
ثمّة كتبٌ لا تُقرأ على عجل، ولا تُقلّب صفحاتُها بدافع الفضول فقط؛ بل تحتاج إلى قارئ جاء وفي داخله استعدادٌ للإنصات. «أُنس الحكمة» واحد من هذه الكتب.
كتاب جديد للأديب الأستاذ عبد المنعم أديب، صادر هذا الشهر عن بيت العلم والحكمة؛ مجلة حكمة يمانية.
كتاب جاء بعد صوم صاحبه عن إصدار الكتب حينًا من الدهر، وهو ما بيّنه لنا في مقدمة معتبرة، تمهّد لكتاب قيّم معتبر. هذا الكتاب مساحة تفكير هادئة، يجلس فيها الكاتب مع قارئه جِلسَة عالِمٍ ومحب.
يكتب أستاذنا عبدالمنعم أديب بلغة رصينة، عميقة، وجادة. تشعر أثناء القراءة أنك أمام عقل اشتغل على الأسئلة طويلًا قبل أن يقدّم الإجابات.
الكتاب في جوهره رحلة فكرية متعددة المسارات. ثلاث دوائر كبرى تتجاور:
• في الدراسات القرآنية.
• قضايا في فكرنا المعاصر.
• تأمُّلات في رياحين الكتب.
غير أن هذا التقسيم ليس فصلًا ميكانيكيًا بين موضوعات متباعدة، ولكنه تنظيم واعٍ لمسار فكري يبدأ من النص المُؤسِّس، ويمر بالواقع الفكري الراهن، لينتهي عند فعل القراءة نفسه بوصفه ممارسة ثقافية وإنسانية.
ومع هذا التنوّع، يظلّ الخيط النّاظم حاضرًا: وهو روح الباحث الجاد، والقارئ العميق، والمفكر الذي يدرك أن المعرفة مسؤولية.
يأتي الفصل الأول (في الدراسات القرآنية)، بوصفه حجر الأساس الذي يُفهم على ضوئه مسار الكتاب كله. فالفصل يقدم رؤية في كيفية الاقتراب من النص القرآني وتراثه التفسيري.
في مقال «الرسالة الشافية في إعجاز القرآن: ماذا يقدّم لنا التراث؟»، يضع الكاتب هذا السؤال في صيغته الأولى. فهو يناقش الإعجاز بوصفه مفهومًا تشكّل تاريخيًا، وتداخل فيه العلمي بالبلاغي والعقدي.
ثم ينتقل الكتاب إلى مقالات تتناول نماذج تفسيرية كبرى، مثل أبي بكر ابن فورك والرازي. ففي الوقوف عند ابن فورك، نعرف كيف تشكّلت العلاقة بين العقيدة والتفسير، وكيف أثّرت الخلفية الكلامية في فهم النص القرآني.
أما في مقال «تفسير الرازي وفُسيفساء القرآن الكريم»، فتبدو اللغة أكثر شاعريةً وعمقًا؛ إذ يلتقط الكاتب تعددية الرؤية عند الرازي، ويقدّمها بوصفها ثراءً لا اضطرابًا.
ويأتي مقال «كتاب تأويل مشكل القرآن بين دفاتر ثلاثة» ليؤكد أن القرآن نصٌّ يُدار إشكاله بعقل واعٍ وأدوات رصينة.
وفي مقال «المقاصد القرآنية من قصة أصحاب الكهف»، تتجلّى قدرة الكاتب على الانتقال من الإطار النظري إلى النص القصصي القرآني، دون أن يفقد توازنه المنهجي. فهو لا يقف عند تفاصيل الحكاية، وإنما ينفذ إلى مقاصدها الكبرى: الزمن، الإيمان، الصبر، والاختبار.
أما المقال الأخير «معاني مادة الصناعة في القرآن الكريم»، فيكشف جانبًا لغويًا دقيقًا من اشتغال الكاتب؛ إذ ينتقل إلى مستوى الدلالة اللفظية، ليبيّن كيف تحمل المفردة القرآنية شبكة من المعاني، تفتح أفقًا لفهم العلاقة بين الإنسان والفعل والعمل والخلق.
وهذا المقال، وإن بدا لغويًا في ظاهره، إلا أنه يخدم الرؤية العامة للفصل: القرآن نص يُقرأ في كُليّته، لا في عزلة مفرداته. وإعادة الاعتبار للعقل المسلم المنتج، والتأكيد -ضمنيًا- على أن قوة النص القرآني والتراثي في حاجة ماسَّة إلى قراءة صحيحة، واعية ومسؤولة.
وعلى اختلاف موضوعات الفصل الثاني ظاهريًا، فإن الخيط الفكري الذي يجمعها واحد وواضح: الدفاع عن العقل المنضبط في زمن الفوضى الفكرية.
جميع المقالات، من جناية غير المتخصصين، إلى العقاد، وفلسطين، وطوفان الأقصى، وفقدان الرموز… تشترك جميعها في سؤال مركزي غير معلن:
كيف نفكّر؟ وبأيّ أدوات؟ وتحت أيّ معايير؟
الفصل يرصد أزمة منهج:
أزمة في التخصص.
أزمة في القراءة.
أزمة في التعامل مع الحدث.
أزمة في ضبط المفاهيم العقدية والفكرية.
أزمة في صناعة الرمز.
يتحدث الكاتب من موقع المسؤولية الفكرية. يسعى إلى تفكيك الأسئلة نفسها، وإعادة ترتيبها داخل سياقها التاريخي والمعرفي. فيُحاور الأفكار، ويعرض الخلاف دون تهوين أو تهويل.
وفي الفصل الثالث: تأملات في رياحين الكتب، يبلغ الكتاب ذروة أُنْسه. فلا نقرأ مجرد عرض أو تحليل لمحتوى الكتب، ولكننا نستمع إلى حوار حقيقيّ مع النصوص.
هنا، تتبدّل النبرة بوضوح. يتخفّف الخطاب من الجدل، ويقترب إلى التأمل، دون أن يفقد قوته الفكرية.
اللغة هنا أكثر ليونة، مشحونة بالدلالة. نلمس حضور قارئ واع، يعرف متى يتكلم، ومتى يفسح المجال للنص كي يقول كلمته. فالكاتب قارئ أصيل، يُنصت إلى ما يقوله الكتاب، ثم يسأل:
لماذا كُتب؟
وكيف كُتب؟
وما الذي يمكن أن يفتحه في وعينا؟
يلتزم «أُنس الحكمة» بأسلوب يراهن على قريحة قارئ يقظ، لغة أمينة للفكرة، لا تُسطّح المعنى طلبًا للانتشار، ولا تتعقّد بدافع الاستعراض.
وقد تُحسب هذه الكثافة اللغوية على الكتاب عند بعض القراء، لكنها في الحقيقة جزء من هويته؛ إذ يرفض أن يكون نصًا مهادنًا، ويصر على أن تكون القراءة مشاركة ذهنية لا تلقّيًا سلبيًا.
بعض المقالات تفترض معرفة سابقة قد تُربك القارئ العام (كما حدث معي) وكان يمكن في بعض المواضع تقديم تمهيد أوضح. غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من قدر الكتاب؛ بل تؤكد على طبيعته الانتقائية، فهو (كتاب انتقائي)، يسعى إلى بناء علاقة متينة مع قارئ جاد، يبحث عن العمق.
أجمل ما في «أُنس الحكمة» أنه يُحرّضك على التفكير. لا يفرض رأيًا، ولا يستدرجك إلى موقف، ولكنه يضعك أمام الفكرة عاريةً من كل زيف، ويترك لك متعة الاشتباك معها. وهذا -في رأيي- جوهر الكتابة الجادة.
«أُنس الحكمة» كتاب للصحبة الطويلة؛ يُقرأ على مهل، ويترك في النفس أثرًا من أنس… لا ينتهي مع الصفحة الأخيرة.
