المدونة

الغرب كما لا يحب أن يرى

الهمجية التي تلبس بدلة أنيقة، من إبادة الهنود إلى تحرير الشرق

يحرص الغربي على تشويه غيره ما سنحت له الفرصة بذلك، فيدأب على خلق صورة نمطية مغايرة للحقيقة، يصور الشرقي على أنه متخلّف، تابع لا مستقل، وحضارته إن وُجدت فهي امتداد لحضارته هو، لا العربي!

فالعربي عنده لا يؤثر بل يتأثر، ولا يبتكر بل يقلد، ليس أكثر من بدوي صادفته الطبيعة بحقول نفط واسعة، وهكذا أيضًا يصوّر “الشرقي الآخر”؛ فالصيني عندهم إنسان متوحّش، يقتات على الزواحف والحشرات، والحقوق عنده غائبة، وسلطتهم ظالمة، والكوري كذلك،  مع وصف إضافي بأنه طاغيةٌ عديم الرحمة، قاسٍ بطبعه، لا يعرف الشفقة!

فهذا “كيم” رئيس كوريا الشمالية، يُرسم في إعلامهم كشخصية غريبة الأطوار، غبيّة، مجنونة، متسلّطة! تحرم شعبها كل الحقوق، وتسلبه أبسط صور الحياة بل عليه تُحمَّل مسؤولية فقر بلاده، لا على الحصار والتكالب الغربي المضروب عليه منذ عقود!

ومع ذلك، فإن “كيم” ونضعه هنا على سبيل المثال لا الحصر، لم يغزُ العالم، ولم يفرض رأيه على غيره، فلم تتأذَّ منه العراق، ولا تألمت منه أفغانستان، ولم تئن منه الصومال، ولا اشتكت منه فلسطين، فلم ينهب ثروات أحد، ولا سلّم أرض أحد لغيره، ولم يصبغ بلدًا بلونه أو يُكره شعبًا على نسقه.

ثم، إذا كان الاستبداد مقياسًا، فبم نُسمي من يملك الجيوش ويقود الحروب ويُفقر الشعوب ويدعم الطغاة ويموّل الخراب؟! من يكون المتحضّر، ومن يكون المستبد؟!

وعندهم أيضًا أن حال العرب اليوم نتيجة دينهم، وأن تخلّفهم نابع من ثقافتهم، وموروثهم، وتقاليدهم، أما “هم” فخُلقوا ليكونوا أنبياء الحداثة ومبشري التنوير، يسعون لتخليصنا من جهلنا المزعوم، فيرسلون بعثاتهم لتعليمنا، ومنظماتهم لتحضيرنا، ومندوبيهم لحلحلة مشكلاتنا، تمامًا كما يُصلح القوي شؤون العاجز المتخلّف! مع أن التخلف والجهل مسألتان نسبيتان، تخضعان للتاريخ والسياق والعدسة التي نقرأ بها الواقع.

ثم تأتي المسرحية الكبرى الغرب الودود، ذاك الذي يحب الآخرين، ويقبل اللاجئين، ويقدّم المساعدات، ويعطي من الحرية “الكثير والكثير”! فيُرسم الغرب كأرض الأحلام، و”مكة الحقوق”، وحامي المستضعفين في الأرض.

الإعلام الغربي من الحرب على غزة 01 الغرب كما لا يحب أن يرى

وهنا يبرز سؤال بسيط: من حوّل العالم إلى مستعمرة كبرى؟ من اقتلع الشعوب من أرضها؟ من خرّب الشرق وابتلع ثرواته؟ من دمّر العراق باسم الأسلحة الوهمية؟ ومن مزّق أفغانستان بحجة قتال الإرهاب؟ من جفّف الصومال؟ من سلّح الاحتلال في فلسطين وشرّع له الأرض والسماء؟!

الغرب نفسه، لا غيره.

هو من قسَّمَ البلاد، وفرض الحدود، ونصَّبَ العملاء، وابتلع خيرات أفريقيا، وتوغّل في نفط الخليج، وتحكّم في مصائر الناس من خلال “الفيتو” حينًا، ومن خلال الدولار حينًا آخر، ثم لا يكتفي بذلك، بل يُحسن تغليف هذا كله، ويبيعه للعالم باعتباره “نظامًا عالميًا” و”قيمًا إنسانية”.

الغرب الذي يُمارس ضغوطًا هائلة لتمرير مشاريعه، ويصمت عن فظائع الطغاة إن خدموا مصالحه، الغرب الذي ينشر الفحش والعُري، ويستثمر في الإباحية، ويفتح أسواق المخدرات ويشرّع الرذيلة، لأن “الربح” هو الإله الذي يُعبد من دون الله.

ثمّ تعالوا لننظر في بداياته -وإن كان المقال لا يستع لكل هذا لكن دعونا نمر على ما لا يسعنا جهله- أمريكا نفسها قامت على جثث الهنود الحمر، إبادة جماعية قلّ نظيرها في التاريخ، جرى استئصال شعب كامل، وأُبيدت قبائل، وطُمست حضارات، لقيام دولة قيل عنها فيما بعد إنها

“نموذج الحرية”!

ثم نشبت حربان عالميتان، لا ناقة للعالم فيهما ولا جمل، ومن العجيب والمعيب أصلًا أن تُسمّى حربهم العالمية “عالمية”! وهي في حقيقتها حرب أوروبية صرفة، دارت رحاها ببن القوم أنفسهم، وانتهت بانقسامهم وتكشّف أخلاقهم! فلما افتُضح أمر الحرب، وانكشفت وحشيتهم، ولم يعد بالإمكان تغطية الشمس بغربال؛ سمّوها حربًا عالمية، لا أوروبية، حتى يتقاسموا الجُرم مع غيرهم، وتضيع الدماء بين القاتل والمقتول، فعوَّم الجرم على الكل، فإن لامها أحد، فقد لام نفسه بعد!

وأما الإعلام، فحدّث ولا حرج، إعلامهم يكرّر هذه الصور النمطية حتى تُغرس في الوعي وكأنها حقائق علمية، وإعلامنا المموَّل والمتغرّب تابعٌ مقلّد، الذي إن فكر بالتطوير ذهب ليتدرب عندهم، ولا تسأل بعد ذلك كيف يعود، فيكون ملكيًا أكثر من الملك، فيكون دوره في القضية تثبيتًا لها وترويجًا، لتتحوّل الكذبة مع الوقت إلى قاعدة، والمعلومة الزائفة إلى بديهة، ويُصبح من المعيب أصلاً أن تشكك فيها!

فمن ذا الذي يستحق وصف “المتحضّر”؟ ومن الذي يستحق لقب “المتوحش”؟ ومن الذي يعيش حريته، ومن الذي يعيش في قفص وهمي رسمته له آلة الإعلام؟

أجب أنت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى