
توصف الفلسفة بأنها “أم العلوم”، وذلك لدورها الكبير في نشأة العلوم المختلفة وتطورها، ولكونها من أقدم مجالات المعرفة التي اهتم بها الإنسان، وكانت الأسئلة الكبرى حول الكون والإنسان والمعرفة تُطرح في إطار فلسفي شامل، ثم تفرعت منها العلوم المتخصصة مع مرور الزمن.
كما أن للفلسفة دورا نقديا مهما في توجيه العلوم وتقويمها، فهي تجمع المعارف وتسائلها وتكشف افتراضاتها الخفية وآثارها الأخلاقية والإنسانية، ومن هنا ظهرت فلسفة العلم، وفلسفة السياسة، وفلسفة الأخلاق، التي تساهم في ضبط مسار التقدم العلمي ليكون في خدمة الإنسان.
هذه الأهمية للفلسفة سادت في الوقت الذي لم تكن فيه العلوم المختلفة قد حققت تطورا مذهلا حتى صارت على ما هي عليه اليوم، وأصبح التطور متسارعا في مختلف مجالات الحياة، على العكس من الفلسفة التي ما تزال تمعن في النظر ببطء، وتطرح كثيرا من الأسئلة وتقدم قليلا من الإجابات، وكانت في بداياتها الأولى لا تتورع حتى عن طرح الأسئلة البسيطة، وكانت تلك الأسئلة تجد صداها في مجتمع بسيط محدود المعرفة ويخاف ويأمل ويتألم، ويبحث عن معنى لكل ذلك.
وتجدر الإشارة إلى أن الحديث هنا ينحصر في مسألة علاقة الفلسفة بالعلوم بوصفها علاقة بنيوية تتعلق بأسس إنتاج المعرفة العلمية، ومفاهيم الحقيقة، والتفسير، والموضوعية، والمنهج. بمعنى أن الاهتمام هنا موجه إلى الفلسفة بوصفها تفكيرا نقديا في العلم ذاته، لا الفلسفة بوصفها خطابا ميتافيزيقيا يتناول قضايا الإيمان أو الغيب أو الأسئلة الدينية ذات الطابع العقدي، التي تنتمي إلى حقل مغاير من الإشكاليات والسياقات المعرفية.
كما يقتضي التنويه بأن الحديث هنا لا يتناول الفلسفة الإسلامية في بعدها الديني أو الأخلاقي، ولا ينخرط في تحليل تراثها الكلامي أو المقاصدي، على الرغم من أهميته التاريخية، وإنما ينصب التركيز على الفلسفة واتصالها بالعلوم الحديثة والمعاصرة، أي على فلسفة العلم بوصفها مجالا يعالج بنية النظريات العلمية، وتحولات المعرفة، وعلوم الحياة، واستجلاء الدور الفلسفي في فهم العلم وليس في تقويم السلوك الأخلاقي.
هل انتهى دور الفلسفة؟
مع التطور العلمي المذهل، أصبح العلم يفسر الظواهر، ويضبط القوانين، ويمنح الإنسان قدرة غير مسبوقة على السيطرة على بعض مظاهر الطبيعة والاستفادة منها، وهذا على العكس من الفلسفة التي يرى البعض أنها لا تعدو كونها مجرد خطاب نظري تجاوزه الواقع، بينما العلم تكفل بالإجابة عن الأسئلة الكبرى. ومع ذلك تظل الإشكالية قائمة: هل انتهت الحاجة إلى الفلسفة فعلا، أم أنها ما تزال قادرة على تقديم الجديد للإنسان المعاصر؟
هناك انقسام حاليا بين فريق يبشر بنهاية الفلسفة، وفريق يرى أنها ما زالت ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها. ويبرر أنصار الاتجاه الأول رأيهم بأن الفلسفة فقدت وظيفتها التاريخية مع التقدم العلمي، ذلك أن العلم الحديث شهد طفرة كبيرة وأصبح قادرا على تفسير كثير من الظواهر الطبيعية، وفهم أو تفهم كثير من سلوكيات الإنسان، وصولا إلى إمكانية التنبؤ بالمستقبل.
كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الفلسفة تعتمد على التأمل والجدل اللفظي، ولا تنتج معرفة قابلة للتحقق التجريبي، وهو ما يجعلها بعيدة عن متطلبات العصر العلمي، وبالتالي فهي تعيق التقدم العلمي، ويصفها أعداؤها بأنها مجرد قوالب فارغة ومصطلحات مبهمة لا يفهمها إلا أصحابها، وأنه لا تتوفر فيها معايير وشروط المعرفة العلمية، ولا تنتهي إلى نتائج قطعية.
وكانت بعض الاتجاهات النقدية قد طرحت في القرن العشرين فكرة أن الفلسفة أصبحت تقارب نهايتها، إما لأن العلوم قد أخذت مكانها، أو أن تراثها الكلاسيكي قد استُنفد، ولم تعد تنتج تقدما حقيقيا، وأنها دخلت أزمة مشروعية.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن فكرة نهاية الفلسفة لم تصدر عن خصومها فقط، وإنما كان قد عبر عنها فلاسفة كبار داخل التقليد الفلسفي نفسه. فقد رأى أوغست كونت أن البشرية تجاوزت المرحلة الفلسفية، معتبرا أن “العقل الإنساني يمر بثلاث مراحل: لاهوتية، وميتافيزيقية، ثم وضعية، وفي المرحلة الأخيرة تستبدل الفلسفة بالعلم”.
بدوره، يرى مارتن هايدغر أن الفلسفة الغربية قد استنفدت إمكاناتها الميتافيزيقية، قائلا: “إن الفلسفة بلغت نهايتها، وحل محلها العلم والتقنية”. أما جان فرانسوا ليوتار، فقد ربط أفول الفلسفة بسقوط السرديات الكبرى، معتبرا أن “الخطابات الفلسفية الشاملة فقدت مشروعيتها في عصر ما بعد الحداثة”.
وفي المقابل، يرى أصحاب الاتجاه القائل بأن “الفلسفة ما زالت ضرورية” أن الطرح القائل بأنه لم تعد هناك حاجة للفلسفة يغفل حقيقة جوهرية وهي أن العلم ذاته يستند إلى افتراضات فلسفية، فالعلم لا يستطيع الخوض في مفاهيم مثل الحقيقة والمعرفة والمنهج إلا بالاستناد إلى التفكير الفلسفي، وبالتالي فإن القول بانتهاء الفلسفة يفترض حسما نهائيا للأسئلة المعلقة التي تمثل الميدان الخصب للفلسفة، مثل المعرفة والقيم والأخلاق، كما أن التقدم العلمي ذاته ضاعف الحاجة للأسئلة الفلسفية، خصوصا في مجالات الأخلاق والهوية وغيرها.
ولذلك يرى المدافعون عن الفلسفة أن الحديث عن نهايتها ليس سوى تعبير عن سوء فهم لطبيعة دورها، ذلك أنها لم تكن يوما منافسا للعلم، وإنما رفيقا نقديا له. وكلما تقدم العلم وتعقدت الحياة الإنسانية، ازدادت الحاجة للفلسفة بوصفها تفكيرا في القيم والمعنى والحدود، ولذا فإن الفلسفة لم تنتهِ، وإنما أعادت تشكيل ذاتها لتواكب أسئلة العصر، بالإضافة إلى دورها التقليدي في تفكيك المفاهيم، وفهم العلم وتعلُّم منهجيته ونقده.
فالعلم لا يمكن أن يحل محل الفلسفة، لأنه ليس بمقدوره أن يجيب عن مختلف الأسئلة التي تؤرق الإنسان، وبالتالي فهو لا يشكل أي تهديد للفلسفة، لأنها نمط خاص من التفكير بعيد عن العلم، كونها محاولة لفهم تجربة الإنسان مع ذاته ومع العالم، وتنمية قدراته العقلية، وحثه على الإبداع، ورفع سقف طموحات العقل البشري، وتغيير الواقع الاجتماعي السيئ، وإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية.
بينما ينصب تركيز العلم على تفسير الظواهر والوصول إلى القانون الثابت الذي تنتظم فيه الظواهر، وهذا مجال بعيد عن قضايا تعد من صميم الفلسفة، مثل الحرية والعدالة والأخلاق.
وقد دافع عدد من كبار الفلاسفة عن حيوية الفلسفة واستحالة الاستغناء عنها، فقد رأى إيمانويل كانط أن الفلسفة ضرورة دائمة ما دام العقل الإنساني يطرح أسئلة لا يمكن للعلم التجريبي حسمها، ويقول: “لا يستطيع العقل البشري أن يتخلى عن الميتافيزيقا، لأنها تنبع من طبيعته ذاتها”.
أما براتراند راسل، فرغم انتمائه إلى الفلسفة التحليلية القريبة من العلم، فقد دافع بقوة عن قيمة الفلسفة، مؤكدا أنها لا تقاس بنتائج نهائية، وإنما بأثرها في توسيع أفق العقل، ويقول: “إن قيمة الفلسفة يجب أن تُطلب إلى حد كبير في عدم يقينها”.
وفي السياق المعاصر، يرى يورغن هابرماس أن الفلسفة لم تفقد دورها، وإنما تحول إلى دور نقدي تواصلي، فهي لا تنافس العلوم، وإنما تفكك ادعاءاتها الشمولية وتؤسس للحوار العقلاني، ويقول: “الفلسفة ما تزال تحتفظ بمهمة الوسيط بين ميادين المعرفة المختلفة”. أما بول ريكور، فقد أكد أن الفلسفة باقية ما بقي التأويل ممكنا، معتبرا أن الإنسان كائن يؤوّل ذاته والعالم، ويقول: “حيثما وُجد المعنى وجد التأويل، وحيثما وجد التأويل وجد التفلسف”.
وفي كل الأحوال، فالفلسفة والعلم يكملان بعضهما، فالعلم يثري الفلسفة بأسئلة جديدة، والفلسفة تصحح مسار العلم وتنتقد سلبياته، يقول ويل ديورانت: “الفلسفة من دون علم عاجزة، والعلم من دون فلسفة مدمر”.
الفلسفة وقضايا المستقبل
يقتضي التطور العلمي نمطا جديدا من المساءلات الفلسفية، وهو ما يثري مستقبل الفلسفة ويجعل الحاجة إليها ضرورية ومتجددة، وفي مقدمة ذلك التطورات المذهلة في الذكاء الاصطناعي، التي تثير أسئلة أخلاقية لا يمكن اختزالها في قواعد تنظيمية تقنية، وإنما هناك حاجة لأخلاق للذكاء الاصطناعي عبر قيم العدالة والمسؤولية والكرامة الإنسانية، من خلال إثارة أسئلة مثل: ما هي القيم التي نريد أن تُمثل في الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للآلات أن تعكس معنى الإنسانية نفسها؟ وهل يشكل الذكاء الاصطناعي خطرا على العقل البشري، خصوصا في حال تم تطويره ليصبح قادرا على إنجاز دراسات وبحوث أكاديمية ورسائل ماجستير ودكتوراه في لمح البصر؟
ويعني ذلك أن الفلسفة ستظل تتجدد باستمرار بتفاعلها مع التحديات المعاصرة، مثل التكنولوجيا والأخلاق والسياسة، لأن كل علم جديد يولّد تساؤلات فلسفية جديدة تتجاوز نطاقه ذاته، فوظيفة الفلسفة لا تختزل في إنتاج بيانات تجريبية وإنما في إثارة الأسئلة حول الأسس المنطقية والمفاهيمية التي يقوم عليها العلم نفسه، كما أنها تعالج قضايا لا يمكن للعلوم التجريبية وحدها الإجابة عنها.
وهناك أسئلة تنبع من داخل العلوم نفسها تتعلق بأسسها ومشروعية ادعاءاتها، فالسؤال عن التفسير العلمي، وحدود الموضوعية، وطبيعة النماذج العلمية، وعلاقة النظرية بالواقع، كلها قضايا معرفية لا يمكن حسمها تجريبيا.
ومع تعاظم الاعتماد على النمذجة الحاسوبية والخوارزميات، تزداد الحاجة إلى فلسفة علم قادرة على تحليل أشكال جديدة من المعرفة لا تقوم على الفهم السببي التقليدي، وإنما على التنبؤ الإحصائي الاحتمالي، وهنا تتضح أهمية الفلسفة بوصفها الحقل القادر على مساءلة عقلانية العلم ذاته.
كما أن السؤال الأخلاقي للفلسفة صار ملحا وعمليا لإثارة قضايا حساسة مثل التقدم في الهندسة الوراثية، وتقنيات تعديل الجينوم، والاستنساخ، والطب الحيوي، لأن ذلك يطرح إشكالات تتعلق بتعريف الحياة الإنسانية، وحدود التدخل في الطبيعة، ومعايير العدالة الصحية.
يضاف إلى ذلك أن التقنيات الرقمية تثير قضايا جديدة حول الخصوصية، والمراقبة، والعدالة الخوارزمية. ومع غياب أطر فلسفية أخلاقية واضحة، يصبح القرار العلمي والتقني عرضة لمنطق المنفعة أو السلطة، بدلا من أن يكون موجها بقيم إنسانية قابلة للنقاش العقلاني.
ومن الناحية السياسية، فبما أن العالم يشهد تحولات سياسية عميقة تتجلى في أزمة الديمقراطية التمثيلية، وصعود الشعبوية، وتآكل الثقة في المؤسسات، وانتشار المعلومات المضللة، فإن هذه الظواهر لا يمكن فهمها أو معالجتها من خلال العلوم السياسية أو الاجتماعية وحدها، لأنها تنطوي على تصورات ضمنية للسلطة، والشرعية، والحقيقة، والإنسان. وهنا تستعيد الفلسفة السياسية دورها النقدي في تفكيك الأيديولوجيات السائدة، وتحليل مفاهيم مثل السيادة، والمواطنة، والعدالة، في سياق عالمي معولم وغير مستقر.
الخلاصة، إن القول بانتهاء الحاجة إلى الفلسفة بسبب تطور العلم يقوم على فهم اختزالي لكليهما، فالعلاقة بين العلم والفلسفة هي علاقة تكامل نقدي وليست علاقة تنافس وإلغاء، وكلما ازداد العلم قوة وتأثيرا، ازدادت الحاجة إلى فلسفة تراقب مساره، وتفكك افتراضاته، وتؤطر نتائجه ضمن أفق إنساني وأخلاقي واسع، وبالتالي فإن القضايا التي ستناقشها الفلسفة مستقبلا ليست بقايا أسئلة قديمة، وإنما استجابة فكرية ضرورية لعالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على الفهم دون تأمل فلسفي عميق.
