رمليَّةٌ لأعراسِ الغُبارِ) بعنوانِ: عَلَاقِمَة، يصفُ فيها زمنَ الهزيمةِ الذي تحكَّمَ فيه الخَوَنةُ، وتصدَّرَ فيه الأذنابُ، وَسَادَ فيه أحفادُ ابنِ العلقميِّ، واسْتَنْوَقَتِ الجِمَالُ، واسْتَنْسَرَ البُغاثُ، وَتَثَعْبَنَ الحُفاثُ، واختلَّتْ كُلُّ الموازينِ، وقد استدعى الشَّاعرُ نفرًا من رُموزِ الخُبثِ والخِيانةِ من أمثالِ: (أرياط) الحبشيِّ الَّذي سبقَ أبرهةَ إلى غزوِ اليمنِ، وشَمِرِ بن ذي الجوشنِ الَّذي قتلَ الحُسينَ بنَ عليٍّ، والبسوسِ التي تسبَّبتْ في حربٍ ضروسٍ، ثم ابنِ العلقمي وزيرِ الـمُسْتعصمِ، وفيها يقولُ:

أَرَأَيْتَ (أَرْيَاطَ) الَّذِي تَعْتَادُهُ

اليَوْمَ يَلْتَحِفُ العُذَيْبَ وَكَاظِمَةْ

وَ(الشَّمْرُ) كَرَّ (بِذِي الفِقَارِ) كَمَا ابْتَدَا

وَأَتَى الحُسَيْنُ عَلَى ذِرَاعَيْ فَاطِمَةْ

نَفَضَتْ مَقَابِرَهَا (البَسُوسُ)، وَأَرْعَدَتْ

وَعَدَتْ عَلَى دَمِهَا الرِّمَالُ الغَائِمَةْ

وَتَقَمَّصَ (التِّنِّينُ) شَكْلَ حَمَامَةٍ

وَدَنَا (ابْنُ آوَى) كَالبَغِيِّ النَّادِمَةْ

وَتَعَدَّدَ (ابْنُ العَلْقَمِيِّ)، فَهَا هُنَا

قَامَتْ عَلَاقِمَةٌ، هُنَاكَ عَلَاقِمَةْ

والمفارقةُ في موضوعِ الدُّهينيّ الملعونِ أنَّ العدوَّ المجرمَ لم يَستطعْ في حربِ الإبادةِ الَّتي استمرَّتْ حَوْلَينِ كاملينِ أنْ يأسرَ مُجاهدًا واحدًا في مَيادينِ الشَّرفِ والبُطولَةِ؛ لأنَّ كلمةَ الاستسلامِ وكافَّةَ مُرادِفاتها لا تعرِفُها قَواميسُ رجالِ اللهِ من المقاوِمِينَ الشُّرفاءِ على اختلافِ انتماءاتِهم، حتى جاءَ ذلكَ المثبورُ المحقورُ وسلَّمَهُ إليهم؛ لِيضربَ أقذرَ الأمثالِ في الخِسَّةِ والنَّذالةِ. ولَسْتُ أرتابُ في أنَّ مُعظمَ مَنِ ارتقوا شُهداءَ مِنْ قَادةِ المقاومةِ إنَّما عرفَ العَدُوُّ أماكنَهم بوشاياتٍ حقيرةٍ من خَوَنَةِ الدَّاخلِ، الَّذينَ هم أخطرُ ألفَ مرَّةٍ من العدوِّ الصَّائلِ. وصدقَ المناضِلُ الثَّوريُّ الكبيرُ تشي جيفارا (1928-1967م) إذ قال: «إذا أردتَ تحريرَ وطنٍ، فَضَعْ في مسدَّسِكَ عَشْرَ رَصاصاتٍ؛ تسعَ رَصاصاتٍ لِخَوَنَةِ الوَطَنِ، وواحدةً لِعدوِّكَ، فلولا خونةُ الدَّاخلِ ما تجرَّأَ عدوُّ الخارجِ على وَطَنِكَ».
وممَّا يُدمِي القُلُوبَ أنَّ هؤلاءِ الخونةَ يَبيعونَ للعدوِّ بثمنٍ بخسٍ أو بالمجَّانِ سَادَتهمُ الَّذينَ يَبذلُونَ أرواحَهم وأموالَهم وأحيانًا عائلاتِهم بأَسْرِها في سبيلِ رِفعةِ أوطانِهم، ونزعِ رِبْقَةِ العبوديَّةِ من أعناقِهم، ولكنَّ الشُّعوبَ الَّتي استمْرأتِ الذُّلَّ والهوانَ تأبَى إلَّا أنْ تبيعَ شُرَفَاءَها لأعدائِها، وما مَثلُ هَؤلاءِ الأوباشِ إلَّا كَمَثَلِ الضِّفْدَعِ إذا وَضَعْتَهُ على كرسيٍّ من ذهبٍ سيقفزُ إلى الـمُستنقَعِ مباشرةً، وصَدَقَ أحمد شوقي (ت1932م) إذْ يقولُ في (أسواق الذَّهبِ): « الذَّليلُ بغيرِ قيدٍ مُقيَّد، كالكلبِ لَوْ لم يُسَدْ ‌بحثَ ‌عَنْ ‌سَيِّد».
والشَّواهِدُ على ذلكَ أكثرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ، فَعندما أُلْقِيَ القبضُ على (تشي جيفارا) بوشايةٍ من أحدِ الرُّعاةِ، سُئِلَ ذلكَ الرَّاعي الخَسيسُ: لماذا أبلغْتَ عن رجلٍ قَضَى حياتَه في الدِّفاعِ عنكمْ، وعنْ حُقوقِكمْ؟ فأجابَ قائلًا: كانتْ حُروبُهُ مع العدوِّ تُخِيفُ أغنامِي! وهو ما حدثَ من قبلِهِ للمُناضِلِ السَّكندريِّ الشَّريفِ محمد كُرَيِّم (ت1798م)، الذي بذلَ غايةَ الوُسْعِ في مقاومةِ الحملةِ الفرنسيَّةِ، ثمَّ ألقى الفرنسيُّونَ القبضَ عليه، وحكموا عليه بالإعدامِ، فأحضرَهُ نابليون بونابرت، وقال لهُ: يُؤسِفُنِي أنْ أُعْدِم رجلًا دافعَ عن بلادِهِ بجُرْأَتِكَ، ولا أُريدُ أنْ يذكُرَني التَّاريخُ بأنَّني أُعْدِمُ أبطالًا يُدافعونَ عن أوطانِهم، لذلكَ عفوْتُ عنكَ مُقابلَ عشرةَ آلافِ قطعةٍ من الذَّهبِ؛ تعويضًا عن مَنْ قُتِلَ مِنْ جنودي، فقال له محمد كُرَيِّم: ليسَ معي ما يكفِي من المالِ، ولكنْ لي ديونٌ عند التُّجَّارِ بأكثرَ من مئةِ ألفِ قطعةٍ من الذَّهبِ، فقال له نابليونُ: سأسمحُ لكَ بـمُهلةٍ لِتحصيلِ أموالِكَ، فذهبَ إلى السُّوقِ، وَهُوَ مُقيَّدٌ بالأغلالِ، ومُحاطٌ بجنودِ المحتلِّ الفَرنسيِّ، وشَرعَ يُطالبِ التُّجَّارَ بديونِهِ، فلمْ يستجبْ له تاجرٌ واحدٌ منهمْ، بل اتَّهموهُ بأنَّه كان سببًا في دَمار الإسكندريَّةِ، وتدهوُرِ أحوالهم الاقتصاديَّةِ، فلمَّا عاد إلى نابليونَ صِفْرَ اليَدَينِ، قال له صادقًا وهو الكذوبُ: ليسَ أمامي إلَّا إعدامُكَ، ليسَ لأنَّكَ قاومْتَنا، وقتلْتَ جُنودَنا، ولكنْ لأنَّك دفعْتَ حياتَك، مقابلَ أُناسٍ جُبناءَ، تشغَلُهُمْ تجارَتُهمْ عن حرِّيَّةِ الأوطانِ.
ويقيني أنَّ ذلكَ الرَّجيمَ سيسقطُ قريبًا إن شاء اللهُ، كما سقطَ سَلَفُهُ في الخيانةِ الهالكُ الملعونُ ياسر أبو شبابٍ، وسيكونُ سُقوطُهُ مُذِلًّا بكلِّ ما تحمِلُهُ الكلمةُ من مَعانٍ، وإنِّي لأرقُبُ فيهَ مصرعَ أبي جهلٍ، الَّذي وُصِفَ في أثرٍ مُنقطِعٍ بأنَّهُ فِرعونُ هَذهِ الأُمَّةِ، وشاءَ الله أنْ يُثْخِنَهُ يَوْمَ بدرٍ غلامانِ حَدَثَانِ هما: مُعاذُ بن عمرو بن الجموحِ، ومعوِّذ بن عفراءِ الأنصاريَّانِ، ثمَّ أجهزَ عليه عبدُ الله بنُ مسعودٍ الذي كانَ ضَعيفَ البِنْيَةِ إلى حدٍّ بعيدٍ، وإنِّي لأَدْعو اللهَ أنْ يُقِرَّ أعيُنَنا برؤيةِ مَهْلِكِهِ ومهلِكِ عِصابَتِهِ على يدِ أهلِ الله من أحفادِ الجبَّارينَ، ورَجائِي ألَّا يَرْحَمُوا فيهمْ مَغْرِزَ إبرةٍ، فإذا كانتِ المقاومةُ قد عاملتْ أسرَى العدوِّ المجرِمِ مُعاملةً إنسانيَّةً راقيةً، شهدَ بها القَاصي والدَّاني، وأذهلتِ العدوَّ قبلَ الصَّديقِ- وهو ما لا يرضاهُ بعضُ العُقلاءِ معَ عدوٍّ دائمِ التَّنكيلِ بأسْرانا- فإنَّ هذا وجميعَ المجرمينَ من عصابَتِهِ النَّجِسَةِ لا يستحقونَ مثقالَ ذرَّةٍ من رحمةٍ، بل ينبغِي أن يُمْشَطُ ‌بِأَمْشَاطِ ‌الحدِيدِ، مَا دُونَ عِظامهم مِنْ لَحْمٍ، أَوْ عَصَبٍ، وأنْ يُطبَّقَ عليهمْ فعلُ النَّبيِّ ﷺ بالعُرَنِيِّينَ، كَمَا ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، أولئكَ الأوغادُ الَّذينَ أحسنَ النَّبِيُّ ﷺ إليهم، وأعطاهمْ عَددًا من إبلِ الصَّدقةِ، فَغَدَرُوا بالرُّعاة وقَتَلوهُمْ، ومثَّلُوا بهم، ثمَّ اسْتَاقوا الإبلَ، وارتدُّوا عن الإسلامِ، فأرسلَ النبيُّ  في آثارِهم، فأُتِيَ بهم فقطعَ أيديَهم وأرجلَهم، وسمَلَ أعينَهم، وتُركوا بالحَرَّةِ حتَّى ماتوا. ولا أرتابُ في أنَّ أفعالَ ذلكَ الدُّهينيِّ وعِصابَتِه، أشنعُ جُرمًا، وأعظمُ خَطرًا ممَّا فعلَ العُرنيُّونَ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ، فلا جرمَ أنْ نُوصِيَ المقاومةَ بهم شرًّا؛ لِتُمعنَ في التَّنكيلِ بهم، ما وَسِعَها التَّنكيلُ، ثمَّ تحرقَ جُثَثَهمُ النَّجِسَةِ، ثم تُلْقِي رُفاتَهم في بالوعاتِ المجارِي؛ زَجْرًا لِغيرهمْ ممَّنْ قَدْ تُسوِّلُ لهم أنفسُهم المريضةُ، وشَياطِينهُمُ الماردةُ أنْ يرتَكِسُوا في تلك الحمأةِ، فنحنُ أمامَ رِدَّةٍ ولا أبا بكرٍ لها، والتَّنكيلُ كُلَّ التَّنكيلِ هو الذي يُحقِّقُ غرضَ الزَّجْرِ، الَّذِي هو أعظمُ مقاصدِ الحُدودِ الشَّرعيَّةِ.
وختامًا، فإنَّ اليهودَ قومٌ غُدُرٌ، ما صَدَقوا في قولٍ، ولَا وَفَوْا بِعَهدٍ، ولا بَرُّوا في يمينٍ قطُّ، فالخيانةُ تجري فيهمْ مجرى الدَّمِ في العُروقِ، وهذا أمرٌ معلومٌ من التَّاريخِ قديمًا وحديثًا بالضَّرورةِ، حتَّى لو أقسمَ شخصٌ على غَدْرِ كلِّ يهوديٍّ، أو علَّقَ طلاقَ امرأتِهِ على وفاءِ أحدهمْ بعهدِهِ، فأرى أنَّ الأوَّلَ لا يحنَثُ، وأنَّ طَلاقَ الثَّاني لا يقعُ، فكيفَ ضَمِنَتْهم مجموعةٌ من الدُّولِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، في الاتفاقِ الذي وُقِّعَ مُؤَخَّرًا في شرمِ الشَّيخِ، وهو الاتِّفاقُ الذي خَرَقُوهُ أكثرَ من ألفٍ وخمسمئةِ مرَّةٍ، وَقتلوا في هَجَمَاتهم الغادرةِ بعدَهُ أكثرَ منْ خمسمئةِ فلسطينيٍّ، في مشاهدَ داميةٍ تُجسِّدُ أخسَّ صُورِ الغَدْرِ من جانبِ اليهودِ الملاعينِ، وأحقرَ صُورِ الخِذلانِ من جانبِ الرُّعاةِ الضَّامنينَ!
وَبَدلًا من الأبياتِ السَّخيفةِ الـمُهترئَةِ في معنى رقصِ الكِلابِ على جُثَثِ الأُسُودِ، والتي يَنسبُها بعضُ السُّذَّجِ إلى الإمامِ الشَّافعيِّ t، وهي لا تصحُّ له قَطعًا، ولا تَستقيمُ وزنًا، نختمُ بأبياتٍ في سِياقٍ مُقاربٍ، من قصيدةٍ قالها الشَّاعرُ السوريُّ أمجدُ الطَّرابلسيُّ (ت2001م) بعنوان: هياكلُ بَعْلَبَكّ، يشكو فيها عبثَ الماجنينَ والجُهلاءِ بتلكَ المواقعِ الأثريَّةِ الجليلةِ، حيث يقولُ:

يَا للفُنُونِ الخَالِدَاتِ تَدُوسُهَا

وَتُذِلُّهَا الـمـُجَّانُ وَالـجُــهـَّالُ!

عَفْوًا هَيَاكِلَ بَعْلَبَكَّ! فَإِنَّـمَا

هَذَا الزَّمَانُ وَصَرْفُهُ أَحْوَالُ

صَبْرًا عَلَى عَبَثِ الزَّمَانِ! فَرُبَّمَا

رَقَصَتْ عَلَى جُثَثِ الأُسُودِ سِخَالُ

د. مصطفى السواحلي

د. مصطفى السواحلي أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، سلطنة بروناي دار السلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى