المدونة

أُمَّة الإسلام السياسي

بدايةً فإن مصطلح الإسلام السياسي هو مصطلحٌ حديثٌ لم يُعرَف قبل مائة عام تقريبًا، فالعالم السياسي للمسلمين قد تغيَّر كُليًّا بعد سقوط الخلافة العثمانية (1342هـ/1924م)، وأصبح المسلمون يفتقدون البوصلة التي تجمعهم، حتى وإن كانت “صورية ضعيفة” على غرار العباسيين في آخر أيام دولهم.
وهنا يجب الوقوف على محطات مهمة في تاريخ المسلمين:
كان أول اختبار واجهه المسلمون بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- (11هـ)، مَن يخلف النبي في رعاية شئون الأمة بعده؟
وقد اجتمعت كلمة الأمة على خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في أول خلافته ثم ظهرت الفتن التي أودت بحياة الخليفة الثالث، ثم ولي عليُّ بن أبي طالب، فكان ختام دولة الخلفاء الراشدين (40هـ).
ثم بعد ذلك تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، وبهذا اتفقت كلمة الأمة مرة أخرى على خليفة واحد، ثم ما لبثت الثورات والفتن في الدولة الأموية حتى سقوطها على يد العباسيين (132هـ).
ثم كانت دولة العباسيين، أكثر العصور الإسلامية ازدهارًا، وقبل سقوط بغداد (656هـ/ 1258م) كانت الأمة الإسلامية ذات شأن وبها ممالك في مختلف الأقطار الإسلامية بل منها مَن كان يضاهي دار الخلافة ويزيد عليها ترفًا وقوةً، فكان المسلمون يتقلبون بين الأمصار، يُعرَفون وينتسبون للإسلام أمّةً واحدةً لا دولة بعينها.
فقامت دولٌ في الأمصار كثيرٌ منها إمارات تدين بالولاء لرأس واحد وكلمة جامعة، فلما سقط العباسيون على يد المُغول، نهضت الأمة علماؤها وجيوشها كلٌّ يسعى لرفع الراية مرة أخرى، وقد كان للمماليك آنذاك قصب السبق في صد أعنف خطر للمُغول في معركة عين جالوت (658هـ/ 1260م)، ليس عن دولة الإسلام فقط بل عن العالم كله، وبعد مرور ثلاث سنوات فقط من سقوط الخلافة في بغداد، أُعلن في القاهرة إعادة الخلافة العباسية عام (659هـ/ 1261م) بعد استقدام السلطان المملوكي الظاهر بيبرس أحد أفراد البيت العباسي الناجين، وهو “الخليفة المستنصر بالله الثاني” إلى القاهرة.
وكان للعثمانيين قوة في الغرب الأوروبي تضاهي دولة المماليك في الشرق، وخاصة بعد أن فتح العثمانيون القسطنطينية (857هـ/ 1453م) ذلك الفتح الذي لم يعرف المسلمون فتحًا مثله منذ عقود طويلة، وكانت العلاقة إلى حد ما وطيدة بين الدولتين.
فلما ضعفت دولة المماليك وكانت لا محالة إلى انهيار؛ بسبب الضعف الداخلي والانقسامات، والخطر الخارجي المتمثل في الصفويين تارة والبرتغاليين تارة أخرى، فاتجه السلطان العثماني سَليم الأول إلى بلاد الشام ومصر، وهزم جيش المماليك في الشام (مرج دابق 922هـ/ 1516م) ومصر (الريدانية 922هـ/1517م)؛ مما مهد الطريق لدخول العثمانيين إلى القاهرة؛ فكان ذهاب دولة المماليك على أيدي العثمانيين، فتوجهت أعناق المسلمين إلى وِجهة جديدة لم يألفوها من قبل..
فازدهرت الدولة العثمانية لعقود طويلة حتى اعتراها الخور والضعف كما يقرر حال الدول ابن خلدون في المقدمة اختصارًا: “الدولة في أولها تكون بدوية خشنة شديدة، ثم تتحول إلى الترف شيئًا فشيئًا، حتى يدخل عليها الهرم والكسل فتنقرض، وتخلفها دولة أخرى مثلها.. وهذه سُنة الله في خلقه”.
ولكن قبل سقوط الخلافة (العثمانية) كانت جُل العواصم الإسلامية والعربية تحت وطأة المستعمر الأوروبي، وكانت الأمة الإسلامية منهكةً ضعيفةً متشرذمةً، وكانت هناك جهود مضنية في سبيل إحياء الأمة مجتمعًا وسياسةً لكن لم تُجدِ نفعًا..
ومن ثَمَّ ظهرت الحركات الإسلامية، أولًا: لمواجهة المستعمر الغربي وتحرير البلاد الإسلامية، وثانيًا: الساعية لوجود نظام سياسي يجمع أطياف الأمة مرة أخرى وهو (المشروع الأُمَمي)؛ ومن هنا ظهر مفهوم الإسلام السياسي، الذي يسعى لنظام سياسي مرجعيته الشريعة الإسلامية، يتخطى حاجز الحدود الجغرافية، لأول مرة في واقع مختلف عما سبقه من عهود طيلة ثلاثة عشر قرنًا مضوا، ويسعى للإجابة عن أسئلة ربما كانت مُسلَّمات عند كل مسلم عاش في القرون الخالية، يواجه تحديات وصعوبات رُبَّما لها في التاريخ أمثال، لكن ليس بكل هذا الضعف والتشرذم.
فقد كانت الأمة الإسلامية تمارس السياسة بمفهوم جامع تحت راية الخلافة، وإن اعترى تلك السياسة شكل مختلف عما هو عليه الآن، فلم يكن المسلمون خلفاء وقادة ووزراء وعلماء وفقهاء -من لدن الصحابة حتى اليوم- يجهلون السياسة، لكن كانت المرجعية الأولى لهم جميعًا الإسلام وأحكامه باختلاف مذاهبه المعتمدة، حتى وإنْ وُصفت بعض تلك الأزمان بالاستبداد والظلم، فقد كان الدين قائمًا، وكانت حركات الإصلاح قائمة تصلح ما اعوَّج قدر المستطاع.
وكما نرى فإن مصطلح (الإسلام السياسي) نشأ في القرن العشرين، خاصةً بعد سقوط الخلافة العثمانية (1342هـ/1924م)، حين بدأت بعض الحركات الإسلامية تنادي بإعادة الحكم الإسلامي، في ظرف تاريخي لم يشهدوا مثله من قبل، وفي مواجهة تيارات مناهضة لكل مظاهر الحكم الإسلامي في البلاد الإسلامية، أو بمعنى أدق تيارات مناهضة لكل الموروث القديم بكل صوره، لا تفرق بين الصالح وما دونه.

في الفكر السياسي الإسلامي. مدخل تأصيلي ج2 01 أُمَّة الإسلام السياسي

فكانت أهم أفكار الإسلاميين:

الحاكمية لله، وتطبيق الشريعة (يجب أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا أو المصدر الرئيس للقوانين)، ورفض العلمانية التي هي (فصل الدين عن الدولة)، وتعزيز الهوية الإسلامية (التركيز على الهوية الحضارية الإسلامية ورفض التغريب)، فالإسلام لا يقتصر على العبادات وحدها، بل يشمل نظامًا سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.
وجل الحركات والجماعات الإسلامية كانت تسعى للإجابة عن سؤال واحد: كيف حكم المسلمون أنفسهم لاثني عشر قرنًا كانت السيادة للإسلام وحده؟
فمنهم من وُفِّق ومنهم من أخطأ، ونجد اليوم المكتبة العربية الإسلامية زاخرة بالكتب والمجلدات للإجابة عن ذلك السؤال النظري، فمنهم من تناول نظام الحكم السياسي في الإسلام، وآخر يتناول النظام الاجتماعي، والاقتصادي، والعمراني، وهلم جرا..
وأما على المستوى الحَرَكي والعملي، فقد وقفت بعض الحركات موقفًا عسكريًّا صلبًا؛ يرونه الحل لما أصاب الأمة من ضعف، وذلك للتحرر من الاستعمار بالقوة.
وآخرون انخرطوا في مجال العمل الحزبي المؤسسي يرونه الحل السلمي الأمثل، وآخرون في المجال التعليمي والإصلاح المجتمعي والخدمي.. كلٌّ يسعى لغاية واحدة.
وختامًا: فإن لتيارات الإسلام السياسي اليوم رصيدًا كافيًا من التجارب خلال المائة عام الأخيرة، وهو التاريخ القريب، بجانب رصيد كبير جدًا خلال أربعة عشر قرنًا؛ للتعامل مع التحديات المتكررة، إن أحسنوا قراءة الواقع.
وفي الأثر: «إنَّ هذا الأمر لا يقومُ به إلا مَن أحاط به مِن كل جوانبه»، «المسلم عالم بِزَمَانِهِ مقبل على شانه».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى