المدونة

الطريق إلى جوهر السعادة..!

تقف على مفترق طرق، ثم تحتار أي الطريق تسلك، من أجل الوصول إلى جوهر السعادة الحقيقية. تتملكك الحيرة في البداية، ويتوارد إلى ذهنك عدة أسئلة مختلفة ” هل أواصل، أم أعود؛ هل من هذا الإتجاه، أم من إتجاه آخر ؟!” بينما أنت تملك لائحة عليها إشارات تحمل إجابات تلك الأسئلة؛ بعض الإجابات، تحثك على مواصلة السير – مهما كانت الوسائل- وبعضها تثبطك، لتبقيك في مكانك.

لا ريب أن كل طريق، يحفه التعب، وترافقه المخاطر؛ مع التفاوت بين ذلك. البعض يتردد في البداية، والبعض يتوقف في المنتصف، ومنهم من يكمل إلى النهاية. وكل نهاية طريق، تحمل في طياتها إما الفوز أو الخسارة. ثمة طريق معقد للغاية، والوصول إلى نهايته، يحتاج إلى بذل جهد، ويتطلب وقودًا أكثر؛ يصل البعض إلى باب مغلق، غير قابل للاجتياز؛ ربما كانت البداية خاطئة، ولكن غالبًا ما يكون فيها حكمة ” هذه الحكمة ” ليست خفية، لعل تجارب الكثير في وصولهم إلى أبواب مغلقة، كان حريًا بهم، أن ينجحوا من أبواب أخرى، ليقدموا بعدها الشكر الوافر، لتلك الأبواب المغلقة!

هناك طريق بسيط، لا يحتاج إلى ذلك الجهد المضاعف؛ وهنا تبرز السعادة، التي تكمن في ” البساطة ” إن الطريق إلى السعادة، هي تلك التي تسلكها، وأنت راضٍ بما تملك، ولو بوسائل يسيرة؛ أن تعبر الطريق خفيفًا، قنوعًا بذاتك الحقيقية؛ فلا تهرب منها، ولا تسعى لتغييرها، لكي ترضي الآخرين؛ لأنك في الحقيقة مختلف، ولديك ما يميزك عنهم. فلكل إنسان جوانب إيجابية، وسلبية؛ التدقيق في الجوانب السلبية، هو ما يجعل الإنسان يتوقف، ولا يواصل الطريق.

يريد الإنسان الحصول على ما يتمنى، وإن كان لا يسعى من أجل ذلك؛ ولا ريب أن التمني لا يتوقف عند حد معين، فلو حصل الإنسان على شيء، لتمنى شيئًا آخر. وليس التمني بحد ذاته أمرًا سيئًا، بل السيء في الأمر أن يتملكه الطمع، ولا يرضى بما عنده، ينظر للآخر فيتمنى ما عنده ، وسرعان ما يتمنى زواله، ليتحول إلى حسد محض؛ والحسد – دائمًا – ما يلازمه الامتعاض الشديد للذات، مع تلاشي السعادة. وأن ترضى بما عندك، لا يعني التوقف – تتمنى ولا تسعى – بل الانطلاق، للوصول إلى مراتب أعلى، هو أمر لا بد منه.

امتلاك الماديات، لا يعني امتلاك السعادة. والترف الزائد، لا يدل على السعادة، يقال ” إذا ترف الجسم، تعقدت الروح ” فلا بد أن يكون الجسم مع الروح، في ذروة الاتساق. كما أن السعادة ليست بالغلو في بالعبادات؛ حال الثلاثة ”  إني أصوم ولا أفطر، إني لا أتزوج .. إلى آخر ذلك ” – لأن هذا هو الهلاك بحد ذاته – وليست في محاولة الوصول إلى مرتبة الكمال المطلق، لأن الوصول إلى الكمال، كما يقال ” وهم وخيال ” فطلب الحياة المثالية المفرطة، ليست مجدية؛ ولن تعود عليك إلا بالخيبة، لا السعادة. فلا بدّ من التوسط، والاعتدال؛ ولا بد للجسم أن يأخذ حقه في الراحة والاستجمام، وهنا يحدث الانسجام بين الروح والجسد؛ ومنه تنشأ السعادة.

المال ليس هو السعادة بعينها، مع أخذ الاعتبار أن الفقر ليس هو البساطة. المال ضرورة ملحة؛ مع وجود البساطة. والربط بين البساطة والمال، ليس في معناه ” احتكار المال ” هناك من يملك مالًا، ولكنه لا ينفقه على نفسه، أو على أولاده؛ البعض يتظاهر بعدم وجود المال، وهنا مما لا شك فيه أنه سيعود عليه بالفقر؛ يقول علي ابن أبي طالب – رضي الله عنه – ” من تفاقر افتقر، فإن التظاهر بالفقر يورث الفقر” وفرق بين من يملك المال، وبين من يعدمه؛ الآخر ينظر للحياة، بنظرة يشوبها الضنى؛ تتلاشى سعادته، إن لم يكن قادرًا على توفير المقومات الأساسية، في حياته ذاتها.

إن السعادة الحقيقية، تكمن في البساطة؛ وطريق البساطة تنقلك إلى مكان خال من أي عوائق، إلى مكان لا ينتابه أي غموض. يتحدث ” فرنر كوستنمخر ” في كتابه ” simplify your life ( بسط حياتك ) ” عن البساطة قائلًا ” يكمن جوهر طريق التبسيط في أن ينقلك إلى شق درب نظيف، وواضح المعالم ” والبساطة ليس معناها ” الركود ” أو ” التخلف ” حيث يعدها – فرنر – ” ليست رجوعًا إلى الطبيعة على طريقة ‘ روسو ‘ إنما يبحث طريق التبسيط على البساطة الكامنة في داخلك ” البساطة هي تلك العفوية التي يتحلى بها الإنسان، بعيدًا عن التكلف!

يتملك الإنسان الطمع، فيجنح عن طريق البساطة، إلى طريق معقد ليس له نهاية؛ لعل المشكلة تكمن في التغاضي عن الموجود، والركض خلف المفقود. أو أن يترك ما بحوزته، ثم إذا به يتحسر على ما فاته ( الوقوف مطولًا، على أطلال الأشياء) يتحدث ” ديكارت ” عن هذه المشكلة؛ قائلًا ” إن مشكلتنا هو أن نترك حدائقنا الجميلة، وننظر إلى الأطلال البالية ” فبعض الأشياء البسيطة التي تملكها، غيرك قد لا يمتلكها؛ قد تملك الدنيا بحذافيرها، فقط لمجرد – كما جاء في معنى الحديث – ” أن تكون معافىً، تملك قوت يومك ” لا أن تكون ذو سلطة ونفوذ!

أنت في حديقة البساطة، وفيها من النعم التي لا تحصى. النعم تزداد بالشكر، والحديقة تزدهر بالعناية الصحيحة ( حياتك بحاجة إلى أخذ قسطًا من الراحة، من أجل التنظيم والترتيب ) تلملم شتاتك بسجدة. حياتك مع الآخرين، يجب أن تكون بشكلها الطبيعي، دون تكبر أو تباهي؛ قد تكمن سر السعادة، بين العامة في ” الكلمة الطيبة، والابتسامة الخفيفة” والسعادة في الزواج تتحقق، بوجود طرفين يتسمان بالاحترام المتبادل، وتفهم الآخر. السعادة تأتي مع الأشياء البسيطة، تجد هذا ملخصًا عند ” غاندي ” في قوله ” نحن نبحث عن السعادة بعمق، ثم نجدها في أبسط الأشياء”!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى