
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.. وبعد:
فمنذ أن انتشر بودكاست للدكتور ثائر الحلاق يكشف فيه عن بعض جوانب الإبداع عن ابن تيمية، حتى اختلف الناس بين مادح وذام، وهذا طبيعي، فإن الاختلاف سنة الحياة من عصر آدم عليه السلام، وليس ابن تيمية بمنأى عن هذا الاختلاف، وقد ذاق ما ذاقه في حياته بسبب خلافه واختلافه مع خصومه، وهو من هو من أئمة الإسلام المجاهدين الصابرين، إلا أن البعض ذم لبغض في نفسه لشيخ الإسلام، وهذا حقه أن يُهمل كلامه، ولا يُنظر إليه، وأنا وإن كنت لا أوافق د. ثائر في كل ما قرره في حلقته، وقد تعلمت على يديه أن أكون صريحاً إذا خالفته في رأي أو مسألة، إلا أن المخالفة لا يجوز أن تدفع المسلم إلى ظلم أخيه المسلم، أو تحميل كلام خصمه ما لا يحتمله، فإن هذا من الجور.
وقد قرأت تعقيب الأخ عبدالمنعم أديب على «بودكاست» الدكتور الحبيب ثائر الحلاق، في الكلام عن شخصية من كبار الشخصيات المؤثرة في العالم الإسلامي قديماً وحديثاً، وقد انتظرت من الأخ الفاضل أن يكون رده علمياً لتكون الفائدة مكتملة بين كلامين يكمل بعضهما بعضاً، فيزداد الخير خيراً، إلا أنني لم أجد إلا رداً بارداً مختصراً اختصاراً مخلاً لا يفي بمقدمته التشويقية التي كنا ننتظر بعدها تفصيلاً شاملاً لما سماه «العوارات» التي وردت في البودكاست! وليت الأخ لزم موقعه وبقي مشاهداً دون تعليق كما ذكر على أن يكتب كلاماً مخلاً هكذا.
وأنا هنا لا أدافع عن د. ثائر الحلاق، فإنه تصدر لبودكاست تجاوز وقته الـ 3 ساعات، ومن الطبيعي أن نلمح خلال هذه المدة إطلاقات لا يرتضيها الكل، وخاصة أنه يتكلم في شخصية جدلية، لم ترض عنها الأمة كلها، وهو في ذلك ككل العلماء، فمَن مِن العلماء ارتضته الأمة قاطبة في كل ما قال وما نُقل عنه!!؟ إن ترض من أحدهم قولاً فقهياً لابد أن تنكر منه قولاً عقدياً، والعكس صحيح، وهذه سنة الأمة من صدر الإسلام، فالصحابة الكرام رضي الله عنهم وُجهت إليهم سهام النقد.
ويمكن الإشارة إلى مواطن الضعف في تعقيب الأخ الفاضل فيما يلي:
أولاً: قال: (فالحلقة غير علمية من ابتدائها إلى نهايتها!)، ولو قال: بعضها ولم يعمم ربما أصاب، لأنه بذلك يتهم كثيراً ممن تابع الحلقة، ووسمها بالعلم وخرج منها بفوائد باللا فهم، أو كما ذكر باللا علم، لأن الذين تابعوا ـ وأنا منهم ـ رأوا أن الدكتور ثائر الحلاق قد ذكر فوائد كثيرة تاريخية وعلمية عن ابن تيمية، فوصف الحلقة بأنها: ليست علمية من أولها لآخرها إطلاق فيه ظلم وحيف بحق د. ثائر، وبحق ابن تيمية، وبحق المتابعين المادحين للبودكاست.
ثانياً: إن كان ما قاله المعقب صحيحاً من كون الدكتور ثائر الحلاق قد تهور في سياق حديثه ومدحه لابن تيمية وتجاوز الحد في ذلك، فإنه بذلك لا يخرج عن الأمة في شيء، لأن الأمة كلها إن مدحت عالماً ذكرته بما فيه من علم وحلم وتبحر وموسوعية، ولك سيدي أن ترجع إلى كتاب من كتب التراجم والأعلام حتى تقرأ وترى بعينك ما قيل عن أعلام لا يبلغون عشر ـ بل أقل من ذلك ـ ما وصل إليه شيخ الإسلام، ومع ذلك قيلت فيهم أوصاف ما قيلت بمن هم أكبر منهم بمرات كثيرة، وأما عن استحقاق شيخ الإسلام ابن تيمية لمثل هذه المصطلحات فإن المنكر لاستحقاقه حقه أن يحجر عليه، لأن موسوعيته اعترف بها خصومه قبل أتباعه، حتى قيل عنه: لم ير مثل نفسه..
ثالثاً: أنا لا أنكر أن الدكتور ثائر الحلاق كانت عنده بعض المبالغة في بعض الألفاظ الخطابية، وهذا شأن غالب الحلقات المرئية الطويلة، وأنا قد خالفته في مسائل، وأخبرته بذلك، في بعض ما ذكره من مسائل عن شيخ الإسلام، إلا أنني أنكر لغة التعميم الفاسد التي انتهجها المعقب في تعقيبه، وهذا المنهج الفاسد في التعميم لا نجده في كتاب ولا سنة، ولا نجده عند العلماء الربانيين، بل حتى موضوع الحلقة وهو شيخ الإسلام فقد تحقق في منهجه أنه لا يعمم إلا في موضع التعميم، ولذلك تجد في كثير من كلامه كلاماً مثل: وهذا ما عليه كثير من الحنفية والمالكية ..، أو مثل: وهذا قول كثير من الأشعرية والمتكلمين والكلابية، وو…
رابعاً: راح الأخ المعقب يتفلسف وينظر على القارئ في الفرق بين العلم والشعر!! وذلك ليبعث في نفس القارئ صورة، وهي أن كلام د. ثائر من نوع الخطابيات والشعريات غير العلمية!! وهذا إن صدق على بعض كلام الدكتور ثائر فإنه لا يصدق عليه كله، وهذا لا يحتاج أن يتناطح فيه اثنان، فإنه بيِّن وواضح لمن رام الحق والإنصاف، وهو على الرغم من أنه ذكر أنه لا يقصد ذلك إلا أنه وقع منه، وهذا ما سيفهمه أي قارئ لتعقيبه، وإلا ما مراده من التفريق بين العلم والشعر، بعد أن وصف كلام د. ثائر بكونه غير علمي!
خامساً: وأما عن وهم الكهف؛ فلا أرى المعقب إلا قد دخل الوهم والكهف ذاته الذي ذكره، فإنه رأى الحلقة من منظوره ورؤيته الخاصة، فاستعمل المصادرة على المطلوب للتدليل على رؤيته الخاصة، وذهبت أنظر إلى ما ذكره من عوارات فلم أجدها، ولم أرها، فهو يعتقد أنه يبيع الوهم في سوق الجاهلين! وكما قلت: مشكلتي ليست طرحه بذاته، وإنما بلغة التعميم التي انتهجها في كل مقاله، فانظر إليه وهو يقول: «وهذا الوهم هو ما طالعنا به السيد ثائر الحلاق في الحلقة، فقد وقع في حال تماه تام مع موضوع البحث، إلى حد باين فيه كافة القيم العلمية والتدابير الصحيحة في التعامل مع موضوعات العلم»؛ فتأمل استعماله لألفاظ مثل «تام» و «كافة» التي تفيد التعميم الفاسد!
وأما عواراته التي ذكرها، فهي من التهافت بمكان، فالدكتور ثائر لم يخرج ابن تيمية عن محل البحث، لأنه لا يجوز ـ كما يرى د. ثائر وأرى موافقاً له ـ دراسة ابن تيمية كحنبلي، أو دراسته في زمنه، لأن أثره تجاوز ظروفه وزمنه إلى أزمان متأخرة، ولأنه تجاوز الحنبلية إلى مساحة أوسع.
وكذلك فإن د. ثائر لم يتمركز حول ابن تيمية بالمعنى السلبي، فابن تيمية هو أكثر الشخصيات المتأخرة عن مذهب السلف ممن تميز في فلسفته وصياغته لها وفق قواعد ومنهج السلف، ولذلك يبقى ابن تيمية يمثل إلى حد كبير تطبيقاً عملياً للعقيدة الواردة في القرآن والسنة، وهي عقيدة السلف الصالح، وكان الأحرى بالمعقب أن ينتقد ابن تيمية من داخل مذهب أهل الحديث والأثر، لا أن يعيب عليه أو على د. ثائر نظرة تمثل الملايين من المسلمين ممن ينتسبون للمذهب الأثري، الذي يمثله ابن تيمية، وأما النقد من الخارج أو من المخالف فهذا مقدور عليه لكل أحد، فيستطيع أي سلفي أن ينتقد الأشاعرة وينتقص منهم، والعكس صحيح.
وأما العوار الثالث ـ وهو جعله لابن تيمية معياراً للحق والباطل ـ فإنه لا يخرج عن الثاني.
وأما العوار الرابع الذي تكلم فيه عن المجازفة الحادة، فإنه أطلق كلاماً هو محل استشكال قديماً وحديثاً، وهو كون الأشاعرة والماتريدية مدارس عقدية أصيلة في كل بقاع العالم الإسلام إلا النادر منها! أو هم يمثلون السواد الأعظم! وهذا ما لا يسلم به خصم المعقب، وإن سلم ببعضه، وأما عن مراد د. ثائر من كلامه بعدم وجود عالم واحد يعرف آراء المدرستين الأشعرية والماتريدية فإنه وإن أوهم الخطأ، إلا أنه صحيح من جهة أن ابن تيمية قد أوهن المذهب الأشعري بردوده العلمية والتفصيلية على مقالاتهم وآرائهم، فمن المتفق عليه أن ابن تيمية هو الشخصية الوحيدة التي استطاعت كسر صنم المذهب الأشعري، وغيرُه لم يبلغ ما بلغه، كابن رشد والقاضي عبدالجبار.
وأما عن نقده لكلام د. ثائر حول عبارة: ابن تيمية إما أن يؤخذ كله أو يترك كله، فإنه أمعن في تحميلها ما لا تحتمل، فلم يقل ذلك لأنه يراه «مصداقاً وحيداً ونهائياً للكتاب والسنة» بل لأن شخصية ابن تيمية مترابطة ومنسجمة، وهي شخصية عقدية، فلذلك العقيدة تؤخذ كاملة ولا يؤخذ بعضها ويترك بعضها، فهو يمثل عقيدة متكاملة يعتقد أصحابها أنه الحق المبين الذي لا يمكن مخالفته، وهذا ينطبق على المذاهب الأخرى من حيث المبدأ.
وأما اعتراف د. ثائر بكون الشيخ ابن تيمية ليس على عقيدة الحنابلة، فهو الصحيح، لأن الحنابلة المذكورين هم الحنابلة الموافقون للأشاعرة والماتريدية، أو هم «فضلاء الحنابلة» كما يحلو للمتكلمين تسميتهم، وهؤلاء ليس منهم ابن تيمية، بل ابن تيمية ينتسب للحنابلة الذي انتهجوا منهج السلف، وهم غالب وأكثر الحنابلة قديماً وحديثاً، وهذا ليس تأويلاً لكلام د. ثائر بقدر ما هو معرفة شخصية به وبكلامه، ثم يرجع المعقب إلى مصادرة المطلوب في تقريره أن الأشعرية والماتريدية والحنابلة هم مدارس أهل السنة والجماعة العظمى!! والسلفية «المعاصرة» لا تناضل ـ كما زعم ـ لإثبات انتساب ابن تيمية للحنابلة، فحنبليته مثل الشمس، ولكن أي حنبلية، حنبلية المتكلمين، أو حنبلية أحمد بن حنبل!؟ فقوله ذلك وزعمه مغالطة بينة واضحة.
وأما تأثر ابن تيمية بالمعتزلة وابن رشد وبعض مفكري اليهود وابن سينا، فالأولان لا ينكر السلفيون نقاط الالتقاء بين مذهب أهل الحديث وبينهما، سواء في خلق أفعال العباد أو قدم العالم النوعي أو غيره، وإن كانا لا يتطابقان تماماً، ويفترقان في نقاط جوهرية تميز بينهم، والتأثر بالغير سنة الحياة، والمنتسبون للإسلام يتأثر بعضهم ببعض، ويأخذ بعضهم الحق الذي عند غيره، فيضمه إلى الحق الذي عنده، باحثاً بذلك عن العقيدة السليمة، ومثل هذه الأمور قد يسميها البعض تأثراً لرأي يراه، وهذا رأي د. ثائر، على حسب ما وصل له، وغيره قد يرى خلاف ذلك، وليس كل اثنين اتفقا على قول يلزم أن يكون أحدهما مؤثراً أو متأثراً بالآخر.
وختاماً، فحلقة الدكتور ثائر الحلاق من أفضل الحلقات المرئية، وفيها من الفوائد الجمة والعزيزة، وهذا مقتضى الإنصاف، وليس دفعاً عن مجهول، فكل من سمع الحلقة يدرك جيداً أنه لا يمكن أن يخرج دون فوائد، سواء كنا من الموافقين لما قرره ووصل إليه د. ثائر أو لا، والحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها أخذها، ولذلك انتفع خلق بهذه الحلقة وإن كانوا مخالفين للدكتور ثائر، أو لشيخ الإسلام، وأما من وافقهما فإنه شهادته مجروحة في الفوائد.
ومن درس شيخ الإسلام عرف مكانته العظيمة في التأريخ لمقالات الفرق، حتى لا أبالغ إن قلت إن من تتبع رواياته ونقولاته عن الفرق وجمعها سيخرج بكتاب من مجلدات في ذلك، وارجع إلى كتابي: المؤرخ الممتاز لتلمح طرفاً من ذلك، أو ارجع ـ وهو الأفضل ـ إلى كتب شيخ الإسلام، وأما مكانته في الفقه، والتفسير، والحديث، وأصول الفقه، وسائر العلوم، فهي معروفة لخصومه قبل موافقيه، ومن أنصف ذكر ونبه على ذلك في كتبه، ومن قرأ مر معه مثل ذلك.
والسلام على من اتبع الهدى..

جزاك الله خيرا
أتمنى أن يصل المقال للكاتب عبد المنعم أديب ويقف عنده صامتا ومتأملا ولا يحتاج إلى ان يكتب ردا
مذ قرأت تعليق الأستاذ عبدالمنعم و أنا منزعج من التجني الوارد في تعليقه على البودكاست حتى أثلجت صدري الآن يا شيخ بهذا الرد المنصف .
جزاك الله و الدكتور ثائر كل خير ، و رحم الله شيخ الإسلام ابن تيميه و جزاه عنا كل خير .
جزاكم الله خيرا
جزاكم الله خيرا
هناك تجن واضح في تعليق الأخ…الذي يعرف الدكتور ثائر يدرك أنه لا يقدس احد و انه يحث الناس على امتلاك ملكة النقد و البحث ….
بودكاست أكثر من رائع و نطالب الدكتور ثائر بالمزيد و عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله …..
هذا المتعقب وأمثاله سيقولون نفس الكلام مهما سمعوا ومهما بينت لهم من حق وأدحضت أمامهم من باطل؛ فهو ما أتى إلا ليلقي تلك الأسطوانة المشروخة التي تلقاها بلا عقل ولا فهم والغالب أنه سيموت عليها لأنه صم الأذنين مغلق العينين عن سوا ما تلقاه عن شيوخه وصبغوه له بالعصبية العمياء فسيبقى في قاع الجهل ما حيي إلا أن يفتح الله على بصيرته لو ناجاه في طلب ذلك بصدق!
أتفق معك ياصديقي بردك على المذكور آنفاً في مقالك ولكني رأيت تعليق لك استنكرت فيه على الدكتور كلامه حول السلفية المعاصرة
وأنا أعجب منك في ذلك ألا ترى أن المدارس السلفية بكل أطيافها تأخذ من ابن تيمية ماتدعم به موقفها وتناقضه في مجالات أخرى من توحيد ألوهية إلى ولاء وبراء وأحكام ديار مع الترهل العلمي والمعرفي الغالب منهم فتراه مرة ظاهريا ومرة حنبليا ومرات لامذهبيا ويطلق أحكامه بلاتقييد من باب سد الذرائع ومرة يعذر بالجهل ومرات لايعذر ويجعل من المكروه حرام ومن الحرام كفر أخي الكريم أعطني الأن نموذج احتذى بابن تيمية حذو القذة بالقذة ناهيك عن أنه ليس بمعصوم بكل ما قال
لاضير أن يكون للشخص عدة مرجعيات لكن الانتقائية بما يخدم فكرة معينة وجعلها قضية محورية يوالون ويعادون عليها هنا
تكمن المشكلة كما يفعل الأن اليوتيوبرات الحدادية ومن قبلهم المداخلة وداعش وعلى الطرف الآخر يوتيوبرات الاشاعرة والمتصوفة وايتام الأسد وربيبي قاديروف وابن زايد والسيسي